دخل نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) مكة فاتحًا، والناس ينتظرون حكمه فيمن آذوه وطاردوه سنين. توقع كثيرون يوم حساب طويل، فالذين أمامه هم من حاربوه وأخرجوه من بيته وأهله. قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». كانت قوة خالصة، وكان العفو في أعلى صوره.
عبر التاريخ، كلما وقف إنسان في موضع القوة واختار غير الانتقام، ترك أثراً لا يمحوه الزمن. غاندي، الذي قاوم إمبراطورية بلا سلاح، لخَّص ما فهمه في كلمات قليلة: «الضعيف لا يستطيع أن يعفو، العفو صفة الأقوياء». لم يقلها من فراغ، قالها رجل عرف الأذى وعرف كم يكلِّف أن تتركه دون انتقام.
وفي القرآن الكريم ما هو أبلغ من كل هذا. يوسف عليه السلام، الذي ألقاه إخوته في الجب وكذبوا على أبيه سنوات، حين آتاه الله التمكين ووقفوا أمامه خائفين، لم يُطِل في الحساب. قال: لا تثريب عليكم اليوم. جملة واحدة أغلقت فصلاً طويلاً من الأذى، واختارت ما يمكن أن يُبنى.
ومع حلول العام الهجري، حيث تميل النفوس فطريا إلى المراجعة والتجدد، يبدو الحديث عن العفو أقرب من أي وقت آخر. فما يحمله الإنسان معه من أعوام مضت، إن لم يتصالح معه، يبقى يثقل خطاه.
وكل هذه المواقف، على اختلاف زمانها ومقامها، لم تمحُ الجرح، لكنها رفضت أن يكون الجرح هو النهاية. العفو لا يعني النسيان، ولا يعني أن ما جرى لم يكن. يعني فقط أن تقرر ألا يظل ما مضى سجناً لما هو آتٍ.
العفو يُفهم أحياناً كتنازل عن الحق، وهو في الحقيقة أصعب من المطالبة به. الإنسان إذا تمسك بغضبه طويلاً لا يعاقب من أساء إليه، بل يمنحه سلطة مستمرة على حياته. والعفو الواعي لا يبرئ الخطأ ولا يمحوه، لكنه يرفض أن يظل الماضي هو الذي يقود. هو قرار بأن تضع حملاً لا يراه أحد غيرك، وتمضي نحو ما تبقى من وقت. ولهذا كان العفو دائماً فعل قوة قبل أن يكون فعل طيبة.
وهو لا يعني أن تشعر بالمحبة نحو من أساء إليك، يعني أن تقرر ألا تدع إساءته تسكن فيك أكثر مما أقامت. الفرق بين الاثنين كبير. كثيرون يظنون أنهم لا يستطيعون الصفح لأنهم لا يزالون يشعرون بالألم، والحقيقة أن الألم لا يمنعه، هو فقط يجعله أصعب وأثمن.
لكن العفو لا يأتي بالأمر، ولا يصلح لكل جرح. هناك جراح تحتاج وقتاً، وحدوداً واضحة، ومساراً قانونياً كاملاً قبل أي حديث عن الصفح. وكل إنسان يعرف وحده متى يكون مستعداً، ومتى يحتاج أولاً إلى الأمان والاعتراف بما مرّ به.
وفي بلدنا لحظة من هذا القبيل لا تزال حاضرة في الذاكرة. في العام الماضي، فقد طفل حياته بعد أن نُسي في السيارة ساعات، وكان ألم أهله من النوع الذي لا تكفيه الكلمات. فقد الطفل وحيداً، دون أن يودّعه أحد، ودون أن يعرف أحد. وهذا النوع من الفقد يحمل من الثقل ما يكاد يسحق كل شيء، الصبر والإيمان والقدرة على الاستمرار.
غير أن ما فعله والداه ترك أثراً خاصا في الوعي العام. تجاوزا الصمت والغضب معاً، وذهبا إلى ما هو أصعب منهما. عفوا عمن تسببت في المأساة، وقالا إنها لم تقصد، وإن ما حدث قضاء لا يحتمل أن يُضاف إليه انتقام. وفي مجتمع صغير تتناقل فيه الأخبار بسرعة، وتبقى الجراح طويلاً في الذاكرة الجماعية، كان هذا القرار درساً لم يُعلَم في فصل، ولم يُكتب في كتاب.
هذا العفو لم يُلغِ مسؤولية ما جرى، لكنه غيّر طريقة النظر إلى العدالة. القانون يحاسب، وهذا حقه. لكن القلب وحده يقرر أن يسامح. قرار صعب من والدين كان في وسعهما أن يجعلا ألمهما حكماً على غيرهما، فاختارا ألا يفعلا.
ولعل هذا هو الأثر الذي لا يُحسب. العفو إذا حدث أمام الناس لا يبقى شأناً خاصاً، يصبح شيئاً يراه من حوله ويحمله معه دون أن يدري. الذي يشهد إنساناً يعفو في لحظة ألم حقيقي يخرج من تلك اللحظة مختلفاً، وكأن شيئاً فيه أُعيد ترتيبه.
هكذا يكون العفو. صاحب الجرح يقرر ألا يظل أسيره، مهما كان حجمه. قرار لا يُعلن، ولا يُكتب عنه مقال، ولا يراه إلا من عاشه. يحدث في كتمان داخل بيوت لا يعرفها أحد، في لحظة يقرر فيها إنسان عادي أن يكون أكبر مما حدث له. وهذا بالضبط ما يجعله أصعب القرارات، وأخفها في الوقت نفسه على القلب الذي يحملها.
rajabnabeela@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك