العدد : ١٧٦٢٤ - الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٤ - الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

العفو الواعي.. أصعب القرارات وأخفها على القلب

بقلم: نبيلة رجب

الثلاثاء ٢٣ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

دخل‭ ‬نبينا‭ ‬محمد‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬مكة‭ ‬فاتحًا،‭ ‬والناس‭ ‬ينتظرون‭ ‬حكمه‭ ‬فيمن‭ ‬آذوه‭ ‬وطاردوه‭ ‬سنين‭. ‬توقع‭ ‬كثيرون‭ ‬يوم‭ ‬حساب‭ ‬طويل،‭ ‬فالذين‭ ‬أمامه‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬حاربوه‭ ‬وأخرجوه‭ ‬من‭ ‬بيته‭ ‬وأهله‭. ‬قال‭: ‬‮«‬اذهبوا‭ ‬فأنتم‭ ‬الطلقاء‮»‬‭. ‬كانت‭ ‬قوة‭ ‬خالصة،‭ ‬وكان‭ ‬العفو‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬صوره‭.‬

عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬كلما‭ ‬وقف‭ ‬إنسان‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬القوة‭ ‬واختار‭ ‬غير‭ ‬الانتقام،‭ ‬ترك‭ ‬أثراً‭ ‬لا‭ ‬يمحوه‭ ‬الزمن‭. ‬غاندي،‭ ‬الذي‭ ‬قاوم‭ ‬إمبراطورية‭ ‬بلا‭ ‬سلاح،‭ ‬لخَّص‭ ‬ما‭ ‬فهمه‭ ‬في‭ ‬كلمات‭ ‬قليلة‭: ‬‮«‬الضعيف‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يعفو،‭ ‬العفو‭ ‬صفة‭ ‬الأقوياء‮»‬‭. ‬لم‭ ‬يقلها‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬قالها‭ ‬رجل‭ ‬عرف‭ ‬الأذى‭ ‬وعرف‭ ‬كم‭ ‬يكلِّف‭ ‬أن‭ ‬تتركه‭ ‬دون‭ ‬انتقام‭.‬

وفي‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبلغ‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬هذا‭. ‬يوسف‭ ‬عليه‭ ‬السلام،‭ ‬الذي‭ ‬ألقاه‭ ‬إخوته‭ ‬في‭ ‬الجب‭ ‬وكذبوا‭ ‬على‭ ‬أبيه‭ ‬سنوات،‭ ‬حين‭ ‬آتاه‭ ‬الله‭ ‬التمكين‭ ‬ووقفوا‭ ‬أمامه‭ ‬خائفين،‭ ‬لم‭ ‬يُطِل‭ ‬في‭ ‬الحساب‭. ‬قال‭: ‬لا‭ ‬تثريب‭ ‬عليكم‭ ‬اليوم‭. ‬جملة‭ ‬واحدة‭ ‬أغلقت‭ ‬فصلاً‭ ‬طويلاً‭ ‬من‭ ‬الأذى،‭ ‬واختارت‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُبنى‭.‬

ومع‭ ‬حلول‭ ‬العام‭ ‬الهجري،‭ ‬حيث‭ ‬تميل‭ ‬النفوس‭ ‬فطريا‭ ‬إلى‭ ‬المراجعة‭ ‬والتجدد،‭ ‬يبدو‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬العفو‭ ‬أقرب‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬آخر‭. ‬فما‭ ‬يحمله‭ ‬الإنسان‭ ‬معه‭ ‬من‭ ‬أعوام‭ ‬مضت،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يتصالح‭ ‬معه،‭ ‬يبقى‭ ‬يثقل‭ ‬خطاه‭.‬

وكل‭ ‬هذه‭ ‬المواقف،‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬زمانها‭ ‬ومقامها،‭ ‬لم‭ ‬تمحُ‭ ‬الجرح،‭ ‬لكنها‭ ‬رفضت‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الجرح‭ ‬هو‭ ‬النهاية‭. ‬العفو‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬النسيان،‭ ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬لم‭ ‬يكن‭. ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬تقرر‭ ‬ألا‭ ‬يظل‭ ‬ما‭ ‬مضى‭ ‬سجناً‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬آتٍ‭.‬

العفو‭ ‬يُفهم‭ ‬أحياناً‭ ‬كتنازل‭ ‬عن‭ ‬الحق،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬أصعب‭ ‬من‭ ‬المطالبة‭ ‬به‭. ‬الإنسان‭ ‬إذا‭ ‬تمسك‭ ‬بغضبه‭ ‬طويلاً‭ ‬لا‭ ‬يعاقب‭ ‬من‭ ‬أساء‭ ‬إليه،‭ ‬بل‭ ‬يمنحه‭ ‬سلطة‭ ‬مستمرة‭ ‬على‭ ‬حياته‭. ‬والعفو‭ ‬الواعي‭ ‬لا‭ ‬يبرئ‭ ‬الخطأ‭ ‬ولا‭ ‬يمحوه،‭ ‬لكنه‭ ‬يرفض‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬الماضي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يقود‭. ‬هو‭ ‬قرار‭ ‬بأن‭ ‬تضع‭ ‬حملاً‭ ‬لا‭ ‬يراه‭ ‬أحد‭ ‬غيرك،‭ ‬وتمضي‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬وقت‭. ‬ولهذا‭ ‬كان‭ ‬العفو‭ ‬دائماً‭ ‬فعل‭ ‬قوة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فعل‭ ‬طيبة‭.‬

وهو‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تشعر‭ ‬بالمحبة‭ ‬نحو‭ ‬من‭ ‬أساء‭ ‬إليك،‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تقرر‭ ‬ألا‭ ‬تدع‭ ‬إساءته‭ ‬تسكن‭ ‬فيك‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬أقامت‭. ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الاثنين‭ ‬كبير‭. ‬كثيرون‭ ‬يظنون‭ ‬أنهم‭ ‬لا‭ ‬يستطيعون‭ ‬الصفح‭ ‬لأنهم‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬يشعرون‭ ‬بالألم،‭ ‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬الألم‭ ‬لا‭ ‬يمنعه،‭ ‬هو‭ ‬فقط‭ ‬يجعله‭ ‬أصعب‭ ‬وأثمن‭.‬

لكن‭ ‬العفو‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬بالأمر،‭ ‬ولا‭ ‬يصلح‭ ‬لكل‭ ‬جرح‭. ‬هناك‭ ‬جراح‭ ‬تحتاج‭ ‬وقتاً،‭ ‬وحدوداً‭ ‬واضحة،‭ ‬ومساراً‭ ‬قانونياً‭ ‬كاملاً‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬الصفح‭. ‬وكل‭ ‬إنسان‭ ‬يعرف‭ ‬وحده‭ ‬متى‭ ‬يكون‭ ‬مستعداً،‭ ‬ومتى‭ ‬يحتاج‭ ‬أولاً‭ ‬إلى‭ ‬الأمان‭ ‬والاعتراف‭ ‬بما‭ ‬مرّ‭ ‬به‭.‬

وفي‭ ‬بلدنا‭ ‬لحظة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭. ‬في‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬فقد‭ ‬طفل‭ ‬حياته‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬نُسي‭ ‬في‭ ‬السيارة‭ ‬ساعات،‭ ‬وكان‭ ‬ألم‭ ‬أهله‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تكفيه‭ ‬الكلمات‭. ‬فقد‭ ‬الطفل‭ ‬وحيداً،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يودّعه‭ ‬أحد،‭ ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬أحد‭. ‬وهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الفقد‭ ‬يحمل‭ ‬من‭ ‬الثقل‭ ‬ما‭ ‬يكاد‭ ‬يسحق‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬الصبر‭ ‬والإيمان‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬والداه‭ ‬ترك‭ ‬أثراً‭ ‬خاصا‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬العام‭. ‬تجاوزا‭ ‬الصمت‭ ‬والغضب‭ ‬معاً،‭ ‬وذهبا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أصعب‭ ‬منهما‭. ‬عفوا‭ ‬عمن‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬المأساة،‭ ‬وقالا‭ ‬إنها‭ ‬لم‭ ‬تقصد،‭ ‬وإن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬قضاء‭ ‬لا‭ ‬يحتمل‭ ‬أن‭ ‬يُضاف‭ ‬إليه‭ ‬انتقام‭. ‬وفي‭ ‬مجتمع‭ ‬صغير‭ ‬تتناقل‭ ‬فيه‭ ‬الأخبار‭ ‬بسرعة،‭ ‬وتبقى‭ ‬الجراح‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية،‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬درساً‭ ‬لم‭ ‬يُعلَم‭ ‬في‭ ‬فصل،‭ ‬ولم‭ ‬يُكتب‭ ‬في‭ ‬كتاب‭.‬

هذا‭ ‬العفو‭ ‬لم‭ ‬يُلغِ‭ ‬مسؤولية‭ ‬ما‭ ‬جرى،‭ ‬لكنه‭ ‬غيّر‭ ‬طريقة‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬العدالة‭. ‬القانون‭ ‬يحاسب،‭ ‬وهذا‭ ‬حقه‭. ‬لكن‭ ‬القلب‭ ‬وحده‭ ‬يقرر‭ ‬أن‭ ‬يسامح‭. ‬قرار‭ ‬صعب‭ ‬من‭ ‬والدين‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬وسعهما‭ ‬أن‭ ‬يجعلا‭ ‬ألمهما‭ ‬حكماً‭ ‬على‭ ‬غيرهما،‭ ‬فاختارا‭ ‬ألا‭ ‬يفعلا‭.‬

ولعل‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الأثر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُحسب‭. ‬العفو‭ ‬إذا‭ ‬حدث‭ ‬أمام‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬شأناً‭ ‬خاصاً،‭ ‬يصبح‭ ‬شيئاً‭ ‬يراه‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬ويحمله‭ ‬معه‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يدري‭. ‬الذي‭ ‬يشهد‭ ‬إنساناً‭ ‬يعفو‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ألم‭ ‬حقيقي‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬مختلفاً،‭ ‬وكأن‭ ‬شيئاً‭ ‬فيه‭ ‬أُعيد‭ ‬ترتيبه‭.‬

هكذا‭ ‬يكون‭ ‬العفو‭. ‬صاحب‭ ‬الجرح‭ ‬يقرر‭ ‬ألا‭ ‬يظل‭ ‬أسيره،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬حجمه‭. ‬قرار‭ ‬لا‭ ‬يُعلن،‭ ‬ولا‭ ‬يُكتب‭ ‬عنه‭ ‬مقال،‭ ‬ولا‭ ‬يراه‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬عاشه‭. ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬كتمان‭ ‬داخل‭ ‬بيوت‭ ‬لا‭ ‬يعرفها‭ ‬أحد،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬يقرر‭ ‬فيها‭ ‬إنسان‭ ‬عادي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أكبر‭ ‬مما‭ ‬حدث‭ ‬له‭. ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬أصعب‭ ‬القرارات،‭ ‬وأخفها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬القلب‭ ‬الذي‭ ‬يحملها‭.‬

 

‭ ‬rajabnabeela@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا