العدد : ١٧٦٢٤ - الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٤ - الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

تحديات التغيير في مجتمعات الدول النامية

بقلم: د. طارق عباس {

الثلاثاء ٢٣ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

تواجه‭ ‬المجتمعات‭ ‬النامية‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬تحديات‭ ‬متشابكة‭ ‬ومعقدة،‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬المشكلات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والثقافية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذى‭ ‬يجعل‭ ‬قضية‭ ‬التغيير‭ ‬والإصلاح‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬القضايا‭ ‬إلحاحًا،‭ ‬فالتغيير‭ ‬ليس‭ ‬حدثًا‭ ‬عابرًا‭ ‬أو‭ ‬قرارًا‭ ‬إداريًا‭ ‬مؤقتًا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عملية‭ ‬حضارية‭ ‬متكاملة‭ ‬تستهدف‭ ‬تطوير‭ ‬الإنسان‭ ‬والمؤسسات‭ ‬وأنماط‭ ‬التفكير‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬العصر،‭ ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬تجارب‭ ‬الأمم‭ ‬أن‭ ‬النهضة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬تعتمد‭ ‬أساسًا‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬الإبداع‭ ‬والمشاركة‭ ‬وتحمل‭ ‬المسؤولية‭.‬

تبدأ‭ ‬آليات‭ ‬التغيير‭ ‬من‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬الحرية‭ ‬والمسؤولية،‭ ‬فالمجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬لأفرادها‭ ‬مساحة‭ ‬للتعبير‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬القرار،‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬ومواجهة‭ ‬الأزمات،‭ ‬والحرية‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تعنى‭ ‬الفوضى‭ ‬أو‭ ‬غياب‭ ‬الضوابط،‭ ‬بل‭ ‬تعنى‭ ‬تمكين‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬المستقل‭ ‬وتحمل‭ ‬نتائج‭ ‬اختياراته‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬القانون‭ ‬والمصلحة‭ ‬العامة،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬بناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬قوية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬خطوات‭ ‬الإصلاح،‭ ‬لأنه‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬الفساد‭ ‬ويعزز‭ ‬ثقة‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬ومؤسساتها‭.‬

‭ ‬ويأتي‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬أدوات‭ ‬التغيير‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فالتعليم‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬الشهادات‭ ‬أو‭ ‬اكتساب‭ ‬المعلومات،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عملية‭ ‬لبناء‭ ‬العقل‭ ‬وتنمية‭ ‬القدرات‭ ‬النقدية‭ ‬والإبداعية،‭ ‬وقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الحاجة‭ ‬ملحة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬النامية‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬أساليب‭ ‬الحفظ‭ ‬والتلقين‭ ‬نحو‭ ‬مناهج‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي،‭ ‬وحل‭ ‬المشكلات،‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬والعمل‭ ‬الجماعي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬والانتشار‭ ‬الواسع‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يفرضان‭ ‬ضرورة‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬النظم‭ ‬التعليمية‭ ‬لتأهيل‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬لمتطلبات‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬المتغير‭ ‬باستمرار‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬التغيير‭ ‬دون‭ ‬التوقف‭ ‬عند‭ ‬دور‭ ‬الأسرة‭ ‬باعتبارها‭ ‬المؤسسة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬شخصية‭ ‬الإنسان،‭ ‬فالأسرة‭ ‬المستقرة‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الحوار‭ ‬والاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬أفراد‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬والتفاعل‭ ‬الإيجابي‭ ‬مع‭ ‬المجتمع،‭ ‬أما‭ ‬عندما‭ ‬تتعرض‭ ‬الأسرة‭ ‬للتفكك‭ ‬أو‭ ‬الاضطراب‭ ‬فإن‭ ‬آثار‭ ‬ذلك‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬جوانب‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬مما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الاستقرار‭ ‬والتنمية‭.‬

يحتل‭ ‬الشباب‭ ‬موقعًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التغيير،‭ ‬فهذه‭ ‬الفئة‭ ‬تمثل‭ ‬القوة‭ ‬الأكثر‭ ‬حيوية‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الطاقة‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬للإحباط‭ ‬أو‭ ‬التوتر‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬فرصًا‭ ‬حقيقية‭ ‬للمشاركة‭ ‬والعمل‭ ‬والإبداع‭. ‬

لذلك‭ ‬تحتاج‭ ‬المجتمعات‭ ‬النامية‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬تدعم‭ ‬ريادة‭ ‬الأعمال،‭ ‬وتشجع‭ ‬الابتكار،‭ ‬وتوفر‭ ‬بيئة‭ ‬مناسبة‭ ‬للمشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬للشباب‭ ‬بتحويل‭ ‬أفكارهم‭ ‬إلى‭ ‬إنجازات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬ملموسة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تعزيز‭ ‬ثقافة‭ ‬الحوار‭ ‬وقبول‭ ‬الاختلاف‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الشباب‭ ‬من‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬براثن‭ ‬التطرف‭ ‬والانغلاق‭ ‬الفكري‭.‬

ومن‭ ‬الآليات‭ ‬الأساسية‭ ‬للتغيير‭ ‬أيضًا‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬وإشراكها‭ ‬بصورة‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التنمية،‭ ‬فالمجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تستثمر‭ ‬قدرات‭ ‬نسائها‭ ‬تحقق‭ ‬معدلات‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬إن‭ ‬تعليم‭ ‬المرأة،‭ ‬وتوفير‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬المناسبة‭ ‬لها،‭ ‬وضمان‭ ‬مشاركتها‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬العامة،‭ ‬ليست‭ ‬مطالب‭ ‬فئوية‭ ‬تخص‭ ‬النساء‭ ‬وحدهن،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬استثمار‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬المجتمع‭ ‬كله‭. ‬فكلما‭ ‬ازدادت‭ ‬قدرة‭ ‬المرأة‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬والإنتاج،‭ ‬ازدادت‭ ‬قدرة‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬التقدم‭ ‬والتنافس‭.‬

وفى‭ ‬ظل‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬العالم،‭ ‬أصبحت‭ ‬الثقافة‭ ‬الرقمية‭ ‬عنصرًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬للتغيير،‭ ‬فقد‭ ‬أتاحت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬فرصًا‭ ‬هائلة‭ ‬للتواصل‭ ‬وتبادل‭ ‬المعرفة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬فتحت‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬انتشار‭ ‬الشائعات‭ ‬وخطابات‭ ‬الكراهية‭ ‬والتضليل‭ ‬الإعلامي،‭ ‬لذلك‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬نشر‭ ‬الوعي‭ ‬الرقمي‭ ‬وتعليم‭ ‬الأفراد‭ ‬كيفية‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬والتعامل‭ ‬المسؤول‭ ‬مع‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الأمن‭ ‬الفكري‭ ‬ويحمى‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬الانقسامات‭ ‬والصراعات‭ ‬غير‭ ‬المبررة‭.‬

إن‭ ‬التغيير‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬النامية‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬عبر‭ ‬الشعارات‭ ‬أو‭ ‬الأمنيات،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رؤية‭ ‬متكاملة‭ ‬تجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬محور‭ ‬التنمية‭ ‬وغايتها‭. ‬فحين‭ ‬تتحول‭ ‬الحرية‭ ‬إلى‭ ‬مسؤولية،‭ ‬والتعليم‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬للعقل،‭ ‬والشباب‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬منتجة،‭ ‬والمرأة‭ ‬إلى‭ ‬شريك‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬التنمية،‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬للمعرفة‭ ‬لا‭ ‬وسيلة‭ ‬للتضليل،‭ ‬يصبح‭ ‬المجتمع‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬تحدياته‭ ‬وصناعة‭ ‬مستقبله،‭ ‬فنهضة‭ ‬الأمم‭ ‬ليست‭ ‬نتاج‭ ‬الصدفة،‭ ‬وإنما‭ ‬ثمرة‭ ‬عمل‭ ‬طويل‭ ‬يستثمر‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬بوصفه‭ ‬الثروة‭ ‬الحقيقية‭ ‬والأكثر‭ ‬استدامة‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬أكاديمي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا