انتشر مؤخراً اتجاه متزايد يتحدث عن استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة في الحرب وكأنهما قد حسما نتيجة الحرب بالفعل وحققا النصر. وغالباً ما تتسم نبرة هذا الاتجاه بالثقة المتزايدة، بل وحتى بنفاد الصبر، قائلة: «ستهيمن الآلات، وسيتراجع دور البشر، وسيصبح الصراع أكثر دقة وسرعة وفعالية».
ومع ذلك، فإن الواقع الناشئ اليوم في ساحات القتال والمعارك بأرض الواقع لا يدعم هذا الاتجاه ويقينه بشكل كامل، فالواقع يبدو أقل استقراراً، وأكثر تفاوتاً وتناقضاً في بعض الأحيان؛ لذا يمكننا القول إن ما نشهده لا يُعد تحولاً كاملاً بقدر ما هو عملية لا تزال في طور التشكل، بطرق لا يمكن دائماً التنبؤ بها. هذا أمر بالغ الأهمية، لأن الوضوح غير المكتمل قد يؤدي إلى التضليل. فمن الواضح أن الأتمتة تُغير طريقة خوض الحروب؛ لكنها لا تُفعّل ذلك بطريقة مباشرة أو موحدة. فبعض التطورات تبدو حاسمة، في حين تثير تطورات أخرى بعض الأسئلة بقدر ما تجيب على البعض.
حدود التأثير في الصراع: تُشير الحجج الواردة في كتاب «الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والحرب: صعود مجمع التكنولوجيا العسكرية» لأنتوني كينج إلى تحولٍ مهم؛ فالتكنولوجيا لم تعد مجرد وسيلة لتعزيز القوة العسكرية فحسب، بل صارت تعيد تشكيل الكيانات التي تقف وراء القوة العسكرية. وتترك هذه الرؤية سؤالاً أصعب دون إجابة: إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا التحول؟ وأين يبدأ بلوغ حدوده؟
للوهلة الأولى، يصعب الجدال حول جاذبية الأتمتة. فالآلات تعالج البيانات بشكل أسرع من البشر، ولا تتعب، ويمكنها العمل في بيئات قد تكون خطرة؛ أو ببساطة يتعذر على الجنود الوصول إليها. ففي أوكرانيا على سبيل المثال، أدى الاستخدام الواسع النطاق للطائرات المسيّرة إلى تغيير إيقاع القتال، وأصبحت المراقبة أكثر استمرارية، والضربات أكثر فورية، وهذا واضح تماماً. لكن عند الفحص والتدقيق، تصبح الصورة أقل وضوحاً. فكل شيء يعتمد على شبكات الاتصالات، والمشغلين البشريين، والتنسيق الذي من السهل اعتباره أمراً مسلماً به حتى ينهار. فعندما تتعطل الشبكات أو تفشل الأنظمة تحت الضغط، تتضاءل ميزات الأتمتة وبسرعة. وهنا تكون التكنولوجيا موجودة؛ لكن فعاليتها تصبح أقل يقيناً بكثير.
تُسلّط حرب إيران الضوء على هذا الأمر بشكلٍ أكثر وضوحاً. فعلى عكس أوكرانيا، حيث تطورت عملية التكيف تدريجياً وبمرور الوقت؛ أدت الحرب في إيران إلى ضغط اتجاهات متعددة في فترة زمنية أقصر بكثير. ففي مرحلتها الأولى، نُفذت الضربات بوتيرةٍ تُشير إلى منطق عملياتي مختلف، منطق كانت تترابط فيه عمليات الكشف والاستهداف والتنفيذ ترابطاً وثيقاً، بشكل شبه متواصل. كان من الواضح أن معالجة البيانات وتصفيتها والتصرف بناءً عليها يجري بسرعة تتجاوز حدود الرقابة البشرية.
صحيح أنه من المغري اعتبار هذا تقدماً وخطوة إلى الأمام، إلا أن النتائج على أرض الواقع ليست بهذه البساطة؛ لأنه لم يتم تحييد قوة إيران. صحيح أن قدراتها في استخدام المسيّرات والصواريخ قد انخفضت في بعض المناطق، إلا أنها ظلت مستمرة. وبالرغم من أن هذه الحقيقة تستحق التوقف عندها؛ فإنها تصبح أكثر وضوحاً في ضوء الافتراضات السابقة. فلو كانت الأتمتة حاسمة كما يُزعم في بعض الأحيان، لكانت النتائج مختلفة تماماً. ولكن ما يظهر بدلاً من ذلك هي حقيقة أكثر تقييداً: فالتكنولوجيا قادرة على تكثيف الضغط؛ ولكنها غير قادرة بالضرورة على حل الصراعات.
ومن الجدير بالدراسة من كثب افتراض منتشر لا يتم التشكيك فيه في كثير من الأحيان، وهو أن السرعة دائماً ما تشكل ميزة. فالسرعة تعني قرارات أسرع، واستجابات أسرع، ودورات عمل أقصر.
نظرياً، من الصعب تحدي هذا المنطق، ولكن عملياً؛ يبدو الأمر أقل إقناعاً. فالسرعة قد تُعجل وتضغط عملية التقييم، فعندما تُتخذ القرارات في ثوانٍ معدودة، تتلاشى فرصة التوقف وإعادة النظر أو التساؤل. ولذا يمكن استخلاص حقيقة أن اعتماد القادة على الأنظمة ليس من منطلق الثقة الكاملة فيها، بل لعدم وجود بديل حقيقي لها. وهنا تكمن المشكلة: فالأتمتة حين تعمل على تعزيز عملية صنع القرار، تُقيّدها أيضاً.
غالباً ما يتم تقديم التحول من المنصات إلى الأنظمة باعتباره سمة مميزة للحرب الحديثة، وهذا صحيح إلى حد كبير؛ حيث تعتمد الفعالية العسكرية بشكل كبير على مدى تكامل الطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار وشبكات الاتصالات. إلا أن التكامل ليس مجرد مسألة تقنية، فهو يكشف ويعرّي حدود المؤسسات. فبعض الجيوش يمكنها أن تتكيف بسرعة، وبعضها الآخر لا يمكنه فعل ذلك. ففي بعض الحالات، لا يمكن للتكنولوجيا المتقدمة أن تُعوّض عن نقاط الضعف هذه، بل إنها تجعلها أكثر وضوحاً. وكذلك الحرب الإيرانية فإنها لم تُمحُ نقاط الضعف هذه؛ ولكنها قامت بتسليط الضوء عليها.
إن دور صناعة الدفاع قد تغير هو الآخر، ولكن ليس بطرق يُمكن التنبؤ بها بشكل كامل. وصارت شركات التكنولوجيا الآن تؤدي دوراً أكبر، وخاصة في مجال البرمجيات والأنظمة القائمة على البيانات؛ مما يجلب معه الكثير من المرونة التي غالباً ما افتقرت إليها عمليات الشراء التقليدية. وفي الوقت نفسه، نشأت تبعيات جديدة. فالمؤسسات العسكرية أصبحت تعتمد بشكل متزايد على جهات فاعلة ليس لها كامل السيطرة عليها، وهذا التحول ينطوي على مخاطره الخاصة. فالمسؤولية على سبيل المثال -أين تبدأ وأين تنتهي- لم تعد دائماً واضحة.
وتظل المسائل الأخلاقية عالقة دون حل. فمع قيام الأنظمة بدور أكبر في تحديد الأهداف وترتيب أولوياتها، يصبح تتبع المسؤولية أكثر صعوبة. فإذا أسهمت عملية مؤتمتة في حدوث خطأ؛ فإن المساءلة لا تختفي، بل تتشتت. ولا يقتصر الأمر على الجانب القانوني فحسب، بل إن المشكلة أعمق من ذلك؛ فهي تُؤثر في كيفية الثقة بهذه الأنظمة واستخدامها في الممارسات العملية.
وعلى المستوى الجيوسياسي، يُضيف انتشار هذه التقنيات بُعداً آخر من التعقيد. فكثيراً ما يُقال إن الأتمتة تقلل الحواجز، سامحة بذلك للجهات الفاعلة الصغيرة بالمنافسة بشكل أكثر فعالية. وهذا صحيح إلى حد ما، خاصة مع الأنظمة منخفضة التكلفة نسبياً مثل الطائرات المسيّرة. إلا أن الصورة الأوسع تبدو أقل توازناً. فالحجم والمرونة والقدرة على استيعاب الخسائر لا تزال مهمة، وهي عناصر لا تزال موزعة بشكل غير متساوٍ. إن الحرب الإيرانية لم تحقق تكافؤ الفرص، ولكن غيّرت فقط طريقة التعبير عن عدم التوازن.
وفي النهاية، فإن ما يبرز ليس فقط حجم التغيير، بل غياب وجهة واضحة. فلا يوجد نموذج مُستقر، ولا مبدأ مُتفق عليه. فمن ناحية، يرى البعض مستقبلاً تهيمن عليه الأنظمة ذاتية التشغيل، بينما يبقى آخرون مُتشككين. كلا الرأيين يعكسان جزءاً من الواقع، لكن لا يُزيل أي منهما التوتر القائم بينهما بشكل كامل.
تعمل الأتمتة والذكاء الاصطناعي على إعادة تشكيل الحرب، ولكن ليس بطريقة تؤدي إلى استنتاجات بسيطة. إن التحول حقيقي؛ ولكنه غير مكتمل، ولا يزال هشاً في بعض جوانبه. فهو يُنشئ قدرات جديدة، ولكن يقدم في الوقت نفسه شكوكاً جديدة يصعب تحديدها.
تجربة الحرب الإيرانية أبرزت هذا التوتر وجعلته جلياً، فقد أوضحت مدى التقدم الذي أحرزته الأتمتة، ومدى سرعة تشغيل الأنظمة، ومدى إمكانية دمجها في العمليات العسكرية بكل بوضوح؛ ومع ذلك، كشفت نفس الحرب في الوقت ذاته عن أمر أقل طمأنة وهو أنه: حتى أكثر التقنيات تطوراً لا يمكنها أن تُزيل الغموض أو عدم اليقين، بل على العكس، فهي تُعيد توزيعه بطرق أكثر تعقيدًا وأصعب توقعًا.
{ باحث وكاتب صحفي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك