العدد : ١٧٦٢٤ - الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٤ - الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

من أوكرانيا إلى إيران.. دور التكنولوجيا في الحروب الحديثة

الثلاثاء ٢٣ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

انتشر‭ ‬مؤخراً‭ ‬اتجاه‭ ‬متزايد‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والأتمتة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬وكأنهما‭ ‬قد‭ ‬حسما‭ ‬نتيجة‭ ‬الحرب‭ ‬بالفعل‭ ‬وحققا‭ ‬النصر‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬تتسم‭ ‬نبرة‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬بالثقة‭ ‬المتزايدة،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬بنفاد‭ ‬الصبر،‭ ‬قائلة‭: ‬‮«‬ستهيمن‭ ‬الآلات،‭ ‬وسيتراجع‭ ‬دور‭ ‬البشر،‭ ‬وسيصبح‭ ‬الصراع‭ ‬أكثر‭ ‬دقة‭ ‬وسرعة‭ ‬وفعالية‮»‬‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الواقع‭ ‬الناشئ‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬القتال‭ ‬والمعارك‭ ‬بأرض‭ ‬الواقع‭ ‬لا‭ ‬يدعم‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬ويقينه‭ ‬بشكل‭ ‬كامل،‭ ‬فالواقع‭ ‬يبدو‭ ‬أقل‭ ‬استقراراً،‭ ‬وأكثر‭ ‬تفاوتاً‭ ‬وتناقضاً‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان؛‭ ‬لذا‭ ‬يمكننا‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬لا‭ ‬يُعد‭ ‬تحولاً‭ ‬كاملاً‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عملية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التشكل،‭ ‬بطرق‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬دائماً‭ ‬التنبؤ‭ ‬بها‭. ‬هذا‭ ‬أمر‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية،‭ ‬لأن‭ ‬الوضوح‭ ‬غير‭ ‬المكتمل‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬التضليل‭. ‬فمن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬الأتمتة‭ ‬تُغير‭ ‬طريقة‭ ‬خوض‭ ‬الحروب؛‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تُفعّل‭ ‬ذلك‭ ‬بطريقة‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬موحدة‭. ‬فبعض‭ ‬التطورات‭ ‬تبدو‭ ‬حاسمة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تثير‭ ‬تطورات‭ ‬أخرى‭ ‬بعض‭ ‬الأسئلة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تجيب‭ ‬على‭ ‬البعض‭.‬

حدود‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الصراع‭: ‬تُشير‭ ‬الحجج‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والأتمتة،‭ ‬والحرب‭: ‬صعود‭ ‬مجمع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬العسكرية‮»‬‭ ‬لأنتوني‭ ‬كينج‭ ‬إلى‭ ‬تحولٍ‭ ‬مهم؛‭ ‬فالتكنولوجيا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬لتعزيز‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الكيانات‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬وراء‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭. ‬وتترك‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬سؤالاً‭ ‬أصعب‭ ‬دون‭ ‬إجابة‭: ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬هذا‭ ‬التحول؟‭ ‬وأين‭ ‬يبدأ‭ ‬بلوغ‭ ‬حدوده؟

للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬يصعب‭ ‬الجدال‭ ‬حول‭ ‬جاذبية‭ ‬الأتمتة‭. ‬فالآلات‭ ‬تعالج‭ ‬البيانات‭ ‬بشكل‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬البشر،‭ ‬ولا‭ ‬تتعب،‭ ‬ويمكنها‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬خطرة؛‭ ‬أو‭ ‬ببساطة‭ ‬يتعذر‭ ‬على‭ ‬الجنود‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭. ‬ففي‭ ‬أوكرانيا‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬أدى‭ ‬الاستخدام‭ ‬الواسع‭ ‬النطاق‭ ‬للطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬إيقاع‭ ‬القتال،‭ ‬وأصبحت‭ ‬المراقبة‭ ‬أكثر‭ ‬استمرارية،‭ ‬والضربات‭ ‬أكثر‭ ‬فورية،‭ ‬وهذا‭ ‬واضح‭ ‬تماماً‭. ‬لكن‭ ‬عند‭ ‬الفحص‭ ‬والتدقيق،‭ ‬تصبح‭ ‬الصورة‭ ‬أقل‭ ‬وضوحاً‭. ‬فكل‭ ‬شيء‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬الاتصالات،‭ ‬والمشغلين‭ ‬البشريين،‭ ‬والتنسيق‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬اعتباره‭ ‬أمراً‭ ‬مسلماً‭ ‬به‭ ‬حتى‭ ‬ينهار‭. ‬فعندما‭ ‬تتعطل‭ ‬الشبكات‭ ‬أو‭ ‬تفشل‭ ‬الأنظمة‭ ‬تحت‭ ‬الضغط،‭ ‬تتضاءل‭ ‬ميزات‭ ‬الأتمتة‭ ‬وبسرعة‭. ‬وهنا‭ ‬تكون‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬موجودة؛‭ ‬لكن‭ ‬فعاليتها‭ ‬تصبح‭ ‬أقل‭ ‬يقيناً‭ ‬بكثير‭.‬

تُسلّط‭ ‬حرب‭ ‬إيران‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬بشكلٍ‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭. ‬فعلى‭ ‬عكس‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬حيث‭ ‬تطورت‭ ‬عملية‭ ‬التكيف‭ ‬تدريجياً‭ ‬وبمرور‭ ‬الوقت؛‭ ‬أدت‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬ضغط‭ ‬اتجاهات‭ ‬متعددة‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬أقصر‭ ‬بكثير‭. ‬ففي‭ ‬مرحلتها‭ ‬الأولى،‭ ‬نُفذت‭ ‬الضربات‭ ‬بوتيرةٍ‭ ‬تُشير‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬عملياتي‭ ‬مختلف،‭ ‬منطق‭ ‬كانت‭ ‬تترابط‭ ‬فيه‭ ‬عمليات‭ ‬الكشف‭ ‬والاستهداف‭ ‬والتنفيذ‭ ‬ترابطاً‭ ‬وثيقاً،‭ ‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬متواصل‭. ‬كان‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬معالجة‭ ‬البيانات‭ ‬وتصفيتها‭ ‬والتصرف‭ ‬بناءً‭ ‬عليها‭ ‬يجري‭ ‬بسرعة‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الرقابة‭ ‬البشرية‭.‬

صحيح‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬المغري‭ ‬اعتبار‭ ‬هذا‭ ‬تقدماً‭ ‬وخطوة‭ ‬إلى‭ ‬الأمام،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬النتائج‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬ليست‭ ‬بهذه‭ ‬البساطة؛‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬تحييد‭ ‬قوة‭ ‬إيران‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬قدراتها‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬المسيّرات‭ ‬والصواريخ‭ ‬قد‭ ‬انخفضت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬ظلت‭ ‬مستمرة‭. ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬تستحق‭ ‬التوقف‭ ‬عندها؛‭ ‬فإنها‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬الافتراضات‭ ‬السابقة‭. ‬فلو‭ ‬كانت‭ ‬الأتمتة‭ ‬حاسمة‭ ‬كما‭ ‬يُزعم‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬لكانت‭ ‬النتائج‭ ‬مختلفة‭ ‬تماماً‭. ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬هي‭ ‬حقيقة‭ ‬أكثر‭ ‬تقييداً‭: ‬فالتكنولوجيا‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تكثيف‭ ‬الضغط؛‭ ‬ولكنها‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬بالضرورة‭ ‬على‭ ‬حل‭ ‬الصراعات‭. ‬

ومن‭ ‬الجدير‭ ‬بالدراسة‭ ‬من‭ ‬كثب‭ ‬افتراض‭ ‬منتشر‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬التشكيك‭ ‬فيه‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬السرعة‭ ‬دائماً‭ ‬ما‭ ‬تشكل‭ ‬ميزة‭. ‬فالسرعة‭ ‬تعني‭ ‬قرارات‭ ‬أسرع،‭ ‬واستجابات‭ ‬أسرع،‭ ‬ودورات‭ ‬عمل‭ ‬أقصر‭.‬

نظرياً،‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تحدي‭ ‬هذا‭ ‬المنطق،‭ ‬ولكن‭ ‬عملياً؛‭ ‬يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬أقل‭ ‬إقناعاً‭. ‬فالسرعة‭ ‬قد‭ ‬تُعجل‭ ‬وتضغط‭ ‬عملية‭ ‬التقييم،‭ ‬فعندما‭ ‬تُتخذ‭ ‬القرارات‭ ‬في‭ ‬ثوانٍ‭ ‬معدودة،‭ ‬تتلاشى‭ ‬فرصة‭ ‬التوقف‭ ‬وإعادة‭ ‬النظر‭ ‬أو‭ ‬التساؤل‭. ‬ولذا‭ ‬يمكن‭ ‬استخلاص‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬اعتماد‭ ‬القادة‭ ‬على‭ ‬الأنظمة‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬الثقة‭ ‬الكاملة‭ ‬فيها،‭ ‬بل‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬بديل‭ ‬حقيقي‭ ‬لها‭. ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المشكلة‭: ‬فالأتمتة‭ ‬حين‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار،‭ ‬تُقيّدها‭ ‬أيضاً‭.‬

غالباً‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬تقديم‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬المنصات‭ ‬إلى‭ ‬الأنظمة‭ ‬باعتباره‭ ‬سمة‭ ‬مميزة‭ ‬للحرب‭ ‬الحديثة،‭ ‬وهذا‭ ‬صحيح‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير؛‭ ‬حيث‭ ‬تعتمد‭ ‬الفعالية‭ ‬العسكرية‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬تكامل‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬وأجهزة‭ ‬الاستشعار‭ ‬وشبكات‭ ‬الاتصالات‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التكامل‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مسألة‭ ‬تقنية،‭ ‬فهو‭ ‬يكشف‭ ‬ويعرّي‭ ‬حدود‭ ‬المؤسسات‭. ‬فبعض‭ ‬الجيوش‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تتكيف‭ ‬بسرعة،‭ ‬وبعضها‭ ‬الآخر‭ ‬لا‭ ‬يمكنه‭ ‬فعل‭ ‬ذلك‭. ‬ففي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬أن‭ ‬تُعوّض‭ ‬عن‭ ‬نقاط‭ ‬الضعف‭ ‬هذه،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تجعلها‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭. ‬وكذلك‭ ‬الحرب‭ ‬الإيرانية‭ ‬فإنها‭ ‬لم‭ ‬تُمحُ‭ ‬نقاط‭ ‬الضعف‭ ‬هذه؛‭ ‬ولكنها‭ ‬قامت‭ ‬بتسليط‭ ‬الضوء‭ ‬عليها‭.‬

إن‭ ‬دور‭ ‬صناعة‭ ‬الدفاع‭ ‬قد‭ ‬تغير‭ ‬هو‭ ‬الآخر،‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬بطرق‭ ‬يُمكن‭ ‬التنبؤ‭ ‬بها‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭. ‬وصارت‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الآن‭ ‬تؤدي‭ ‬دوراً‭ ‬أكبر،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬البرمجيات‭ ‬والأنظمة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬البيانات؛‭ ‬مما‭ ‬يجلب‭ ‬معه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المرونة‭ ‬التي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬افتقرت‭ ‬إليها‭ ‬عمليات‭ ‬الشراء‭ ‬التقليدية‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬نشأت‭ ‬تبعيات‭ ‬جديدة‭. ‬فالمؤسسات‭ ‬العسكرية‭ ‬أصبحت‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬على‭ ‬جهات‭ ‬فاعلة‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬كامل‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها،‭ ‬وهذا‭ ‬التحول‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬مخاطره‭ ‬الخاصة‭. ‬فالمسؤولية‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ -‬أين‭ ‬تبدأ‭ ‬وأين‭ ‬تنتهي‭- ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬دائماً‭ ‬واضحة‭.‬

وتظل‭ ‬المسائل‭ ‬الأخلاقية‭ ‬عالقة‭ ‬دون‭ ‬حل‭. ‬فمع‭ ‬قيام‭ ‬الأنظمة‭ ‬بدور‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬الأهداف‭ ‬وترتيب‭ ‬أولوياتها،‭ ‬يصبح‭ ‬تتبع‭ ‬المسؤولية‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭. ‬فإذا‭ ‬أسهمت‭ ‬عملية‭ ‬مؤتمتة‭ ‬في‭ ‬حدوث‭ ‬خطأ؛‭ ‬فإن‭ ‬المساءلة‭ ‬لا‭ ‬تختفي،‭ ‬بل‭ ‬تتشتت‭. ‬ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬القانوني‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬المشكلة‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬ذلك؛‭ ‬فهي‭ ‬تُؤثر‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬الثقة‭ ‬بهذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬واستخدامها‭ ‬في‭ ‬الممارسات‭ ‬العملية‭.‬

وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الجيوسياسي،‭ ‬يُضيف‭ ‬انتشار‭ ‬هذه‭ ‬التقنيات‭ ‬بُعداً‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬التعقيد‭. ‬فكثيراً‭ ‬ما‭ ‬يُقال‭ ‬إن‭ ‬الأتمتة‭ ‬تقلل‭ ‬الحواجز،‭ ‬سامحة‭ ‬بذلك‭ ‬للجهات‭ ‬الفاعلة‭ ‬الصغيرة‭ ‬بالمنافسة‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬فعالية‭. ‬وهذا‭ ‬صحيح‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬الأنظمة‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬نسبياً‭ ‬مثل‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الصورة‭ ‬الأوسع‭ ‬تبدو‭ ‬أقل‭ ‬توازناً‭. ‬فالحجم‭ ‬والمرونة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الخسائر‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مهمة،‭ ‬وهي‭ ‬عناصر‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬موزعة‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬متساوٍ‭. ‬إن‭ ‬الحرب‭ ‬الإيرانية‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص،‭ ‬ولكن‭ ‬غيّرت‭ ‬فقط‭ ‬طريقة‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬التوازن‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يبرز‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬حجم‭ ‬التغيير،‭ ‬بل‭ ‬غياب‭ ‬وجهة‭ ‬واضحة‭. ‬فلا‭ ‬يوجد‭ ‬نموذج‭ ‬مُستقر،‭ ‬ولا‭ ‬مبدأ‭ ‬مُتفق‭ ‬عليه‭. ‬فمن‭ ‬ناحية،‭ ‬يرى‭ ‬البعض‭ ‬مستقبلاً‭ ‬تهيمن‭ ‬عليه‭ ‬الأنظمة‭ ‬ذاتية‭ ‬التشغيل،‭ ‬بينما‭ ‬يبقى‭ ‬آخرون‭ ‬مُتشككين‭. ‬كلا‭ ‬الرأيين‭ ‬يعكسان‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الواقع،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬يُزيل‭ ‬أي‭ ‬منهما‭ ‬التوتر‭ ‬القائم‭ ‬بينهما‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭.‬

تعمل‭ ‬الأتمتة‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الحرب،‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬بطريقة‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬استنتاجات‭ ‬بسيطة‭. ‬إن‭ ‬التحول‭ ‬حقيقي؛‭ ‬ولكنه‭ ‬غير‭ ‬مكتمل،‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬هشاً‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬جوانبه‭. ‬فهو‭ ‬يُنشئ‭ ‬قدرات‭ ‬جديدة،‭ ‬ولكن‭ ‬يقدم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬شكوكاً‭ ‬جديدة‭ ‬يصعب‭ ‬تحديدها‭.‬

تجربة‭ ‬الحرب‭ ‬الإيرانية‭ ‬أبرزت‭ ‬هذا‭ ‬التوتر‭ ‬وجعلته‭ ‬جلياً،‭ ‬فقد‭ ‬أوضحت‭ ‬مدى‭ ‬التقدم‭ ‬الذي‭ ‬أحرزته‭ ‬الأتمتة،‭ ‬ومدى‭ ‬سرعة‭ ‬تشغيل‭ ‬الأنظمة،‭ ‬ومدى‭ ‬إمكانية‭ ‬دمجها‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬بكل‭ ‬بوضوح؛‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬كشفت‭ ‬نفس‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬عن‭ ‬أمر‭ ‬أقل‭ ‬طمأنة‭ ‬وهو‭ ‬أنه‭: ‬حتى‭ ‬أكثر‭ ‬التقنيات‭ ‬تطوراً‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تُزيل‭ ‬الغموض‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬اليقين،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬فهي‭ ‬تُعيد‭ ‬توزيعه‭ ‬بطرق‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬وأصعب‭ ‬توقعًا‭.‬

{‭ ‬باحث‭ ‬وكاتب‭ ‬صحفي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا