قد يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه الآن أخطر لحظة في مسيرته السياسية. هو يدرك ذلك بلا شك، كما أن حلفاءه يدركون ذلك أيضاً. أما خصومه – سواء أكانوا داخل ائتلافه الحاكم أم أولئك الموجودين عبر الطيف السياسي الإسرائيلي – فهم يستعدون لاستغلال ضعفه المتزايد.
يعتبر وزير العدل الإسرائيلي السابق حاييم رامون، الذي شغل أيضاً منصب نائب رئيس الوزراء بين عامي 2007 و2009، من بين أحدث الشخصيات السياسية الإسرائيلية التي انضمت إلى جوقة متنامية من الانتقادات الموجهة إلى بنيامين نتنياهو.
فقد قال حاييم رامون مؤخرا في مقابلة مع راديو غالي، نقلتها وكالة الأنباء الإسرائيلية سروجيم: «في النتيجة النهائية، لم ننتصر». ثم شرح هذا الفشل بعبارات صريحة: «لم ننتصر في لبنان، ولم ننتصر في إيران، ولم ننتصر على حماس».
ومن بين المنتقدين البارزين الآخرين رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت، الذي انضم إلى حكومة بنيامين نتنياهو الطارئة للحرب في أعقاب أحداث 7 أكتوبر 2023، قبل أن يستقيل مع بيني غانتس في يونيو 2024.
وبالإضافة إلى اتهام بنيامين نتنياهو بالتقصير في حماية إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، يرى آيزنكوت أن رئيس الوزراء قد تنازل فعلياً عن زمام صنع القرار السياسي الإسرائيلي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مما أدى إلى إضعاف إسرائيل استراتيجياً.
ومن المفارقات أن شركاء بنيامين نتنياهو في الائتلاف كانوا في كثير من الأحيان أكثر انتهازية من المعارضة نفسها.
منذ تشكيل الحكومة الائتلافية الحالية في 29 ديسمبر 2022، والتي تُعد على نطاق واسع الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، استغلّت شخصيات مثل وزير الأمن القومي إيتامار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش مرارًا وتكرارًا ضعف بنيامين نتنياهو السياسي لتوسيع نفوذهم. وكلما احتاج رئيس الوزراء إلى دعم سياسي للبقاء في السلطة، إلا وطالبوه بتمكينهم من تنازلات في المقابل.
وبالنسبة إلى المتطرفين اليمينيين في إسرائيل، غالباً ما تُرجم عجز بنيامين نتنياهو عن تحقيق انتصارات استراتيجية حاسمة إلى فرص لتعزيز أجنداتهم الخاصة. فكل انتكاسة في ساحة المعركة أصبحت بمثابة ثغرة لتوسيع المستوطنات، وفرض إجراءات أكثر قسوة ضد الفلسطينيين، وترسيخ السياسات المتطرفة بشكل أعمق.
بعد عجزه عن تحقيق «النصر»، حوّل بنيامين نتنياهو الحرب الدائمة إلى استراتيجية سياسية بحد ذاتها. وكانت النتيجة حرب إبادة جماعية في غزة، ودماراً واسع النطاق في لبنان، ومواجهة خطيرة مع إيران دفعت المنطقة مراراً وتكراراً إلى حافة كارثة أوسع.
ولفترة من الزمن، أثبتت هذه الصيغة التي يعتمدها بنيامين نتنياهو جدواها السياسية. فقد نجح في حشد دعم أمريكي راسخ لإبقاء نيران الحرب مشتعلة. وفي الوقت نفسه، وفّر له فشل أوروبا وجزء كبير من المجتمع الدولي في محاسبة مجرم حرب مطلوب، الحيز السياسي اللازم لمواصلة حساباته الدموية.
لكن هذه الصيغة قد تقترب من حدودها القصوى. ورغم أن هذا الاحتمال قد يبدو مشجعاً، إلا أنه يحمل في طياته تحذيراً خطيراً. فإذا لم يعد بإمكان بنيامين نتنياهو الاستمرار في الحروب التي أطالت حياته السياسية لما يقارب ثلاث سنوات، فقد يُصعّد الوضع حيث تكون المقاومة أضعف. يتعلق الأمر بالضفة الغربية المحتلة.
أما فيما يتعلق بإيران، يتزايد الإدراك بأن المواجهة الحالية غير قابلة للاستمرار إلى أجل غير مسمى، وأن شكلاً من أشكال التسوية سيظهر في نهاية المطاف. كذلك، وبغض النظر عما إذا كان لبنان سيُدرج رسمياً في أي اتفاق مستقبلي، فإن طموح إسرائيل في احتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية بشكل دائم يبقى غير قابل للتحقيق.
يظهر لنا التاريخ أنه عندما تفشل إسرائيل في تحقيق أي اختراق استراتيجي على جبهة واحدة، فإنها تسعى إلى الحصول على تعويض على جبهة أخرى – عادةً حيث يكون الفلسطينيون أكثر عرضة للخطر وحيث يكون التدقيق الدولي أضعف.
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، فمن المعقول بالتالي الخوف من تصعيد إضافي للإبادة الجماعية في غزة، مما سيرفع عدد القتلى ومستوى الدمار إلى مستويات جديدة.
وبحسب السلطات الصحية في غزة، فقد قُتل ما يقرب من 1000 فلسطيني منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في شهر أكتوبر الماضي، ليصل إجمالي عدد القتلى جراء الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة إلى 73000 فلسطيني.
ورغم أن حرب إسرائيل قد فشلت بالفعل في كسر صمود الفلسطينيين، إلا أن الهدف الأوسع لا يزال دون تغيير: التطهير العرقي للفلسطينيين من غزة وتحويل القطاع إلى مساحة لم تعد قادرة على استدامة الحياة الفلسطينية.
لكن الضفة الغربية تُمثل تحدياً مختلفاً. فهناك، تواجه إسرائيل مشهداً سياسياً مُجزأً وسلطة فلسطينية ترفض وضع استراتيجية فعّالة لمواجهة العنف الإسرائيلي المتصاعد، والتطهير العرقي، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي، والتوسع المتواصل للمستوطنات غير الشرعية.
هذا الضعف هو الذي مكن إسرائيل من الانتقال من مناقشة الضم إلى تنفيذه على أرض الواقع. وتقوم الاستراتيجية على ركيزتين مترابطتين: العنف الشديد والتهجير القسري من جهة، والتوسع الاستيطاني السريع من جهة أخرى.
وبحسب دراسة أجرتها منظمة أوكسفام الدولية ونُشرت في 12 يونيو 2026، قتلت إسرائيل 1244 فلسطينياً، بينهم 268 طفلاً، في الضفة الغربية المحتلة منذ عام 2023، وهو عدد يفوق إجمالي عدد القتلى خلال السبع عشرة السابقة مجتمعة.
وقد رافق إراقة الدماء هذه نزوح واسع النطاق أدى بالفعل إلى تهجير ما يقرب من 46 ألف فلسطيني، كثير منهم من مخيمات اللاجئين والمجتمعات الضعيفة في جميع أنحاء شمال الضفة الغربية.
وثّق تقرير لمنظمة العفو الدولية نُشر في 10 يونيو النزوح الكامل أو الجزئي لما لا يقل عن 117 من المجتمعات البدوية والرعوية الفلسطينية بين شهر يناير 2023 وشهر أبريل 2026.
وكما هو متوقع، فإن العنف والتهجير وتوسع المستوطنات والاستيلاء على الأراضي لا تمثل تطورات معزولة، بل إنها تشكل عناصر لمشروع سياسي متماسك.
في سبتمبر 2025، اقترح سموتريتش علنًا ضم 82% من الضفة الغربية المحتلة، وهو ما يؤكد أن ما كان يُقدّم في السابق على أنه رؤية سياسية، أصبح الآن يُترجم بثبات إلى حقائق على أرض الواقع.
قد يكون عهد بنيامين نتنياهو يقترب من نهايته، ولكن قبل أن يُطوى هذا الفصل السياسي الدموي، قد يُجبر عدد لا يحصى من الفلسطينيين على تحمل التكلفة الباهظة.
لا يجوز للدول العربية والإسلامية، إلى جانب حلفائها في المجتمع الدولي، أن تظل تنتظر أن تشن إسرائيل هجوماً أوسع نطاقاً على الضفة الغربية قبل الرد واتخاذ موقف. إنّ الأمر يستدعي اهتماما عاجلا وتحركا فوريا.
{ أكاديمي وكاتب فلسطيني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك