العدد : ١٧٦٠٢ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٢ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

مقالات

عيسى الكبير وحكاية ليونارد روزنثال في العصر الذهبي للؤلؤ

بقلم: د. حمد إبراهيم العبدالله {

الاثنين ٠١ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

ثمة‭ ‬لحظاتٌ‭ ‬فارقةٌ‭ ‬تتشكل‭ ‬فيها‭ ‬مسارات‭ ‬التاريخ،‭ ‬وشخصياتٌ‭ ‬استثنائيةٌ‭ ‬تنسجُ‭ ‬أقدارها‭ ‬مع‭ ‬مصائر‭ ‬الأمم،‭ ‬فتُخلف‭ ‬إرثًا‭ ‬يعجز‭ ‬الزمن‭ ‬عن‭ ‬طمسه‭.  ‬ونحن‭ ‬نعاصر‭ ‬عام‭ ‬2026م،‭ ‬الذي‭ ‬تفضل‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬بتسميته‭ ‬‮«‬عام‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‮»‬‭ ‬بأمرٍ‭ ‬ملكيٍ‭ ‬سامٍ؛‭ ‬تكريمًا‭ ‬لقائد‭ ‬النهضة‭ ‬المؤسسية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬واستحضارًا‭ ‬لصفحةٍ‭ ‬مضيئةٍ‭ ‬من‭ ‬صفحات‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬العزيز؛‭ ‬فهي‭ ‬دعوةٌ‭ ‬للتأمل‭ ‬والاعتزاز‭ ‬بسيرة‭ ‬المغفور‭ ‬له‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬حاكم‭ ‬البحرين‭ ‬وتوابعها،‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه‭ (‬1869‭ ‬–‭ ‬1932م‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬أرسى‭ ‬دعائم‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة،‭ ‬وشيد‭ ‬مؤسساتٍ‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬آثارها‭ ‬شاهدةً‭ ‬مُنذُ‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن‭ ‬وحتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭. ‬

في‭ ‬خضم‭ ‬هذا‭ ‬التأمل،‭ ‬أود‭ ‬أن‭ ‬أخصص‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬المقالات‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬شخصياتٍ‭ ‬غفل‭ ‬عنها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬الذين‭ ‬غطوا‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬شخصياتٍ‭ ‬ارتبطت‭ ‬بعلاقةٍ‭ ‬وثيقةٍ‭ ‬بالبحرين‭ ‬خاصةً‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬حكم‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ومنها‭ ‬شخصياتٌ‭ ‬لعبت‭ ‬دورًا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬تجارةٍ‭ ‬كانت‭ ‬تُمثل‭ ‬عصب‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬آنذاك،‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬تجارة‭ ‬اللؤلؤ‭.  ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬أتناول‭ ‬مسيرة‭ ‬التاجر‭ ‬الفرنسي‭ ‬ليونارد‭ ‬روزنثال،‭ ‬الذي‭ ‬صنع‭ ‬إمبراطوريةً‭ ‬تجاريةً‭ ‬ربطت‭ ‬بين‭ ‬مياه‭ ‬البحرين‭ ‬الدافئة‭ ‬وصالونات‭ ‬باريس‭ ‬المتألقة‭. ‬

 

من‭ ‬ضفاف‭ ‬روسيا‭ ‬

إلى‭ ‬العاصمة‭ ‬الفرنسية

تبدأ‭ ‬رحلتنا‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي،‭ ‬حين‭ ‬وصل‭ ‬فتى‭ ‬روسيٌّ‭ ‬يُدعى‭ ‬ليونارد‭ ‬روزنثال‭ ‬إلى‭ ‬باريس‭ ‬عام‭ ‬1889م،‭ ‬وعمره‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة،‭ ‬باحثًا‭ ‬عن‭ ‬فرصةٍ‭ ‬في‭ ‬عاصمة‭ ‬الثقافة‭ ‬آنذاك،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يملك‭ ‬سوى‭ ‬طموحٍ‭ ‬لا‭ ‬يحده‭ ‬أفق،‭ ‬وعينٍ‭ ‬خبيرةٍ‭ ‬بدأت‭ ‬تتشكل‭ ‬في‭ ‬صالات‭ ‬المزادات‭ ‬الباريسية‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يتردد‭ ‬بانتظام‭. ‬التحق‭ ‬بالمدرسة‭ ‬التجارية،‭ ‬ثم‭ ‬عمل‭ ‬فترةٍ‭ ‬وجيزةٍ‭ ‬في‭ ‬مصنع‭ ‬باكارا‭ ‬الشهير‭ ‬للكريستال،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬ضالته‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬اللآلئ‭.  ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة،‭ ‬كانت‭ ‬باريس‭ ‬تعيش‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬بـ«العصر‭ ‬الجميل‮»‬‭ (‬1871‭ ‬–‭ ‬1914م‭)‬،‭ ‬وكانت‭ ‬دور‭ ‬المجوهرات‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬كارتييه،‭ ‬وبوشرون،‭ ‬وميليريو،‭ ‬ولاليك،‭ ‬وفوكيه،‭ ‬تبحث‭ ‬بشغفٍ‭ ‬عن‭ ‬اللآلئ‭ ‬الطبيعية‭ ‬لتلبية‭ ‬نهم‭ ‬الطبقات‭ ‬الأرستقراطية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعيش‭ ‬ما‭ ‬وصفه‭ ‬المؤرخون‭ ‬بـ«هوس‭ ‬اللؤلؤ‮»‬‭.  ‬

أسس‭ ‬ليونارد‭ ‬مع‭ ‬إخوته،‭ ‬في‭ ‬مقدمتهم‭ ‬فيكتور‭ ‬روزنثال‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬شريكه‭ ‬الأوثق،‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬روزنثال‭ ‬وإخوانه‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1899م،‭ ‬وقام‭ ‬بامتلاك‭ ‬متجرٍ‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬شارع‭ ‬الأوبرا‭ ‬في‭ ‬باريس‭.  ‬وقد‭ ‬أدرك‭ ‬ليونارد‭ ‬بذكائه‭ ‬التجاري‭ ‬الحاد‭ ‬أن‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬تتطلب‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬منابعه‭ ‬الأصلية،‭ ‬لا‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بما‭ ‬يصل‭ ‬عبر‭ ‬الوسطاء،‭ ‬فأرسل‭ ‬شقيقه‭ ‬فيكتور‭ ‬إلى‭ ‬فنزويلا‭ ‬عام‭ ‬1901م‭ ‬لجلب‭ ‬لآلئ‭ ‬الكاريبي‭ ‬من‭ ‬جزيرة‭ ‬مارغريتا‭ ‬الشهيرة،‭ ‬فمكث‭ ‬هناك‭ ‬قرابة‭ ‬أربع‭ ‬سنوات،‭ ‬يبني‭ ‬شبكة‭ ‬علاقاتٍ‭ ‬مع‭ ‬الصيادين‭ ‬والتجار‭ ‬المحليين،‭ ‬ويشحنُ‭ ‬اللآلئ‭ ‬بانتظامٍ‭ ‬إلى‭ ‬باريس،‭ ‬لكن‭ ‬طموح‭ ‬ليونارد‭ ‬كان‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬الشرق،‭ ‬نحو‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬حيث‭ ‬تقبع‭ ‬أجود‭ ‬وأثمن‭ ‬اللآلئ‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬العالم‭. ‬

 

الرحلة‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭:‬

‭ ‬في‭ ‬كنفِ‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير

اتخذ‭ ‬ليونارد‭ ‬روزنثال‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1906م‭ ‬قرارًا‭ ‬جريئًا،‭ ‬فبدلًا‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الوسطاء‭ ‬في‭ ‬بومباي،‭ ‬قرر‭ ‬السفر‭ ‬بنفسه‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬في‭ ‬رحلةٍ‭ ‬شاقةٍ‭ ‬عبر‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬وقناة‭ ‬السويس‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬مياه‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭. ‬وهناك،‭ ‬في‭ ‬عاصمة‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬بلا‭ ‬منازع‭ ‬وفي‭ ‬العصر‭ ‬الذهبي‭ ‬للؤلؤ،‭ ‬التقى‭ ‬بتجارها‭ ‬الكبار‭ ‬وغواصيها‭ ‬المهرة،‭ ‬وأسس‭ ‬شبكة‭ ‬علاقاتٍ‭ ‬تجاريةٍ‭ ‬وثيقةٍ‭ ‬ستُصبح‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬لإمبراطوريته‭ ‬التجارية‭.  ‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬شجع‭ ‬ليونارد‭ ‬روزنثال‭ ‬على‭ ‬السفر‭ ‬شخصيًا‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬كانت‭ ‬امرأةٌ‭ ‬تُدعى‭ ‬إميل‭ ‬ناتان،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬تتملك‭ ‬متاجر‭ ‬للمجوهرات‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬وقد‭ ‬زارت‭ ‬البحرين‭ ‬وقد‭ ‬وثقت‭ ‬سجلات‭ ‬أرشيف‭ ‬مكتبة‭ ‬الهند‭ ‬البريطانية‭ ‬إحدى‭ ‬زياراتها‭ ‬في‭ ‬6‭ ‬أغسطس‭ ‬1905م‭.  ‬وتجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ليونارد‭ ‬روزنثال‭ ‬كان‭ ‬يُفضل‭ ‬عدم‭ ‬السفر‭ ‬شخصيًا‭ ‬وإدارة‭ ‬شؤون‭ ‬تجارته‭ ‬من‭ ‬باريس،‭ ‬وإرسال‭ ‬مندوبين‭ ‬عنه‭ ‬أو‭ ‬أخيه‭ ‬فيكتور‭ ‬روزنثال‭ ‬بدلًا‭ ‬منه،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬تشجيع‭ ‬إميل‭ ‬ناتان‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬إقامة‭ ‬علاقاتٍ‭ ‬مباشرةٍ‭ ‬مع‭ ‬تجار‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬قد‭ ‬أقنعه‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬ضرورية‭.  ‬تكررت‭ ‬زيارته‭ ‬للبحرين‭ ‬فتُشير‭ ‬المصادر‭ ‬البريطانية‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬أنفق‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1913م‭ ‬نحو‭ ‬65‭ ‬ألف‭ ‬روبيةٍ‭ ‬لاقتناء‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬اللآلئ‭ ‬من‭ ‬البحرين‭.     ‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬نجاح‭ ‬روزنثال‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬ليتحقق‭ ‬لولا‭ ‬البيئة‭ ‬المستقرة‭ ‬والآمنة‭ ‬التي‭ ‬أرساها‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬عهد‭ ‬‮«‬عيسى‭ ‬الكبير‮»‬‭ ‬عهدًا‭ ‬ذهبيًا‭ ‬بكل‭ ‬المقاييس،‭ ‬حيث‭ ‬شهدت‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حكمه‭ ‬نهضةً‭ ‬مؤسسيةً‭ ‬غير‭ ‬مسبوقةٍ،‭ ‬مقرونةً‭ ‬بحكمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬وحرصه‭ ‬على‭ ‬رعاية‭ ‬شعبه‭ ‬ورفاهيته،‭ ‬فجعل‭ ‬من‭ ‬البحرين‭ ‬مركزًا‭ ‬تجاريًا‭ ‬عالميًا‭ ‬يستقطب‭ ‬التجار‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الأصقاع‭. ‬

كان‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬يُدرك‭ ‬بحكمته‭ ‬البالغة‭ ‬أن‭ ‬تجارة‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬هي‭ ‬عصب‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وعماد‭ ‬الرخاء،‭ ‬فوفر‭ ‬للتجار،‭ ‬محليين‭ ‬وأجانب،‭ ‬كل‭ ‬التسهيلات‭ ‬اللازمة‭.  ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المُناخ‭ ‬الحاضن،‭ ‬ازدهرت‭ ‬أعمال‭ ‬روزنثال‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬المورد‭ ‬الرئيس‭ ‬لكبرى‭ ‬دور‭ ‬المجوهرات‭ ‬الباريسية،‭ ‬فلُقب‭ ‬بـ‮«‬نابليون‭ ‬اللؤلؤ‮»‬‭.  ‬كانت‭ ‬لآلئ‭ ‬البحرين،‭ ‬ببريقها‭ ‬الفريد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُضاهى‭ ‬واستدارتها‭ ‬المثالية‭ ‬وألوانها‭ ‬المتدرجة‭ ‬بين‭ ‬الأبيض‭ ‬والكريمي‭ ‬والوردي،‭ ‬تُزين‭ ‬أعناق‭ ‬أميرات‭ ‬أوروبا‭ ‬وأبرز‭ ‬شخصياتها‭.   ‬

 

التحولات‭ ‬القادمة‭ ‬

من‭ ‬الشرق‭ ‬الأقصى

في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬تجارة‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬الطبيعي‭ ‬تبلغُ‭ ‬ذروتها‭ ‬في‭ ‬عشرينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وتضاعفت‭ ‬قيمة‭ ‬صادرات‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬عاصفةٌ‭ ‬تتشكل‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأقصى،‭ ‬ففي‭ ‬اليابان،‭ ‬نجح‭ ‬ميكيموتو‭ ‬كويتشي،‭ ‬ابن‭ ‬صاحب‭ ‬مطعمٍ‭ ‬متواضعٍ‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬توبا،‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬تقنيةٍ‭ ‬لاستزراع‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬بعد‭ ‬سنواتٍ‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬المضنية‭.  ‬كان‭ ‬حلمُ‭ ‬كويتشي‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يُزين‭ ‬أعناق‭ ‬كل‭ ‬نساء‭ ‬العالم‭ ‬باللؤلؤ‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬حلمٌ‭ ‬رغم‭ ‬نُبلهِ‭ ‬كان‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬تهديدًا‭ ‬وجوديًا‭ ‬لصناعة‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬الطبيعي‭ ‬بأسرها‭ ‬عالميًا‭. ‬

أدرك‭ ‬ليونارد‭ ‬روزنثال،‭ ‬بحدسه‭ ‬وبصيرته‭ ‬التجارية‭ ‬الثاقبة،‭ ‬حجم‭ ‬التحدي‭ ‬المُحدق،‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بمصالحه‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بمصير‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الغواصين‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬وبمصير‭ ‬اقتصاداتٍ‭ ‬بأكملها،‭ ‬وقاد‭ ‬معركةً‭ ‬شرسةً‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬ضد‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬المستزرع،‭ ‬مطالبًا‭ ‬بتصنيفه‭ ‬كـ«تقليدٍ‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬منتجٍ‭ ‬صناعيٍ‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يحمل‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬اللؤلؤ‮»‬‭ ‬دون‭ ‬تمييز،‭ ‬واستخدم‭ ‬كل‭ ‬نفوذه‭ ‬السياسي‭ ‬والتجاري‭ ‬في‭ ‬الدوائر‭ ‬الفرنسية‭ ‬لحماية‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬الطبيعي،‭ ‬وقد‭ ‬أتت‭ ‬المواجهة‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬باريس‭ ‬الدولي‭ ‬للفنون‭ ‬الزخرفية‭ ‬والصناعية‭ ‬الحديثة‭ ‬عام‭ ‬1925م،‭ ‬حيث‭ ‬عرض‭ ‬ميكيموتو‭ ‬لآلئه‭ ‬المستزرعة‭ ‬أمام‭ ‬عيون‭ ‬العالم،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تأسيس‭ ‬المختبر‭ ‬الفرنسي‭ ‬للأحجار‭ ‬الكريمة‭ ‬للتمييز‭ ‬بين‭ ‬الطبيعي‭ ‬والمستزرع‭ ‬عبر‭ ‬الأشعة‭ ‬السينية‭. ‬

 

التحولات‭ ‬الجسام

‭ ‬ومفارقات‭ ‬القدر

تضافرت‭ ‬عوامل‭ ‬عدةٍ‭ ‬لتؤثر‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬عمل‭ ‬وثروة‭ ‬روزنثال،‭ ‬فإلى‭ ‬جانب‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬المستزرع‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يغزو‭ ‬الأسواق‭ ‬بأسعارٍ‭ ‬زهيدةٍ،‭ ‬جاء‭ ‬الكساد‭ ‬الكبير‭ ‬عام‭ ‬1929م‭ ‬ليعصف‭ ‬بأسواق‭ ‬الترف‭ ‬العالمية،‭ ‬فانهارت‭ ‬أسعار‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬بنسبةٍ‭ ‬تجاوزت‭ ‬السبعين‭ ‬في‭ ‬المائة‭.  ‬وعانت‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬الكساد‭ ‬الكبير،‭ ‬لكن‭ ‬بُعد‭ ‬نظر‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬الكرام‭ ‬وحكمتهم‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬أثمر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السعي‭ ‬لاكتشاف‭ ‬النفط‭ ‬بكمياتٍ‭ ‬تجاريةٍ،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬في‭ ‬صيف‭ ‬عام‭ ‬1932م،‭ ‬وهو‭ ‬العام‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬رحل‭ ‬فيه‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬تاركًا‭ ‬خلفه‭ ‬دولة‭ ‬مؤسساتٍ‭ ‬قادرةٍ‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬التحولات‭ ‬الكبرى‭ ‬والانتقال‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬إلى‭ ‬عصر‭ ‬الذهب‭ ‬الأسود‭.  ‬

أما‭ ‬ليونارد‭ ‬روزنثال،‭ ‬فقد‭ ‬واجه‭ ‬تحديًا‭ ‬إضافيًا‭ ‬من‭ ‬نوعٍ‭ ‬آخرٍ،‭ ‬فمع‭ ‬اندلاع‭ ‬أحداث‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ (‬1939‭ ‬–‭ ‬1945م‭) ‬واحتلال‭ ‬النازيين‭ ‬لفرنسا،‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬مستهدفًا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬النازيين‭ ‬لمصادرة‭ ‬تجارته،‭ ‬فاضطر‭ ‬للفرار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1941م،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬الستينيات‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬تاركًا‭ ‬خلفه‭ ‬تجارته‭ ‬التي‭ ‬بناها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أربعة‭ ‬عقودٍ‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬ليعبر‭ ‬إسبانيا‭ ‬والبرتغال‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬البرازيل،‭ ‬حتى‭ ‬استقر‭ ‬به‭ ‬المقام‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭.   ‬وهنا‭ ‬تتجلى‭ ‬إحدى‭ ‬أعجب‭ ‬مفارقات‭ ‬التاريخ،‭ ‬ففي‭ ‬نيويورك،‭ ‬فإن‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬أشرس‭ ‬المعارك‭ ‬ضد‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬المستزرع،‭ ‬وأنفق‭ ‬سنواتٍ‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬في‭ ‬محاربته،‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬مضطرًا،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬البقاء‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬حياته،‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬تجارة‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬المستزرع‭ ‬ذاته،‭ ‬فاستخدم‭ ‬خبرته‭ ‬العميقة‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬اللآلئ‭ ‬وفرزها‭ ‬وتصنيفها‭ ‬لينجح‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬من‭ ‬جديد‭.  ‬وقد‭ ‬ألف‭ ‬في‭ ‬سنواته‭ ‬الأخيرة‭ ‬كتابًا‭ ‬ضم‭ ‬إليه‭ ‬مذكراته‭ ‬اسماه‭ ‬‮«‬صائد‭ ‬اللؤلؤ‮»‬،‭ ‬والصادر‭ ‬عام‭ ‬1952م،‭ ‬وظل‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬ذاته‭ ‬حتى‭ ‬وفاته‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬عام‭ ‬1955م‭ ‬عن‭ ‬واحدٍ‭ ‬وثمانين‭ ‬عامًا‭. ‬

 

في‭ ‬عام‭ ‬عيسى‭ ‬

الكبير‭: ‬قراءةٌ‭ ‬في‭ ‬المسيرة

إن‭ ‬حكاية‭ ‬ليونارد‭ ‬روزنثال‭ ‬هي‭ ‬سيرةٌ‭ ‬لتاجرٍ‭ ‬ناجحٍ‭ ‬عبر‭ ‬البحار‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬ثروات‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬وهي‭ ‬نافذةٌ‭ ‬أيضًا‭ ‬نُطل‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬حقبةٍ‭ ‬مفصليةٍ‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البحرين‭ ‬الحديث‭ ‬والعالم،‭ ‬حقبةٌ‭ ‬كان‭ ‬فيها‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬لا‭ ‬يُقدر‭ ‬بثمنٍ،‭ ‬وكانت‭ ‬فيها‭ ‬البحرين‭ ‬قلب‭ ‬العالم‭ ‬النابض‭ ‬بتجارته‭.  ‬إنها‭ ‬تُذكرنا‭ ‬بأن‭ ‬الاستقرار‭ ‬الذي‭ ‬أرساه‭ ‬‮«‬عيسى‭ ‬الكبير‮»‬‭ ‬بحكمته‭ ‬وعزيمته‭ ‬كان‭ ‬الحاضنة‭ ‬التي‭ ‬سمحت‭ ‬للؤلؤ‭ ‬البحرين‭ ‬بأن‭ ‬يضيء‭ ‬عواصم‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬باريس‭ ‬إلى‭ ‬لندن‭ ‬إلى‭ ‬نيويورك،‭ ‬وتُذكرنا‭ ‬أن‭ ‬الأمم‭ ‬العظيمة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬والتجدد‭. ‬

في‭ ‬‮«‬عام‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‮»‬،‭ ‬ونحن‭ ‬نستحضر‭ ‬تلك‭ ‬الأمجاد،‭ ‬نُدرك‭ ‬أن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬بقيادتها‭ ‬الحكيمة‭ ‬ومسيرتها‭ ‬التنموية‭ ‬الشاملة‭ ‬بقيادة‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬بمساندةٍ‭ ‬ودعمٍ‭ ‬متواصلٍ‭ ‬من‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬حفظه‭ ‬الله،‭ ‬قادرةٌ‭ ‬دائمًا‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬التحديات‭ ‬والمحن‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية،‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬تجاوزت‭ ‬ما‭ ‬سبقها‭ ‬من‭ ‬تحدياتٍ‭ ‬لتصنع‭ ‬مجدًا‭ ‬جديدًا‭.  ‬إن‭ ‬ما‭ ‬خلفه‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‭ ‬هو‭ ‬الأساس‭ ‬المتين‭ ‬الذي‭ ‬تقوم‭ ‬عليه‭ ‬نهضة‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬المعاصرة،‭ ‬والمبادئ‭ ‬التي‭ ‬أرساها‭ ‬من‭ ‬حكمةٍ‭ ‬وعدلٍ‭ ‬وبناءٍ‭ ‬مؤسسي‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬تستلهم‭ ‬منها‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬سُبل‭ ‬المجد‭ ‬والرفعة‭. ‬

 

{ عميد‭ ‬كلية‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬خالد

‭ ‬للدراسات‭ ‬الإسلامية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا