
ثمة لحظاتٌ فارقةٌ تتشكل فيها مسارات التاريخ، وشخصياتٌ استثنائيةٌ تنسجُ أقدارها مع مصائر الأمم، فتُخلف إرثًا يعجز الزمن عن طمسه. ونحن نعاصر عام 2026م، الذي تفضل حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، بتسميته «عام عيسى الكبير» بأمرٍ ملكيٍ سامٍ؛ تكريمًا لقائد النهضة المؤسسية في تاريخ مملكة البحرين، واستحضارًا لصفحةٍ مضيئةٍ من صفحات هذا الوطن العزيز؛ فهي دعوةٌ للتأمل والاعتزاز بسيرة المغفور له بإذن الله تعالى، صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين وتوابعها، طيب الله ثراه (1869 – 1932م)، الذي أرسى دعائم الدولة الحديثة، وشيد مؤسساتٍ لا تزال آثارها شاهدةً مُنذُ ذلك الزمن وحتى يومنا هذا.
في خضم هذا التأمل، أود أن أخصص عددًا من المقالات للحديث عن شخصياتٍ غفل عنها العديد من الكتاب الذين غطوا تلك الحقبة من الزمن، شخصياتٍ ارتبطت بعلاقةٍ وثيقةٍ بالبحرين خاصةً في فترة حكم الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، ومنها شخصياتٌ لعبت دورًا مهما في تجارةٍ كانت تُمثل عصب الحياة في الخليج العربي آنذاك، ألا وهي تجارة اللؤلؤ. وفي هذا المقال أتناول مسيرة التاجر الفرنسي ليونارد روزنثال، الذي صنع إمبراطوريةً تجاريةً ربطت بين مياه البحرين الدافئة وصالونات باريس المتألقة.
من ضفاف روسيا
إلى العاصمة الفرنسية
تبدأ رحلتنا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، حين وصل فتى روسيٌّ يُدعى ليونارد روزنثال إلى باريس عام 1889م، وعمره لا يتجاوز الخامسة عشرة، باحثًا عن فرصةٍ في عاصمة الثقافة آنذاك، لم يكن يملك سوى طموحٍ لا يحده أفق، وعينٍ خبيرةٍ بدأت تتشكل في صالات المزادات الباريسية حيث كان يتردد بانتظام. التحق بالمدرسة التجارية، ثم عمل فترةٍ وجيزةٍ في مصنع باكارا الشهير للكريستال، قبل أن يجد ضالته في عالم اللآلئ. في تلك الحقبة، كانت باريس تعيش ما عُرف بـ«العصر الجميل» (1871 – 1914م)، وكانت دور المجوهرات الكبرى مثل كارتييه، وبوشرون، وميليريو، ولاليك، وفوكيه، تبحث بشغفٍ عن اللآلئ الطبيعية لتلبية نهم الطبقات الأرستقراطية التي كانت تعيش ما وصفه المؤرخون بـ«هوس اللؤلؤ».
أسس ليونارد مع إخوته، في مقدمتهم فيكتور روزنثال الذي كان شريكه الأوثق، شركة «روزنثال وإخوانه» عام 1899م، وقام بامتلاك متجرٍ في قلب شارع الأوبرا في باريس. وقد أدرك ليونارد بذكائه التجاري الحاد أن السيطرة على سوق اللؤلؤ في أوروبا تتطلب الوصول إلى منابعه الأصلية، لا الاكتفاء بما يصل عبر الوسطاء، فأرسل شقيقه فيكتور إلى فنزويلا عام 1901م لجلب لآلئ الكاريبي من جزيرة مارغريتا الشهيرة، فمكث هناك قرابة أربع سنوات، يبني شبكة علاقاتٍ مع الصيادين والتجار المحليين، ويشحنُ اللآلئ بانتظامٍ إلى باريس، لكن طموح ليونارد كان يتجه نحو الشرق، نحو الخليج العربي، حيث تقبع أجود وأثمن اللآلئ التي عرفها العالم.
الرحلة إلى البحرين:
في كنفِ عيسى الكبير
اتخذ ليونارد روزنثال في عام 1906م قرارًا جريئًا، فبدلًا من الاعتماد على الوسطاء في بومباي، قرر السفر بنفسه إلى البحرين، في رحلةٍ شاقةٍ عبر البحر الأبيض المتوسط وقناة السويس والبحر الأحمر وصولًا إلى مياه الخليج العربي. وهناك، في عاصمة اللؤلؤ بلا منازع وفي العصر الذهبي للؤلؤ، التقى بتجارها الكبار وغواصيها المهرة، وأسس شبكة علاقاتٍ تجاريةٍ وثيقةٍ ستُصبح الركيزة الأساسية لإمبراطوريته التجارية.
ومن بين من شجع ليونارد روزنثال على السفر شخصيًا إلى البحرين كانت امرأةٌ تُدعى إميل ناتان، التي كانت هي الأخرى تتملك متاجر للمجوهرات في فرنسا، وقد زارت البحرين وقد وثقت سجلات أرشيف مكتبة الهند البريطانية إحدى زياراتها في 6 أغسطس 1905م. وتجدر الإشارة إلى أن ليونارد روزنثال كان يُفضل عدم السفر شخصيًا وإدارة شؤون تجارته من باريس، وإرسال مندوبين عنه أو أخيه فيكتور روزنثال بدلًا منه، ويبدو أن تشجيع إميل ناتان بالإضافة إلى أهمية إقامة علاقاتٍ مباشرةٍ مع تجار اللؤلؤ في الخليج العربي قد أقنعه بأن هذه الرحلة ضرورية. تكررت زيارته للبحرين فتُشير المصادر البريطانية إلى أنه قد أنفق في عام 1913م نحو 65 ألف روبيةٍ لاقتناء عددٍ من اللآلئ من البحرين.
لم يكن نجاح روزنثال في البحرين ليتحقق لولا البيئة المستقرة والآمنة التي أرساها صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، فقد كان عهد «عيسى الكبير» عهدًا ذهبيًا بكل المقاييس، حيث شهدت البحرين في ظل حكمه نهضةً مؤسسيةً غير مسبوقةٍ، مقرونةً بحكمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة وحرصه على رعاية شعبه ورفاهيته، فجعل من البحرين مركزًا تجاريًا عالميًا يستقطب التجار من مختلف الأصقاع.
كان الشيخ عيسى بن علي آل خليفة يُدرك بحكمته البالغة أن تجارة اللؤلؤ هي عصب الاقتصاد وعماد الرخاء، فوفر للتجار، محليين وأجانب، كل التسهيلات اللازمة. وفي هذا المُناخ الحاضن، ازدهرت أعمال روزنثال حتى أصبح المورد الرئيس لكبرى دور المجوهرات الباريسية، فلُقب بـ«نابليون اللؤلؤ». كانت لآلئ البحرين، ببريقها الفريد الذي لا يُضاهى واستدارتها المثالية وألوانها المتدرجة بين الأبيض والكريمي والوردي، تُزين أعناق أميرات أوروبا وأبرز شخصياتها.
التحولات القادمة
من الشرق الأقصى
في الوقت الذي كانت فيه تجارة اللؤلؤ الطبيعي تبلغُ ذروتها في عشرينيات القرن الماضي، وتضاعفت قيمة صادرات اللؤلؤ من الخليج العربي، كانت هناك عاصفةٌ تتشكل في الشرق الأقصى، ففي اليابان، نجح ميكيموتو كويتشي، ابن صاحب مطعمٍ متواضعٍ في مدينة توبا، في تطوير تقنيةٍ لاستزراع اللؤلؤ بعد سنواتٍ من التجارب المضنية. كان حلمُ كويتشي أن «يُزين أعناق كل نساء العالم باللؤلؤ»، وهو حلمٌ رغم نُبلهِ كان يحمل في طياته تهديدًا وجوديًا لصناعة اللؤلؤ الطبيعي بأسرها عالميًا.
أدرك ليونارد روزنثال، بحدسه وبصيرته التجارية الثاقبة، حجم التحدي المُحدق، فلم يكن الأمر يتعلق بمصالحه وحدها، بل بمصير عشرات الآلاف من الغواصين في الخليج العربي، وبمصير اقتصاداتٍ بأكملها، وقاد معركةً شرسةً في فرنسا ضد اللؤلؤ المستزرع، مطالبًا بتصنيفه كـ«تقليدٍ» أو «منتجٍ صناعيٍ» لا يستحق أن يحمل اسم «اللؤلؤ» دون تمييز، واستخدم كل نفوذه السياسي والتجاري في الدوائر الفرنسية لحماية اللؤلؤ الطبيعي، وقد أتت المواجهة الكبرى في معرض باريس الدولي للفنون الزخرفية والصناعية الحديثة عام 1925م، حيث عرض ميكيموتو لآلئه المستزرعة أمام عيون العالم، الأمر الذي أدى إلى تأسيس المختبر الفرنسي للأحجار الكريمة للتمييز بين الطبيعي والمستزرع عبر الأشعة السينية.
التحولات الجسام
ومفارقات القدر
تضافرت عوامل عدةٍ لتؤثر سلبًا على عمل وثروة روزنثال، فإلى جانب اللؤلؤ المستزرع الذي كان يغزو الأسواق بأسعارٍ زهيدةٍ، جاء الكساد الكبير عام 1929م ليعصف بأسواق الترف العالمية، فانهارت أسعار اللؤلؤ بنسبةٍ تجاوزت السبعين في المائة. وعانت بلدان العالم من تداعيات الكساد الكبير، لكن بُعد نظر آل خليفة الكرام وحكمتهم في البحرين أثمر من خلال السعي لاكتشاف النفط بكمياتٍ تجاريةٍ، وهذا ما تحقق في صيف عام 1932م، وهو العام ذاته الذي رحل فيه صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه، تاركًا خلفه دولة مؤسساتٍ قادرةٍ على استيعاب التحولات الكبرى والانتقال من عصر اللؤلؤ إلى عصر الذهب الأسود.
أما ليونارد روزنثال، فقد واجه تحديًا إضافيًا من نوعٍ آخرٍ، فمع اندلاع أحداث الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945م) واحتلال النازيين لفرنسا، وجد نفسه مستهدفًا من قبل النازيين لمصادرة تجارته، فاضطر للفرار في عام 1941م، وهو في أواخر الستينيات من عمره، تاركًا خلفه تجارته التي بناها على مدى أربعة عقودٍ من الزمن، ليعبر إسبانيا والبرتغال ثم إلى البرازيل، حتى استقر به المقام في نيويورك. وهنا تتجلى إحدى أعجب مفارقات التاريخ، ففي نيويورك، فإن الرجل الذي قاد أشرس المعارك ضد اللؤلؤ المستزرع، وأنفق سنواتٍ من عمره في محاربته، وجد نفسه مضطرًا، من أجل البقاء وإعادة بناء حياته، للعمل في تجارة اللؤلؤ المستزرع ذاته، فاستخدم خبرته العميقة في تقييم اللآلئ وفرزها وتصنيفها لينجح في العودة إلى السوق من جديد. وقد ألف في سنواته الأخيرة كتابًا ضم إليه مذكراته اسماه «صائد اللؤلؤ»، والصادر عام 1952م، وظل يعمل في المجال ذاته حتى وفاته في نيويورك عام 1955م عن واحدٍ وثمانين عامًا.
في عام عيسى
الكبير: قراءةٌ في المسيرة
إن حكاية ليونارد روزنثال هي سيرةٌ لتاجرٍ ناجحٍ عبر البحار بحثًا عن ثروات الخليج العربي، وهي نافذةٌ أيضًا نُطل منها على حقبةٍ مفصليةٍ في تاريخ البحرين الحديث والعالم، حقبةٌ كان فيها اللؤلؤ لا يُقدر بثمنٍ، وكانت فيها البحرين قلب العالم النابض بتجارته. إنها تُذكرنا بأن الاستقرار الذي أرساه «عيسى الكبير» بحكمته وعزيمته كان الحاضنة التي سمحت للؤلؤ البحرين بأن يضيء عواصم العالم من باريس إلى لندن إلى نيويورك، وتُذكرنا أن الأمم العظيمة هي التي تملك القدرة على التكيف والتجدد.
في «عام عيسى الكبير»، ونحن نستحضر تلك الأمجاد، نُدرك أن مملكة البحرين، بقيادتها الحكيمة ومسيرتها التنموية الشاملة بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، بمساندةٍ ودعمٍ متواصلٍ من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، قادرةٌ دائمًا على تجاوز التحديات والمحن الإقليمية والدولية، تمامًا كما تجاوزت ما سبقها من تحدياتٍ لتصنع مجدًا جديدًا. إن ما خلفه عيسى الكبير هو الأساس المتين الذي تقوم عليه نهضة مملكة البحرين المعاصرة، والمبادئ التي أرساها من حكمةٍ وعدلٍ وبناءٍ مؤسسي هي ذاتها التي تستلهم منها الأجيال القادمة سُبل المجد والرفعة.
{ عميد كلية عبدالله بن خالد
للدراسات الإسلامية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك