العدد : ١٧٦٠١ - الاثنين ٠١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠١ - الاثنين ٠١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

مقالات

السرد الوطني لراشد البحرين..
يُحفظ بماء الذهب في سجل الوطن بحكمة البيان وعزيمة الميدان

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الاثنين ٠١ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00


ليس‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬تعليقًا‭ ‬على‭ ‬لقاءٍ‭ ‬عابر،‭ ‬ولا‭ ‬قراءةً‭ ‬في‭ ‬حديثٍ‭ ‬قيل‭ ‬ومضى،‭ ‬بل‭ ‬محاولةٌ‭ ‬لتأريخ‭ ‬السرد‭ ‬الوطني‭ ‬الذي‭ ‬قدّمه‭ ‬راشد‭ ‬البحرين،‭ ‬الفريق‭ ‬أول‭ ‬معالي‭ ‬الشيخ‭ ‬راشد‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية،‭ ‬في‭ ‬لحظةٍ‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬يُتوقف‭ ‬عندها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬وأن‭ ‬تُقرأ‭ ‬لا‭ ‬بوصفها‭ ‬خطابًا‭ ‬أمنيًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بوصفها‭ ‬موقفًا‭ ‬وطنيًا‭ ‬جامعًا،‭ ‬ودرسًا‭ ‬في‭ ‬الوفاء،‭ ‬وشهادةً‭ ‬في‭ ‬الولاء،‭ ‬وصفحةً‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تُحفظ‭ ‬بماء‭ ‬الذهب‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬البحرين‭ ‬الناصع‭ ‬البياض‭.‬

فقد‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مناسبةٍ‭ ‬جمعت‭ ‬وزيرًا‭ ‬بمواطنين؛‭ ‬كان‭ ‬مقامًا‭ ‬من‭ ‬مقامات‭ ‬البيان‭ ‬الوطني،‭ ‬تحدّث‭ ‬فيه‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬ورقةٍ‭ ‬جامدة،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬خطابٍ‭ ‬مصنوع،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬قلبٍ‭ ‬خبر‭ ‬الأحداث،‭ ‬وعقلٍ‭ ‬وعى‭ ‬الأخطار،‭ ‬ولسانٍ‭ ‬جمع‭ ‬بين‭ ‬فصاحة‭ ‬البيان‭ ‬وصدق‭ ‬الوجدان‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاءت‭ ‬كلمة‭ ‬راشد‭ ‬البحرين‭ ‬سردًا‭ ‬للتاريخ،‭ ‬وتشخيصًا‭ ‬للخطر،‭ ‬وإنصافًا‭ ‬للطائفة‭ ‬الأصيلة،‭ ‬وحسمًا‭ ‬مع‭ ‬التنظيم‭ ‬الدخيل،‭ ‬صادرةً‭ ‬من‭ ‬قلبٍ‭ ‬مخلصٍ‭ ‬لسيدي‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬ونابضةً‭ ‬بحب‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬وأهلها‭ ‬جميعًا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬فرزٍ‭ ‬أو‭ ‬تفرقة،‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬أمنها‭ ‬كرامة‭ ‬الجميع،‭ ‬وفي‭ ‬وحدتها‭ ‬نجاة‭ ‬الجميع،‭ ‬وفي‭ ‬قانونها‭ ‬عدل‭ ‬الجميع‭.‬

وليس‭ ‬السرد‭ ‬الوطني‭ ‬ترفًا‭ ‬من‭ ‬القول،‭ ‬ولا‭ ‬زينةً‭ ‬في‭ ‬البيان،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ذاكرة‭ ‬الدولة‭ ‬حين‭ ‬تُراد‭ ‬لها‭ ‬الغفلة،‭ ‬وبصيرة‭ ‬المجتمع‭ ‬حين‭ ‬تُراد‭ ‬له‭ ‬الفتنة،‭ ‬وحصن‭ ‬الوطن‭ ‬حين‭ ‬تتكاثر‭ ‬عليه‭ ‬السهام‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬وتتلوّن‭ ‬له‭ ‬الوجوه‭ ‬في‭ ‬الداخل‭. ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حديث‭ ‬معالي‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬بيانًا‭ ‬أمنيًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬ولا‭ ‬وصفًا‭ ‬لحادثة‭ ‬طارئة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬سردًا‭ ‬وطنيًا‭ ‬متصلًا،‭ ‬رتّب‭ ‬الوقائع‭ ‬في‭ ‬مواضعها،‭ ‬وردّ‭ ‬الأحداث‭ ‬إلى‭ ‬أصولها،‭ ‬وميّز‭ ‬بين‭ ‬الطائفة‭ ‬الأصيلة‭ ‬والتنظيم‭ ‬الدخيل،‭ ‬وبين‭ ‬المواطن‭ ‬المخلص‭ ‬لوطنه،‭ ‬والتابع‭ ‬الذي‭ ‬يأتمر‭ ‬من‭ ‬خارجه‭.‬

لقد‭ ‬وضع‭ ‬معاليه‭ ‬السرد‭ ‬في‭ ‬سياقه‭ ‬الصحيح؛‭ ‬فمملكة‭ ‬البحرين‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬النفس‭ ‬الطائفي‭ ‬يومًا‭ ‬قبل‭ ‬حقبة‭ ‬الخميني‭ ‬بنهجه‭ ‬الثيوقراطي‭ ‬السياسي‭ ‬المؤدلج،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بالإيمان‭ ‬مذهبًا،‭ ‬بل‭ ‬يريد‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬ولاءٍ‭ ‬حزبي،‭ ‬ولا‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬العبادة‭ ‬شعيرة،‭ ‬بل‭ ‬يجعل‭ ‬منها‭ ‬راية‭ ‬صراع‭. ‬كانت‭ ‬البحرين،‭ ‬قبل‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬وطنًا‭ ‬يعرف‭ ‬أهله‭ ‬بعضهم‭ ‬بعضًا،‭ ‬يتجاورون‭ ‬في‭ ‬الفريج،‭ ‬ويتقاسمون‭ ‬الرزق،‭ ‬ويتبادلون‭ ‬المعروف،‭ ‬وتجمعهم‭ ‬نخوة‭ ‬الأرض‭ ‬قبل‭ ‬ضجيج‭ ‬الشعارات‭. ‬وكان‭ ‬شيعة‭ ‬البحرين،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬سائر‭ ‬مكونات‭ ‬الوطن،‭ ‬جزءًا‭ ‬أصيلًا‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬البلاد‭ ‬ومجتمعها‭ ‬وثقافتها،‭ ‬لهم‭ ‬حضورهم،‭ ‬ومآتمهم،‭ ‬ومرجعياتهم‭ ‬المتعددة،‭ ‬ولم‭ ‬يكونوا‭ ‬فرعًا‭ ‬من‭ ‬تنظيم‭ ‬سياسي‭ ‬خارجي‭ ‬عابر‭ ‬للأوطان،‭ ‬ولا‭ ‬تابعين‭ ‬لفقيه‭ ‬حاكم‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭.‬

وليس‭ ‬أدلّ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬في‭ ‬نهجها‭ ‬وممارستها‭ ‬وبنائها‭ ‬المؤسسي،‭ ‬دولةٌ‭ ‬تجمع‭ ‬ولا‭ ‬تفرّق،‭ ‬وتقرّب‭ ‬ولا‭ ‬تمزّق،‭ ‬وتصون‭ ‬الخصوصية‭ ‬ولا‭ ‬تصنع‭ ‬الخصومة،‭ ‬من‭ ‬المرسوم‭ ‬الملكي‭ ‬السامي‭ ‬بإنشاء‭ ‬مجلس‭ ‬شؤون‭ ‬الأوقاف‭ ‬الإسلامية،‭ ‬جامعًا‭ ‬مجلسي‭ ‬الأوقافين‭ ‬في‭ ‬مظلةٍ‭ ‬واحدة،‭ ‬ورؤيةٍ‭ ‬واحدة،‭ ‬وحوكمةٍ‭ ‬واحدة،‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬الإدارة‭ ‬العامة‭ ‬للشؤون‭ ‬السنية‭ ‬والإدارة‭ ‬العامة‭ ‬للشؤون‭ ‬الجعفرية‭ ‬جهازين‭ ‬تنفيذيين‭ ‬لكل‭ ‬وقفٍ‭ ‬في‭ ‬شأنه،‭ ‬ولكل‭ ‬اختصاصٍ‭ ‬في‭ ‬موضعه‭. ‬فلو‭ ‬كان‭ ‬التفريق‭ ‬بين‭ ‬الأوقافين‭ ‬نهجًا‭ ‬بحرينيًا‭ ‬أصيلًا‭ ‬لما‭ ‬عادت‭ ‬البحرين‭ ‬إلى‭ ‬أصلها‭ ‬الجامع،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬الفصل‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬الوطن‭ ‬لما‭ ‬جاء‭ ‬الوصل‭ ‬بإرادة‭ ‬الوطن؛‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الفصل‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬خلال‭ ‬حقبة‭ ‬الحماية‭ ‬البريطانية،‭ ‬ووجهًا‭ ‬من‭ ‬وجوه‭ ‬ترتيبها‭ ‬الإداري‭ ‬الذي‭ ‬وافق‭ ‬سياقها‭ ‬ومصلحتها،‭ ‬لا‭ ‬روح‭ ‬البحرين‭ ‬وفطرتها‭. ‬أما‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬أصلها،‭ ‬فهي‭ ‬وطنٌ‭ ‬يجمع‭ ‬ولا‭ ‬يصدّع،‭ ‬ويؤلف‭ ‬ولا‭ ‬يبدّد،‭ ‬ويحفظ‭ ‬المذهب‭ ‬في‭ ‬مكانته،‭ ‬ولا‭ ‬يجعله‭ ‬متراسًا‭ ‬للفرقة،‭ ‬ويصون‭ ‬الوقف‭ ‬في‭ ‬حرمته،‭ ‬ولا‭ ‬يخرجه‭ ‬من‭ ‬قدسيته‭ ‬إلى‭ ‬خصومة‭ ‬السياسة‭ ‬وضجيجها‭.‬

ثم‭ ‬جاء‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬وجاءت‭ ‬معه‭ ‬لحظة‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الإيرانية‭ ‬تجاه‭ ‬المنطقة‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬إيران،‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬الخمينية‭ ‬الطائفية‭ ‬ذات‭ ‬النزعة‭ ‬الفئوية،‭ ‬دولةً‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬حدودها،‭ ‬بل‭ ‬نظامًا‭ ‬أراد‭ ‬تصدير‭ ‬ثورته،‭ ‬ومدّ‭ ‬سلطته‭ ‬الرمزية‭ ‬والسياسية‭ ‬عبر‭ ‬فكرة‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬المطلقة‭ ‬العابرة‭ ‬للأوطان‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬مقيدة‭. ‬وهنا‭ ‬تحولت‭ ‬النظرية‭ ‬من‭ ‬مقامٍ‭ ‬فقهي‭ ‬محدود‭ ‬الصلاحيات‭ ‬الشرعية‭ ‬ومحليًا‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬دولته‭ ‬إلى‭ ‬مشروعٍ‭ ‬سياسي‭ ‬عابر‭ ‬للحدود،‭ ‬ومن‭ ‬خطاب‭ ‬في‭ ‬الحوزات‭ ‬إلى‭ ‬أدواتٍ‭ ‬في‭ ‬الشوارع،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬المطلوب‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الأتباع‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ولاؤهم‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬الفقيه‭ ‬الحاكم،‭ ‬لا‭ ‬حيث‭ ‬تكون‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬وُلدوا‭ ‬فيها،‭ ‬ولا‭ ‬الوطن‭ ‬الذي‭ ‬حمل‭ ‬أسماءهم‭ ‬وبيوتهم‭ ‬وقبور‭ ‬آبائهم‭.‬

ولم‭ ‬تلبث‭ ‬آثار‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬أن‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1981‭ ‬جاءت‭ ‬المحاولة‭ ‬الفاشلة‭ ‬لقلب‭ ‬نظام‭ ‬الحكم،‭ ‬لتكون‭ ‬شاهدًا‭ ‬مبكرًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬رأيًا‭ ‬فكريًا‭ ‬معزولًا،‭ ‬بل‭ ‬سعيًا‭ ‬إلى‭ ‬اختراق‭ ‬الدولة‭ ‬والاعتداء‭ ‬على‭ ‬شرعيتها‭ ‬وسيادتها‭. ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬سنوات‭ ‬التسعينيات‭ ‬بما‭ ‬حملته‭ ‬من‭ ‬شغب‭ ‬وإرهاب‭ ‬واضطراب،‭ ‬حيث‭ ‬حاولت‭ ‬إيران‭ ‬ووكلاؤها‭ ‬استغلال‭ ‬الشارع‭ ‬بغطاء‭ ‬مذهبي،‭ ‬وتصوير‭ ‬الخروج‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬كأنه‭ ‬طاعةٌ‭ ‬للولي‭ ‬الفقيه‭. ‬وهنا‭ ‬كانت‭ ‬الخطورة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬الطائفة‭ ‬إلى‭ ‬حقل‭ ‬استثمار‭ ‬سياسي،‭ ‬وأن‭ ‬يُراد‭ ‬للمواطن‭ ‬أن‭ ‬يسمع‭ ‬نداء‭ ‬الخارج‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬نداء‭ ‬الوطن‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الموضع‭ ‬تتجلى‭ ‬فصاحة‭ ‬راشد‭ ‬البحرين؛‭ ‬فليست‭ ‬الفصاحة‭ ‬حسن‭ ‬لفظٍ‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬موضعه،‭ ‬والجرح‭ ‬في‭ ‬سببه،‭ ‬والدواء‭ ‬في‭ ‬مكانه‭. ‬لقد‭ ‬سرد‭ ‬معاليه‭ ‬المراحل‭ ‬لا‭ ‬سرد‭ ‬مؤرخٍ‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬الواقع،‭ ‬بل‭ ‬سرد‭ ‬رجل‭ ‬دولةٍ‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المسؤولية،‭ ‬يفرّق‭ ‬بين‭ ‬المذهب‭ ‬والتسييس،‭ ‬وبين‭ ‬المواطن‭ ‬والتنظيم،‭ ‬وبين‭ ‬الطائفة‭ ‬الأصيلة‭ ‬والفكرة‭ ‬الدخيلة‭.‬

ثم‭ ‬جاء‭ ‬عام‭ ‬1999،‭ ‬وجاء‭ ‬معه‭ ‬عهد‭ ‬سيدي‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬فكان‭ ‬المشروع‭ ‬الإصلاحي‭ ‬الشامل‭ ‬بابًا‭ ‬واسعًا‭ ‬للاحتواء‭ ‬والمواطنة‭ ‬الصادقة‭. ‬فتح‭ ‬جلالته‭ ‬القلب‭ ‬قبل‭ ‬الباب،‭ ‬ومدّ‭ ‬يد‭ ‬العفو‭ ‬قبل‭ ‬يد‭ ‬المحاسبة،‭ ‬وأعاد‭ ‬المبعدين،‭ ‬ومنح‭ ‬الجنسية،‭ ‬وأطلق‭ ‬الحياة‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬فكان‭ ‬ميثاق‭ ‬العمل‭ ‬الوطني،‭ ‬وكان‭ ‬الدستور،‭ ‬وكانت‭ ‬الدولة‭ ‬تقول‭ ‬لأبنائها‭ ‬جميعًا‭: ‬هذا‭ ‬وطنكم،‭ ‬وهذه‭ ‬دولتكم،‭ ‬فكونوا‭ ‬شركاء‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬لا‭ ‬أدواتٍ‭ ‬في‭ ‬الهدم‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬أربك‭ ‬المشروع‭ ‬الإيراني‭ ‬ووكلاءه؛‭ ‬لأن‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬أرادوا‭ ‬تصويرها‭ ‬مغلقة‭ ‬ظهرت‭ ‬واسعة،‭ ‬والتي‭ ‬زعموا‭ ‬أنها‭ ‬تقصي‭ ‬أبناءها‭ ‬مدت‭ ‬إليهم‭ ‬يدها‭. ‬ولذلك‭ ‬بدأ‭ ‬التوغل‭ ‬عبر‭ ‬أذرع‭ ‬فقهية‭ ‬وسياسية،‭ ‬من‭ ‬المجلس‭ ‬العلمائي‭ ‬المنحل‭ ‬قضائيًا‭ ‬إلى‭ ‬جمعية‭ ‬سياسية‭ ‬منحلة‭ ‬لبست‭ ‬ثوب‭ ‬الوفاق‭ ‬اسمًا‭ ‬والنفاق‭ ‬السياسي‭ ‬منهجًا،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لاختطاف‭ ‬الإرادة‭ ‬الوطنية‭ ‬داخل‭ ‬الطائفة‭ ‬الشيعية،‭ ‬وإرهاب‭ ‬المخالفين،‭ ‬وإقصاء‭ ‬من‭ ‬يرفض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تابعًا‭.‬

ثم‭ ‬جاءت‭ ‬محطة‭ ‬2011،‭ ‬حين‭ ‬انسحب‭ ‬ممثلو‭ ‬وكلاء‭ ‬إيران،‭ ‬لا‭ ‬ممثلو‭ ‬ناخبيهم‭ ‬الذين‭ ‬انتخبوهم،‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬النواب،‭ ‬ظنًا‭ ‬منهم‭ ‬أن‭ ‬صوتهم‭ ‬وحده‭ ‬هو‭ ‬صوت‭ ‬الطائفة‭. ‬لكن‭ ‬شخصيات‭ ‬وطنية‭ ‬مخلصة‭ ‬من‭ ‬الطائفة‭ ‬الشيعية‭ ‬تحملت‭ ‬مسؤوليتها‭ ‬وشاركت‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التكميلية‭ ‬رغم‭ ‬التهديد‭ ‬والإرهاب،‭ ‬فظهر‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬ابن‭ ‬الطائفة‭ ‬وابن‭ ‬التنظيم؛‭ ‬الأول‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬وطنه‭ ‬ولا‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬مذهبه،‭ ‬والثاني‭ ‬يختطف‭ ‬المذهب‭ ‬ليتخلى‭ ‬عن‭ ‬وطنه‭.‬

وعلى‭ ‬امتداد‭ ‬تلك‭ ‬السنوات،‭ ‬اختارت‭ ‬الدولة‭ ‬الصبر‭ ‬قبل‭ ‬القطيعة،‭ ‬والعفو‭ ‬قبل‭ ‬العقاب،‭ ‬والمعالجة‭ ‬الفردية‭ ‬قبل‭ ‬التعميم،‭ ‬مراعاةً‭ ‬للنسيج‭ ‬الوطني،‭ ‬وحرصًا‭ ‬على‭ ‬ألا‭ ‬يختلط‭ ‬المذنب‭ ‬بالبريء،‭ ‬ولا‭ ‬التنظيم‭ ‬بالطائفة،‭ ‬ولا‭ ‬الخيانة‭ ‬بالخلاف‭. ‬لكن‭ ‬الصبر‭ ‬إذا‭ ‬قابله‭ ‬التمادي،‭ ‬والتسامح‭ ‬إذا‭ ‬قابله‭ ‬الارتهان‭ ‬للخارج،‭ ‬صار‭ ‬الحزم‭ ‬عدلًا،‭ ‬وصارت‭ ‬المعالجة‭ ‬الجذرية‭ ‬واجبًا‭.‬

ثم‭ ‬جاءت‭ ‬الأحداث‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وجاء‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬الآثم‭ ‬على‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬فكشفت‭ ‬المحنة‭ ‬معادن‭ ‬الرجال؛‭ ‬فمن‭ ‬رأى‭ ‬في‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬وطنه‭ ‬جرحًا‭ ‬في‭ ‬قلبه،‭ ‬كان‭ ‬ابنًا‭ ‬للبحرين،‭ ‬ومن‭ ‬فرح‭ ‬به‭ ‬وصفق‭ ‬له،‭ ‬فقد‭ ‬كشف‭ ‬ولاءه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكشف‭ ‬قوله‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاء‭ ‬الحسم‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬الدولة،‭ ‬لا‭ ‬انتقامًا‭ ‬من‭ ‬مذهب؛‭ ‬وصونًا‭ ‬للمجتمع،‭ ‬لا‭ ‬استهدافًا‭ ‬لطائفة‭. ‬فالطائفة‭ ‬الشيعية‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬مكوّن‭ ‬أصيل‭ ‬في‭ ‬ماضي‭ ‬البلد‭ ‬وحاضره‭ ‬ومستقبله،‭ ‬وشيعة‭ ‬البحرين‭ ‬أقدم‭ ‬من‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه،‭ ‬وأعرق‭ ‬من‭ ‬خطاب‭ ‬الخميني،‭ ‬وأوسع‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يُحشروا‭ ‬في‭ ‬عباءة‭ ‬تنظيم‭ ‬أو‭ ‬مشروع‭ ‬حرسٍ‭ ‬إرهابي‭ ‬يسمى‭ ‬بثوري‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬كلمة‭ ‬راشد‭ ‬البحرين‭ ‬مجرد‭ ‬خطابٍ‭ ‬في‭ ‬ظرفٍ‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬عهدًا‭ ‬متصلًا‭ ‬من‭ ‬رجلٍ‭ ‬مخلصٍ‭ ‬لخدمة‭ ‬سيدي‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬تشرف‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬جنديًا‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬بواسل‭ ‬قوة‭ ‬دفاع‭ ‬البحرين،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تولى‭ ‬أمانة‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭. ‬وقد‭ ‬قادها‭ ‬بعقل‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ‬الراجح‭ ‬وبصيرة‭ ‬القائد،‭ ‬حتى‭ ‬غدت‭ ‬منارةً‭ ‬للحداثة‭ ‬والتطور،‭ ‬ومثالًا‭ ‬يُقتدى‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الأمني‭ ‬والمدني،‭ ‬لا‭ ‬بهدم‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬بل‭ ‬بالبناء‭ ‬عليه،‭ ‬وصون‭ ‬ما‭ ‬تحقق،‭ ‬والارتفاع‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أرسخ‭ ‬وأكمل‭.‬

وفي‭ ‬الختام،‭ ‬فإن‭ ‬السرد‭ ‬الذي‭ ‬قدّمه‭ ‬راشد‭ ‬البحرين‭ ‬سردٌ‭ ‬يحمي‭ ‬الطائفة‭ ‬من‭ ‬مختطفيها،‭ ‬والوطن‭ ‬من‭ ‬متربصيه،‭ ‬والمجتمع‭ ‬من‭ ‬سماسرة‭ ‬الفتنة‭. ‬هو‭ ‬سرد‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬بلد‭ ‬الجميع،‭ ‬لكنها‭ ‬ليست‭ ‬ساحةً‭ ‬للخيانة؛‭ ‬وطنٌ‭ ‬يتسع‭ ‬للمخلصين،‭ ‬ولا‭ ‬يتسع‭ ‬للمرتهنين؛‭ ‬دولةٌ‭ ‬تحمي‭ ‬الحريات،‭ ‬ولا‭ ‬تسمح‭ ‬بتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬معابر‭ ‬للفوضى‭. ‬ومن‭ ‬أراد‭ ‬البحرين‭ ‬وجد‭ ‬فيها‭ ‬صدرًا‭ ‬رحبًا،‭ ‬ومن‭ ‬أرادها‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬إيران‭ ‬وجد‭ ‬أمامه‭ ‬دولةً‭ ‬لا‭ ‬تنام،‭ ‬وقيادةً‭ ‬لا‭ ‬تلين،‭ ‬وشعبًا‭ ‬إذا‭ ‬اختلف‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬اجتمع‭ ‬على‭ ‬الوطن،‭ ‬وإذا‭ ‬تكاثرت‭ ‬الرايات‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬إلا‭ ‬راية‭ ‬البحرين‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬راشد‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬البيان‭ ‬إذا‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬قلبٍ‭ ‬مخلصٍ‭ ‬بلغ‭ ‬القلوب،‭ ‬وأن‭ ‬الفصاحة‭ ‬إذا‭ ‬اتصلت‭ ‬بالولاء‭ ‬صارت‭ ‬موقفًا،‭ ‬وإذا‭ ‬انتسبت‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬صارت‭ ‬عهدًا‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حديثه‭ ‬كلامًا‭ ‬مكتوبًا‭ ‬على‭ ‬ورق،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬شهادة‭ ‬رجلٍ‭ ‬مخلصٍ‭ ‬لخدمة‭ ‬سيدي‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬ومحبٍّ‭ ‬للبحرين‭ ‬بكل‭ ‬أهلها،‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬أمنها‭ ‬كرامة‭ ‬الجميع،‭ ‬وفي‭ ‬وحدتها‭ ‬نجاة‭ ‬الجميع،‭ ‬وفي‭ ‬قانونها‭ ‬عدل‭ ‬الجميع‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬بقيت‭ ‬كلمته‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خطاب؛‭ ‬بقيت‭ ‬سردًا‭ ‬وطنيًا،‭ ‬ودرسًا‭ ‬في‭ ‬الحزم‭ ‬الرشيد،‭ ‬والولاء‭ ‬العتيد،‭ ‬والبيان‭ ‬السديد،‭ ‬وبلاغةً‭ ‬لا‭ ‬تستعير‭ ‬معناها‭ ‬من‭ ‬زخرف‭ ‬اللفظ،‭ ‬لأنها‭ ‬تستمد‭ ‬بهاءها‭ ‬من‭ ‬صدق‭ ‬الانتماء،‭ ‬وضياءها‭ ‬من‭ ‬صفاء‭ ‬الوفاء،‭ ‬وخلودها‭ ‬من‭ ‬إخلاص‭ ‬الولاء‭ ‬لسيدي‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬ومن‭ ‬محبةٍ‭ ‬صادقةٍ‭ ‬لمملكة‭ ‬البحرين‭ ‬وأهلها،‭ ‬وطنِ‭ ‬الجميع،‭ ‬حماه‭ ‬الله‭ ‬وأدام‭ ‬علاه‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا