يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
أين تيار الاستقلال الشيعي العربي؟! «١»
إذا لم يرتفع صوت الشيعة العرب المستقل مع العدوان الإيراني فمتى يمكن أن يرتفع إذن؟
النظام الإيراني يعتبر الشيعة العرب مجرد أدوات لتنفيذ مخططاته
الشيعة العرب وطنيون فلماذا لا يعبر المثقفون عن إرادتهم؟
هل السبب هو الخوف أم لأن الانتـمـاء الطائفي أقوى من الوطني؟

هذه قضية كتبت عنها عدة مقالات وتحليلات قبل سنوات واعتبرتها في منتهى الخطورة.
أعني قضية غياب الصوت الشيعي العربي المستقل عن النظام الإيراني ومشروعه الطائفي العنصري التوسعي في المنطقة العربية وعن فكر «ولاية الفقيه».
غاب هذا التيار الشيعي العربي المستقل على الرغم من كل الجرائم التي ارتكبها النظام الايراني بحق دولنا وشعوبنا العربية، وعلى الرغم من ان الشيعة العرب هم اول ضحايا هذا النظام ومشروعه وجرائمه.
في مقالاتي السابقة عرضت أبعاد هذه القضية الخطيرة، وما الذي نعنيه بالضبط بالتيار الشيعي العربي المستقل.
اليوم تعود القضية إلى واجهة الاهتمام العام على ضوء العدوان الإرهابي الإيراني على البحرين وكل دول مجلس التعاون وما كشف عنه هذا العدوان على مختلف الأصعدة.
على الرغم من شناعة هذا العدوان وكل ما كشف عنه مازال الصوت الشيعي العربي المنظم في شكل تيار سياسي وفكري غائبا تماما. وهذا أمر في منتهى الغرابة والخطورة.
لهذا قررت أن أعيد طرح هذا الملف على ضوء الأفكار التي سبق أن عبرت عنها ومازالت مطروحة بإلحاح شديد اليوم.
◾ ◾ ◾
الصوت الغائب
قبل نحو عشر سنوات، وتحديدا في شهر يوليو عام 2016 كتبت مقالين عن هذه الظاهرة، ظاهرة غياب الصوت الشيعي العربي المستقل تحت عنوان «صوت الشيعة العرب الذي طال انتظاره».
أعيد نشر ما كتبت في ذلك الوقت فهي تلخص القضية بشكل واف وما طرحته فيها مطروح اليوم بإلحاح أكثر.
هذه ظاهرة خطيرة ومحيرة ولا بد أن تكون موضوعا للنقاش.
نعني ظاهرة غياب الصوت المستقل للشيعة العرب طوال السنوات الماضية وحتى اليوم في مواجهة النظام الإيراني وكل الجرائم التي يرتكبها في دولنا العربية، ودفاعاً عن أوطاننا في مواجهة الخطر الذي يمثله هذا النظام.
هذه ظاهرة من الصعب جداً أن نتفهمها أو أن نجد لها أي عذر يمكن أن يكون مقبولاً.
لماذا؟ علينا قبل كل شيء أن نتأمل الحقائق الآتية:
1 - على امتداد السنوات الطويلة الماضية لم يكف النظام الإيراني عن ارتكاب جرائمه الإرهابية التي يعرفها العالم كله في الدول العربية.
في العراق وسوريا واليمن والبحرين والسعودية والكويت، ارتكب النظام الإيراني مئات الجرائم التي يسعى من خلالها إلى تنفيذ مخططاته الإرهابية في الدول العربية وتقويض أمنها واستقرارها ومحاولة إسقاط حكوماتها.
2 - النظام الإيراني يرتكب كل هذه الجرائم سعياً لتنفيذ مخطط يحلم به بتدمير الدول العربية وفرض هيمنته بها في المنطقة. وهو يفعل هذا ليس بأي دافع ديني أو مذهبي، بل مدفوعا بكراهية فارسية لا حدود لها للعرب، وأملاً في تحقيق أطماع فارسية عنصرية.
3 - النظام الإيراني في سعيه لتنفيذ مخططه العنصري الفارسي في الدول العربية يستخدم الشيعة العرب أداة لتنفيذ أطماعه.
بعبارة أدق، النظام الإيراني حين يزعم دفاعه عن الشيعة ويتحدث عن مظالم مزعومة يعانون منها في الدول العربية، لا يعنيه أمر الشيعة في شيء. يعنيه فقط أن يستخدم الشيعة مبرراً وأداة لخدمة مخططاته الفارسية، ولا يتردد لحظة في التضحية بهم في سبيل ذلك.
4 - النظام الإيراني لم يكتف باستخدام الشيعة أداة وذريعة بشكل عام على هذا النحو، وإنما سعى إلى تجنيد كثيرين منهم في الدول العربية في شبكات وخلايا طائفية إرهابية تتآمر على أوطانها وتنفذ أعمال عنف وتخريب وإرهاب وتسعى إلى تقويض استقرار وأمن أوطانهم وتدمير سلمها الاجتماعي خدمة للنظام الإيراني.
إذن، الشيعة العرب يعرفون تمام المعرفة كل هذه الحقائق عن مخططات النظام الإيراني وما يرتكبه من جرائم بشعة في دولهم.
الشيعة العرب يعرفون أن هذا النظام الإيراني يمثل خطراً دائماً على دولهم، وأن مخططاته الإجرامية لا هدف لها إلا تدمير أوطانهم وخرابها.
يحدث هذا في الوقت الذي يعيش فيه الشيعة العرب في دول مجلس التعاون الخليجي بالذات في ظل أوضاع معيشية وسياسية أيضاً هي أفضل بملايين المرات من الأوضاع التي يعيشها الشيعة في إيران.
قارن مثلاً الأوضاع التي يعيشها شيعة البحرين من حيث مستوى الخدمات الاقتصادية والاجتماعية التي توفرها الدولة لكل المواطنين، ومن حيث الحريات السياسية المتاحة، بالأوضاع في إيران، الفارق هو كما الفارق بين السماء والأرض.
والشيء نفسه يمكن أن يقال عن أوضاع الشيعة في السعودية أو في الكويت مثلاً.
إذن، الشيعة العرب من يدفعون ثمن الجرائم التي يرتكبها النظام الإيراني في دولهم، وثمن الأطماع والمخططات الفارسية الإيرانية في المنطقة العربية.
النظام الإيراني يصور الشيعة العرب للعالم كله على أنهم مجرد تابعين له يمتثلون لأوامره، وعلى أنهم لا ولاء لهم لأوطانهم وأنهم مستعدون لخيانته والتآمر عليه، لا لشيء إلا خدمة لإيران.
على ضوء كل هذا، كان من المفترض أن يكون الشيعة العرب في مقدمة من يرفضون جرائم النظام الإيراني في الدول العربية، وفي مقدمة من يعلنون رفضهم لمخططاته وأطماعه الفارسية، وفي مقدمة من يواجهون هذه المخططات والأطماع.
كان من المفترض أن يكونوا في مقدمة المدافعين عن أوطانهم، وأول من يرفعون أصواتهم في مواجهة النظام الإيراني.
لكن هذا لم يحدث للأسف الشديد.
على امتداد السنوات الطويلة الماضية وإلى اليوم، غاب الصوت الشيعي العربي المستقل المدافع عن أوطانه في مواجهة الإجرام الإيراني.
ماذا نقصد بغياب الصوت الشيعي العربي المستقل؟ وكيف يمكن أن نفسر هذا الغياب؟
◾ ◾ ◾
لماذا الغياب؟
ما المقصود بغياب الصوت المستقل للشيعة العرب؟
المقصود هو الصوت المنظم القوي الرافض بحزم ووضوح مشروع إيران وجرائمها والمدافع بلا تردد عن الأوطان العربية.
صحيح أنه في السنوات الماضية، اتخذ أفراد من الشيعة، رجال دين أو مثقفين وكتاباً، موقفاً وطنياً وأعربوا بوضوح في كتاباتهم أو أحاديثهم عن رفضهم للمشروع الإيراني ودافعوا عن أوطانهم العربية في مواجهته.
لكن هؤلاء قليلون جداً، ومواقفهم هي مواقف فردية في نهاية المطاف.
وصحيح أنه في مناسبات قليلة أصدر عدد من العلماء ورجال الدين الشيعة بيانات تعبر عن مواقف وطنية تحمل تأييداً للدولة وإدانة للتدخلات الأجنبية. حدث هذا في البحرين مثلاً.
ولكن، مع التقدير الشديد لبيانات هؤلاء العلماء ورجال الدين، إلا أننا لا نستطيع أن نقول إن موقفهم يمثل موقفاً دائماً أصيلاً لكل علماء ورجال الدين الشيعة.
نريد أن نقول إن هذه المواقف الوطنية التي يعبر عنها أفراد، أو يعبر عنها عدد من رجال الدين الشيعة في بيانات متفرقة، تمثل استثناء ولا تمثل قاعدة.
حين نتحدث عن صوت مستقل للشيعة العرب في مواجهة إيران ودفاعاً عن الأوطان، فإننا نتحدث عن حركة شيعية منظمة ومستقلة ودائمة تتخذ المواقف الوطنية المفترضة في مواجهة النظام الإيراني ومشروعه، سواء كانت حركة سياسية أو مجتمعية عامة.
نتحدث عن حركة شيعية بهذا المعنى تجعل من المواقف الوطنية للشيعة العرب موقفاً ثابتاً دائماً ومسموعاً في العالم كله.
نتحدث عن حركة شيعية وطنية تخاطب جمهور الشيعة بشكل عام، وتسعى لحشدهم في إطار مشروع وطني في مواجهة النظام الإيراني ومشروعه ومخططاته وجرائمه.
نتحدث عن حركة تسعى بشكل دائم ومنتظم إلى صياغة مشروع شيعي وطني عربي في مواجهة مشروع إيران الفارسي العنصري الذي يستغل الشيعة العرب.
نتحدث عن حركة تجسد الإرادة الوطنية المستقلة للشيعة العرب بعيداً عن إيران ونظامها وإرادتها.
هذا هو المقصود بالصوت الشيعي العربي المستقل الذي طال انتظارنا له، ومازال غائباً.
مازال هذا الصوت غائباً في البحرين وفي السعودية والكويت والعراق وحتى في اليمن.
السؤال المحير هو: لماذا؟.. ما الأسباب التي يمكن أن تفسر هذا الغياب حتى الآن؟
الإجابات التي يمكن تقديمها لهذا السؤال كثيرة.
هل السبب مثلاً أنه في نهاية المطاف، فإنه بالنسبة إلى كثير من الشيعة، فإن الانتماء للمذهب يأتي قبل أي انتماء آخر، والولاء الطائفي يأتي حتى قبل الولاء للوطن؟
وحتى إذا كان الأمر على هذا النحو، فما علاقة ذلك بالصمت عن مشروع فارسي توسعي إيراني لا علاقة له بدين أو مذهب؟.. ما علاقة ذلك بالصمت عن إرهاب إيراني يسعى إلى تدمير دولنا العربية من أجل السعي لتحقيق أطماع توسعية فارسية عنصرية؟
هل يكون السبب هو الخوف من مراجع الشيعة، وتصور أن أي موقف وطني مستقل يجاهر برفض المشروع الإيراني سوف يغضبهم أو لن ينال رضاهم؟
هل يكون السبب هو حكوماتنا العربية نفسها التي فشلت في أن تطرح مشروعاً وطنياً واستراتيجية وطنية لتكريس الولاء الوطني الذي يعلو فوق أي ولاءات أخرى طائفية أو قبلية، ولتعميق القيم الوطنية الجامعة لدى كل المواطنين، شيعة وغير شيعة؟
ربما تكون كل هذه الأسباب مجتمعة تفسر معاً هذه الظاهرة.
لكن الأمر المؤكد في تقديرنا أن المثقفين الشيعة يتحملون مسؤولية أساسية هنا. المثقفون الشيعة من أساتذة ومفكرين وكتاب، الذين من المفروض أنهم ليسوا أسرى للاعتبارات الطائفية الضيقة، هم الذين كان يجب أن يقودوا هذه الحركة الشيعية المستقلة. لكنهم للأسف إما أيدوا القوى والحركات الطائفية الموالية لإيران، وإما لاذوا بالصمت لأسباب غير مفهومة.
والأمر المؤكد أيضاً أن رجال الدين الشيعة يتحملون مسؤولية كبرى. رجال الدين هؤلاء عجزوا أن يفرقوا بين الانتماء الطبيعي للطائفة والمذهب، وبين الانتماء السياسي للنظام الإيراني. وكثيرون منهم قادوا في السنوات الماضية عملية الشحن الطائفي لأبناء الشيعة ولم ينطقوا ولو بكلمة واحدة انتقاداً للقوى والجماعات العميلة لإيران والمنخرطة في مخططاتها ضد الدول العربية.
على أي حال، هذه ظاهرة خطيرة.
هي خطيرة لأن غياب هذا الصوت الشيعي العربي المستقل يعني في جوهره دعماً للمشروع الإيراني وللإرهاب الذي يمارسه النظام الإيراني في الدول العربية، ويعطي الانطباع بأن الشيعة العرب يؤيدون مخططات إيران ولا يعنيهم أن تتدمر دولهم.
وهي ظاهرة خطيرة لأن هذا الصمت بكل ما يعنيه يعمق الشرخ الاجتماعي ويكرس عدم الثقة بين طوائف وقوى المجتمع.
عموماً، هذه الظاهرة تستحق النقاش الموسع، ونتمنى أن يكون للإخوة الشيعة رأي وموقف وتفسير لهذه الظاهرة.
◾ ◾ ◾
رغم العدوان الإيراني
كتبت هذا في عام 2016. كما نرى، لا تزال القضية مطروحة بإلحاح اليوم وهذا أمر غريب.
هذا أمر غريب لأنه يحدث على الرغم من العدوان الإرهابي الإيراني على البحرين وكل دول مجلس التعاون.
من الغريب جدا أن يظل تيار الاستقلال الشيعي العربي غائبا هكذا على الرغم من كل ما كشف عنه العدوان.
لماذا؟
لأن العدوان الإرهابي الإيراني أسقط كل الأقنعة عن النظام الإيراني وأظهر للعالم كله الأحقاد التي يكنها لدولنا وشعوبنا العربية ورغبته العدوانية المتأصلة في تدمير دولنا وشعوبنا.
العدوان لم يكن له أي مبرر ظاهر يمكن لأحد أن يقبله خصوصا أن دول مجلس التعاون لم تكن طرفا في الحرب ولم تسع إليها بل على العكس سعت إلى تجنبها بكل السبل.
والعدوان الإيراني استهدف المواقع والمنشآت المدنية والحيوية
في دول مجلس التعاون في رغبة عدوانية لإلحاق أكبر الأذى بشعوب دول المجلس بمن فيهم شيعة هذه الدول.
والعدوان الإرهابي الإيراني كشف للعالم كله الدور الإرهابي العميل الذي تلعبه القوى والمليشيات الشيعية العميلة لإيران في الدول العربية، وهو الدور الذي وصل الى حد المشاركة الفعلية في العدوان على دول المجلس على نحو ما فعلت المليشيات الشيعية في العراق.
كما كشف العدوان عن عشرات الخلايا الإرهابية النائمة التي زرعتها إيران في دولنا العربية والدور الخطير الذي أسند إليها، والذي بلغ ذروته فيما كشفته وزارة الداخلية في البحرين عن تنظيم كبير عميل للحرس الثوري ولفكر ولاية الفقيه بكل الأبعاد الخطيرة التي كشفتها الوزارة وباتت معروفة.
وغير هذه المليشيات والخلايا النائمة وجدنا مع العدوان أن عددا من الأفراد والجماعات الشيعية ينشطون على مواقع التواصل ليس دفاعا عن أوطانهم ولكن دعما للعدوان الإيراني وتحريضا للنظام الايراني على شن مزيد من العدوان.
كل هذا وغيره يجعل من الغريب جدا ألا يرتفع صوت الاستقلال الشيعي العربي.
بالطبع لا نستطيع أن نعمم هذا على الشيعة العرب كلهم الذين هم في أغلبيتهم لا يتبنون هذه المواقف. حقيقة الأمر أن الشيعة العرب وطنيون أثبتوا هذا عبر المحطات التاريخية المفصلية.
وكل استطلاعات الرأي التي أجريت في السنوات الماضية حتى في دول مثل العراق ولبنان أظهرت رفضا شعبيا كاسحا من جانب المواطنين بمن فيهم الشيعة للسيطرة الإيرانية ومطالبتهم بإنهاء النفوذ الإيراني، وتأييدهم لأن تكون دولهم قوية مستقلة.
على ضوء كل هذا، كنا نتوقع مع العدوان الإيراني بكل ما كشف عنه أن يرتفع صوت تيار شيعي وطني عربي مستقل يدافع عن أوطانهم في مواجهة المشروع الإيراني وفكر ولاية الفقيه.
والمرء يستغرب حقا: إذا لم يرتفع صوت الشيعة العرب المستقل مع هذا العدوان على دولهم، فمتى يمكن أن يرتفع إذن؟
هذا مع العلم أن هذا الصمت يسيء إلى الشيعة قبل أي أحد آخر.
◾ ◾ ◾
في المقال القادم سأقدم نموذجا لمثقف شيعي عربي وأي مواقف وطنية يجب أن يبناها المثقفون والمفكرون الشيعة العرب.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك