العدد : ١٧٥٨٦ - الأحد ١٧ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٦ - الأحد ١٧ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقالات

وطن يظلل.. وتنظيم يضلل

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الأحد ١٧ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

إنَّ‭ ‬بين‭ ‬الدولةِ‭ ‬الرشيدةِ‭ ‬والتنظيمِ‭ ‬الولائيِّ‭ ‬ذي‭ ‬النزعةِ‭ ‬الفئويةِ‭ ‬والصبغةِ‭ ‬الطائفيةِ‭ ‬بونًا‭ ‬بعيدًا،‭ ‬وفرقًا‭ ‬مديدًا،‭ ‬ليس‭ ‬كفرقِ‭ ‬رأيٍ‭ ‬ورأي،‭ ‬ولا‭ ‬كاختلافِ‭ ‬اجتهادٍ‭ ‬واجتهاد،‭ ‬بل‭ ‬كفرقِ‭ ‬النورِ‭ ‬والظلمة،‭ ‬والسقفِ‭ ‬والخندق،‭ ‬والوطنِ‭ ‬وفئةِ‭ ‬التنظيمِ‭ ‬وأتباعه‭. ‬فالدولةُ‭ ‬عقلٌ‭ ‬جامع،‭ ‬وعدلٌ‭ ‬نافع،‭ ‬وسقفٌ‭ ‬يظلّلُ‭ ‬ولا‭ ‬يفرّق،‭ ‬ويجمعُ‭ ‬ولا‭ ‬يمزّق،‭ ‬ويصونُ‭ ‬الدينَ‭ ‬أن‭ ‬يكونَ‭ ‬مطيّةً‭ ‬للسياسة،‭ ‬ويحمي‭ ‬العقيدةَ‭ ‬أن‭ ‬تُجعلَ‭ ‬جسرًا‭ ‬إلى‭ ‬السلطان‭. ‬وأمّا‭ ‬التنظيمُ‭ ‬الولائيُّ‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬به‭ ‬الخميني‭ ‬في‭ ‬صورةٍ‭ ‬ثيوقراطيةٍ‭ ‬مؤدلجة،‭ ‬فإنّه‭ ‬يستعملُ‭ ‬الدينَ‭ ‬مركبًا‭ ‬للمآرب،‭ ‬ويجعلُ‭ ‬العقيدةَ‭ ‬معبرًا‭ ‬إلى‭ ‬المكاسب،‭ ‬ويستبدلُ‭ ‬بهدايةِ‭ ‬الإيمانِ‭ ‬طاعةَ‭ ‬التنظيم،‭ ‬وبصفاءِ‭ ‬العبادةِ‭ ‬دهاليزَ‭ ‬الحزبيةِ‭ ‬والتحكّم،‭ ‬حتى‭ ‬يُخرجَ‭ ‬الدينَ‭ ‬من‭ ‬رحابةِ‭ ‬الهدايةِ‭ ‬إلى‭ ‬ضيقِ‭ ‬الولاية،‭ ‬ومن‭ ‬سكينةِ‭ ‬العبادةِ‭ ‬إلى‭ ‬صخبِ‭ ‬السياسة،‭ ‬وهو‭ ‬أبعدُ‭ ‬ما‭ ‬يكونُ‭ ‬عن‭ ‬أصولِ‭ ‬الدينِ‭ ‬الجامعِ‭ ‬المتسامحِ‭ ‬بين‭ ‬المسلمين،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬مذاهبُهم،‭ ‬وتنوّعت‭ ‬مشاربُهم،‭ ‬وتباعدت‭ ‬طرائقُهم‭ ‬في‭ ‬الفروع،‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬أصلُهم‭ ‬واحدًا،‭ ‬وقبلتُهم‭ ‬واحدة،‭ ‬وربُّهم‭ ‬واحد‭.‬

فالدولةُ‭ ‬تُقيمُ‭ ‬الناسَ‭ ‬على‭ ‬ميزانِ‭ ‬القانون،‭ ‬وتجمعُهم‭ ‬في‭ ‬رحابِ‭ ‬الوطن،‭ ‬وتُظلّلهم‭ ‬بإنصافٍ‭ ‬لا‭ ‬يسألُ‭ ‬عن‭ ‬طائفة،‭ ‬ورحمةٍ‭ ‬لا‭ ‬تضيقُ‭ ‬بمعتقد،‭ ‬ومواطنةٍ‭ ‬لا‭ ‬تُفرّقُ‭ ‬بين‭ ‬دمٍ‭ ‬ودم،‭ ‬ولا‭ ‬بين‭ ‬اسمٍ‭ ‬واسم‭. ‬وأمّا‭ ‬التنظيمُ‭ ‬الولائي،‭ ‬فلا‭ ‬يشتدُّ‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬وهنتِ‭ ‬الدولة،‭ ‬ولا‭ ‬يتّسعُ‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬ضاقَ‭ ‬الوطنُ‭ ‬في‭ ‬الصدور،‭ ‬ولا‭ ‬يعلو‭ ‬صوتُه‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬غلبَ‭ ‬في‭ ‬النفسِ‭ ‬والضميرِ‭ ‬نداءُ‭ ‬المرشدِ‭ ‬البعيدِ‭ ‬على‭ ‬نداءِ‭ ‬الأرضِ‭ ‬القريبة‭. ‬الدولةُ‭ ‬تُعلّمُ‭ ‬الإنسانَ‭ ‬أن‭ ‬يكونَ‭ ‬مواطنًا‭ ‬حرًّا،‭ ‬والتنظيمُ‭ ‬يُدرّبهُ‭ ‬أن‭ ‬يكونَ‭ ‬تابعًا‭ ‬مأمورًا،‭ ‬الدولةُ‭ ‬تقولُ‭ ‬له‭ ‬أنتَ‭ ‬شريكٌ‭ ‬في‭ ‬الوطن،‭ ‬والتنظيمُ‭ ‬يريده‭ ‬أداةً‭ ‬في‭ ‬مشروعه،‭ ‬وصوتًا‭ ‬في‭ ‬جوقته،‭ ‬ويدًا‭ ‬في‭ ‬خصومته،‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬خالفَه‭ ‬أبٌ‭ ‬أو‭ ‬أم،‭ ‬أو‭ ‬أخٌ‭ ‬أو‭ ‬أخت،‭ ‬أو‭ ‬قريبٌ‭ ‬في‭ ‬البيتِ‭ ‬الواحدِ‭ ‬والأسرةِ‭ ‬الصغيرة،‭ ‬عادى‭ ‬فيه‭ ‬الرأيَ‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬الرحم،‭ ‬وخاصمَ‭ ‬فيه‭ ‬الإنسانَ‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يذكرَ‭ ‬القرابة‭. ‬فالدولةُ‭ ‬تبني‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬معنى‭ ‬الانتماء،‭ ‬والتنظيمُ‭ ‬يزرعُ‭ ‬فيه‭ ‬بذرةَ‭ ‬الارتيابِ‭ ‬من‭ ‬أخيه‭ ‬وجارِه‭ ‬ومجتمعِه‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬مملكةُ‭ ‬البحرين‭ ‬يومًا‭ ‬أرضًا‭ ‬عابرةً‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬التعايش،‭ ‬ولا‭ ‬صفحةً‭ ‬طارئةً‭ ‬في‭ ‬كتابِ‭ ‬التسامح،‭ ‬ولا‭ ‬دارًا‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬المصادفة‭ ‬ثم‭ ‬ثبتت‭ ‬بالمجاملة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬منذ‭ ‬قيام‭ ‬الدولة‭ ‬البحرينية‭ ‬الحديثة‭ ‬عام‭ ‬1783م‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬المؤسس‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح،‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬يومَ‭ ‬أحمد‭ ‬صار‭ ‬في‭ ‬أوالَ‭ ‬خليفةً،‭ ‬وصارت‭ ‬أوالُ‭ ‬أمانًا‭ ‬وألفة،‭ ‬موطنَ‭ ‬استقرار،‭ ‬ومرفأَ‭ ‬أمان،‭ ‬وواحةً‭ ‬وارفةً‭ ‬يأمنُ‭ ‬فيها‭ ‬الناسُ‭ ‬على‭ ‬أرزاقِهم‭ ‬وشعائرِهم‭ ‬وكرامتِهم‭. ‬ومنذ‭ ‬أن‭ ‬أشرقَ‭ ‬فجرُ‭ ‬نهضتِها‭ ‬الحديثة،‭ ‬حملَ‭ ‬الآباءُ‭ ‬المؤسسون‭ ‬من‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬الكرام‭ ‬أمانةَ‭ ‬الحكمِ‭ ‬حملَ‭ ‬الرجالِ‭ ‬للعهود،‭ ‬وصانوها‭ ‬صيانةَ‭ ‬الذمم،‭ ‬وأدّوها‭ ‬أداءَ‭ ‬الرسالات،‭ ‬ثم‭ ‬تلقّاها‭ ‬من‭ ‬بعدهم‭ ‬أبناؤهم‭ ‬الكرام‭ ‬جيلًا‭ ‬بعد‭ ‬جيل،‭ ‬فحفظوا‭ ‬العهد،‭ ‬وأقاموا‭ ‬النهج،‭ ‬ومضوا‭ ‬بالوطنِ‭ ‬من‭ ‬طورٍ‭ ‬إلى‭ ‬طور،‭ ‬ومن‭ ‬بناءٍ‭ ‬إلى‭ ‬بناء،‭ ‬حتى‭ ‬ترسّخَ‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬معنى‭ ‬الدولةِ‭ ‬الجامعة،‭ ‬لا‭ ‬الدولةِ‭ ‬الغالبة،‭ ‬ومعنى‭ ‬القيادةِ‭ ‬الحاضنة،‭ ‬لا‭ ‬القيادةِ‭ ‬الفارقة،‭ ‬ومعنى‭ ‬الوطنِ‭ ‬الذي‭ ‬يتّسعُ‭ ‬لأبنائه،‭ ‬لا‭ ‬الحزبِ‭ ‬والتنظيمِ‭ ‬الذي‭ ‬يضيقُ‭ ‬بمخالفيه‭. ‬وكان‭ ‬خيرُ‭ ‬البحرين‭ ‬لأبنائها‭ ‬جميعًا،‭ ‬لا‭ ‬يُحبسُ‭ ‬على‭ ‬فئة،‭ ‬ولا‭ ‬يُمنعُ‭ ‬عن‭ ‬طائفة،‭ ‬ولا‭ ‬يُوزنُ‭ ‬بميزانِ‭ ‬العصبية،‭ ‬بل‭ ‬بميزانِ‭ ‬المواطنةِ‭ ‬والحقِّ‭ ‬والإنصاف‭.‬

وقد‭ ‬تجلّى‭ ‬هذا‭ ‬الامتدادُ‭ ‬في‭ ‬أبهى‭ ‬صوره،‭ ‬وأصفى‭ ‬معانيه،‭ ‬في‭ ‬عهدِ‭ ‬حضرةِ‭ ‬صاحبِ‭ ‬الجلالةِ‭ ‬الملكِ‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ملكِ‭ ‬البلادِ‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬ويسيرُ‭ ‬على‭ ‬نهجِه،‭ ‬ويحملُ‭ ‬رؤاه‭ ‬الجامعةَ‭ ‬من‭ ‬مقامِ‭ ‬التوجيهِ‭ ‬إلى‭ ‬ميدانِ‭ ‬الأثرِ‭ ‬والبناءِ‭ ‬والتنفيذ،‭ ‬صاحبُ‭ ‬السموِّ‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬حفظه‭ ‬الله،‭ ‬إذ‭ ‬غدت‭ ‬مملكةُ‭ ‬البحرين،‭ ‬بقيادتِها‭ ‬الحكيمة،‭ ‬مثالًا‭ ‬للدولةِ‭ ‬التي‭ ‬بنت‭ ‬فأحسنت،‭ ‬وأنجزت‭ ‬فأثمرت،‭ ‬وأزهرت‭ ‬فازدهرت،‭ ‬وظلّت‭ ‬حاضنةً‭ ‬لكلِّ‭ ‬أبنائها،‭ ‬لا‭ ‬تُفرّقُ‭ ‬بينهم‭ ‬في‭ ‬الفرصِ‭ ‬والعطاء،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬الحقوقِ‭ ‬والواجبات،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬مقامِ‭ ‬المواطنةِ‭ ‬الحقّة‭. ‬فهي‭ ‬دولةٌ‭ ‬لا‭ ‬تجعلُ‭ ‬المواطنَ‭ ‬رقمًا‭ ‬في‭ ‬السجلّ،‭ ‬بل‭ ‬كرامةً‭ ‬في‭ ‬الرعاية،‭ ‬وحقًّا‭ ‬في‭ ‬القانون،‭ ‬وشريكًا‭ ‬في‭ ‬البناء،‭ ‬وابنًا‭ ‬في‭ ‬الوطن‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬أبصرتِ‭ ‬الفتنةَ‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تستطيل،‭ ‬وقرأتِ‭ ‬العواقبَ‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنزل،‭ ‬ونظرت‭ ‬إلى‭ ‬تجاربِ‭ ‬الأممِ‭ ‬لا‭ ‬نظرَ‭ ‬المتفرّجِ‭ ‬الذاهل،‭ ‬بل‭ ‬نظرَ‭ ‬القيادةِ‭ ‬البصيرة،‭ ‬التي‭ ‬تعلمُ‭ ‬أن‭ ‬الأوطانَ‭ ‬لا‭ ‬تُصابُ‭ ‬في‭ ‬يومٍ‭ ‬واحد،‭ ‬ولا‭ ‬يداخلُها‭ ‬الوهنُ‭ ‬فجأةً‭ ‬بلا‭ ‬مقدّمات،‭ ‬وإنما‭ ‬يبدأُ‭ ‬الضعفُ‭ ‬همسًا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصيرَ‭ ‬صراخًا،‭ ‬ويدخلُ‭ ‬الخللُ‭ ‬خيطًا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصيرَ‭ ‬حبلًا،‭ ‬حين‭ ‬يتسرّبُ‭ ‬الولاءُ‭ ‬لغيرها‭ ‬إلى‭ ‬بعضِ‭ ‬أبنائها،‭ ‬وحين‭ ‬يدخلُ‭ ‬التنظيمُ‭ ‬من‭ ‬بابِ‭ ‬المذهب،‭ ‬ثم‭ ‬يخرجُ‭ ‬من‭ ‬بابِ‭ ‬السياسة،‭ ‬ثم‭ ‬يعودُ‭ ‬من‭ ‬نافذةِ‭ ‬السلاحِ‭ ‬والتحريض‭. ‬وقد‭ ‬جنّبت‭ ‬هذه‭ ‬الحكمةُ‭ ‬مملكةَ‭ ‬البحرين‭ ‬ما‭ ‬تعرّضت‭ ‬له‭ ‬دولٌ‭ ‬عربية،‭ ‬حين‭ ‬تغلغلت‭ ‬فيها‭ ‬أحزابٌ‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬الوطنَ‭ ‬غاية،‭ ‬ولا‭ ‬السيادةَ‭ ‬حرمة،‭ ‬ولا‭ ‬الأخوّةَ‭ ‬الوطنيةَ‭ ‬عقدًا‭ ‬جامعًا،‭ ‬بل‭ ‬ترى‭ ‬المرشدَ‭ ‬ونهجَه‭ ‬مقدّمًا‭ ‬على‭ ‬الدولةِ‭ ‬وسيادتِها،‭ ‬والتنظيمَ‭ ‬فوق‭ ‬القانون،‭ ‬والطاعةَ‭ ‬العابرةَ‭ ‬للحدودِ‭ ‬فوق‭ ‬المواطنةِ‭ ‬الراسخةِ‭ ‬في‭ ‬الأرض‭.‬

وانظر‭ ‬إلى‭ ‬حالِ‭ ‬الشعوبِ‭ ‬إذا‭ ‬تمكّنَ‭ ‬فيها‭ ‬الولاءُ‭ ‬للخارج،‭ ‬تجدِ‭ ‬الدولةَ‭ ‬تضعفُ‭ ‬وإن‭ ‬بقيَ‭ ‬اسمُها،‭ ‬والسيادةَ‭ ‬تتآكلُ‭ ‬وإن‭ ‬بقيَ‭ ‬علمُها،‭ ‬والمؤسساتِ‭ ‬تُختطفُ‭ ‬وإن‭ ‬بقيت‭ ‬أبوابُها‭ ‬مفتوحة‭. ‬فهناك‭ ‬لا‭ ‬يعودُ‭ ‬القرارُ‭ ‬الوطنيُّ‭ ‬صادرًا‭ ‬عن‭ ‬مصلحةِ‭ ‬الناس،‭ ‬بل‭ ‬واردًا‭ ‬من‭ ‬مكاتبِ‭ ‬التنظيم،‭ ‬ولا‭ ‬يعودُ‭ ‬المالُ‭ ‬العامُّ‭ ‬والخاصُّ‭ ‬طريقًا‭ ‬إلى‭ ‬مدرسةٍ‭ ‬ومستشفى‭ ‬وفرصةِ‭ ‬عمل،‭ ‬ولا‭ ‬موردًا‭ ‬لعمرانٍ‭ ‬ورخاءٍ‭ ‬وكرامة،‭ ‬بل‭ ‬معبرًا‭ ‬إلى‭ ‬نفوذٍ‭ ‬وسلاحٍ‭ ‬وشبكاتِ‭ ‬تعبئة‭. ‬تُجبى‭ ‬الأموالُ‭ ‬باسمِ‭ ‬العقيدة،‭ ‬وتُستنزفُ‭ ‬الجيوبُ‭ ‬باسمِ‭ ‬الولاء،‭ ‬ثم‭ ‬تُصدّرُ‭ ‬إلى‭ ‬الخارجِ‭ ‬لتغذيةِ‭ ‬سلطةِ‭ ‬التنظيمِ‭ ‬الخمينيِّ‭ ‬وأذرعِه،‭ ‬بينما‭ ‬يبقى‭ ‬الناسُ‭ ‬في‭ ‬ضيقِ‭ ‬المعاش،‭ ‬وشحِّ‭ ‬الخدمات،‭ ‬وانكسارِ‭ ‬الأمل‭. ‬فلا‭ ‬ازدهارَ‭ ‬ينعكسُ‭ ‬على‭ ‬الفقير،‭ ‬ولا‭ ‬عمرانَ‭ ‬ينتفعُ‭ ‬به‭ ‬المواطن،‭ ‬ولا‭ ‬كرامةَ‭ ‬يلمسُها‭ ‬العاملُ‭ ‬والكادح،‭ ‬وإنما‭ ‬وكلاءُ‭ ‬ما‭ ‬يُسمّى‭ ‬بالوليِّ‭ ‬الفقيه‭ ‬يزدادون‭ ‬غنى،‭ ‬والمنضوون‭ ‬تحتهم‭ ‬يزدادون‭ ‬فقرًا،‭ ‬وشعاراتٌ‭ ‬تعلو‭ ‬في‭ ‬المنابر،‭ ‬وبيوتٌ‭ ‬تئنُّ‭ ‬تحت‭ ‬الحاجة‭. ‬وهكذا‭ ‬يكونُ‭ ‬التنظيمُ‭ ‬إذا‭ ‬تمكّن،‭ ‬يُغني‭ ‬من‭ ‬يمثّله،‭ ‬ويُفقرُ‭ ‬من‭ ‬يتبعه،‭ ‬ويجعلُ‭ ‬الوطنَ‭ ‬خزانًا‭ ‬لمشروعِه،‭ ‬لا‭ ‬مشروعًا‭ ‬لأهلِه،‭ ‬ومزرعةً‭ ‬لنفوذِه،‭ ‬لا‭ ‬دارًا‭ ‬لمواطنيه‭.‬

وأمّا‭ ‬الدولةُ‭ ‬الرشيدة،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تجعلُ‭ ‬الوطنيةَ‭ ‬لفظًا‭ ‬يُقال،‭ ‬ولا‭ ‬شعارًا‭ ‬يُرفع،‭ ‬بل‭ ‬تجعلُها‭ ‬مظلّةً‭ ‬تُظلّلُ‭ ‬الجميع،‭ ‬وعدلًا‭ ‬يُنصفُ‭ ‬الجميع،‭ ‬وقانونًا‭ ‬يحمي‭ ‬الجميع‭. ‬فهي‭ ‬تبثُّ‭ ‬المحبةَ‭ ‬بثَّ‭ ‬الغيثِ‭ ‬في‭ ‬الأرضِ‭ ‬الظامئة،‭ ‬وتنشرُ‭ ‬التراحمَ‭ ‬نشرَ‭ ‬الضياءِ‭ ‬في‭ ‬الليلةِ‭ ‬المظلمة،‭ ‬وتُشيعُ‭ ‬التعايشَ‭ ‬والتسامحَ‭ ‬حتى‭ ‬يكونَ‭ ‬اختلافُ‭ ‬الناسِ‭ ‬اختلافَ‭ ‬تنوّعٍ‭ ‬لا‭ ‬تنازع،‭ ‬وتعدّدَ‭ ‬شعائرَ‭ ‬لا‭ ‬تعدّدَ‭ ‬أوطان‭. ‬وهي‭ ‬تُجرّمُ‭ ‬التفرقةَ‭ ‬والعنصرية،‭ ‬وتحاربُ‭ ‬الطائفيةَ‭ ‬والتحزّبَ‭ ‬الفئوي،‭ ‬وتحمي‭ ‬حريةَ‭ ‬الممارسةِ‭ ‬الدينية،‭ ‬وتصونُ‭ ‬للمواطنِ‭ ‬حقَّه‭ ‬في‭ ‬العبادةِ‭ ‬كما‭ ‬تصونُ‭ ‬له‭ ‬حقَّه‭ ‬في‭ ‬الأمنِ‭ ‬والكرامة‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الدولةَ‭ ‬تعلمُ‭ ‬أن‭ ‬الدينَ‭ ‬إذا‭ ‬بقي‭ ‬في‭ ‬مقامِ‭ ‬الهدايةِ‭ ‬كان‭ ‬رحمة،‭ ‬وإذا‭ ‬اختطفتْه‭ ‬التنظيماتُ‭ ‬صار‭ ‬فتنة،‭ ‬وأنّ‭ ‬المذهبَ‭ ‬إذا‭ ‬بقي‭ ‬في‭ ‬رحابِ‭ ‬الفقهِ‭ ‬والعبادةِ‭ ‬كان‭ ‬سكينة،‭ ‬وإذا‭ ‬زُجَّ‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬أتونِ‭ ‬التحزيبِ‭ ‬صار‭ ‬وقودًا‭ ‬للصراع‭. ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬الدولةَ‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بالحمايةِ‭ ‬والمنع،‭ ‬بل‭ ‬تُعلّمُ‭ ‬وتبني،‭ ‬وتوظّفُ‭ ‬وترعى،‭ ‬وتفتحُ‭ ‬أبوابَ‭ ‬العملِ‭ ‬والعيشِ‭ ‬الكريم،‭ ‬حتى‭ ‬يشعرَ‭ ‬المواطنُ‭ ‬أن‭ ‬وطنَه‭ ‬يدٌ‭ ‬تمتدُّ‭ ‬إليه‭ ‬بالعون،‭ ‬وسقفٌ‭ ‬يأوي‭ ‬إليه‭ ‬عند‭ ‬الخوف،‭ ‬لا‭ ‬سوطٌ‭ ‬يُرفعُ‭ ‬عليه‭ ‬باسمِ‭ ‬التنظيمِ‭ ‬وأتباعه‭.‬

وهنا‭ ‬يجبُ‭ ‬أن‭ ‬يُقالَ‭ ‬ويُكرَّر،‭ ‬بوضوحٍ‭ ‬جليٍّ‭ ‬لا‭ ‬لبسَ‭ ‬فيه،‭ ‬وبيانٍ‭ ‬ناصعٍ‭ ‬لا‭ ‬غموضَ‭ ‬معه،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يُؤوَّل‭ ‬هذا‭ ‬الكلامُ‭ ‬النابعُ‭ ‬من‭ ‬المحبةِ‭ ‬للجميع،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬انتمائهم‭ ‬المذهبي،‭ ‬وهي‭ ‬حريةٌ‭ ‬أصيلةٌ‭ ‬للفردِ‭ ‬تحميها‭ ‬الدولةُ‭ ‬وتصونُها،‭ ‬إنّ‭ ‬المذهبَ‭ ‬الجعفريَّ‭ ‬أعرقُ‭ ‬من‭ ‬الخمينيِّ‭ ‬وفكرِه،‭ ‬وأوسعُ‭ ‬من‭ ‬تنظيمِه‭ ‬وحزبِه،‭ ‬وأطهرُ‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يُختزلَ‭ ‬في‭ ‬مشروعٍ‭ ‬سياسيٍّ‭ ‬عابر،‭ ‬فهو‭ ‬مذهبٌ‭ ‬له‭ ‬عمقٌ‭ ‬تاريخي،‭ ‬وجذورٌ‭ ‬متأصلة،‭ ‬وتراثٌ‭ ‬فقهيٌّ‭ ‬وعلميٌّ‭ ‬سابقٌ‭ ‬على‭ ‬الثورةِ‭ ‬والتنظيمِ‭ ‬والولايةِ‭ ‬السياسيةِ‭ ‬بقرون‭. ‬عاشَ‭ ‬أتباعُه‭ ‬في‭ ‬أوطانِهم،‭ ‬وبنوا‭ ‬مع‭ ‬إخوانِهم،‭ ‬وتاجروا‭ ‬وتجاوروا‭ ‬وتزاوجوا‭ ‬وتعاشروا،‭ ‬ولم‭ ‬يكونوا‭ ‬يومًا‭ ‬بحاجةٍ‭ ‬إلى‭ ‬فكرٍ‭ ‬وافدٍ‭ ‬يُعلّمُهم‭ ‬معنى‭ ‬الدين،‭ ‬أو‭ ‬تنظيمٍ‭ ‬عابرٍ‭ ‬للحدودِ‭ ‬يشرحُ‭ ‬لهم‭ ‬معنى‭ ‬الانتماء‭. ‬وإنما‭ ‬جاء‭ ‬الفكرُ‭ ‬الخمينيُّ‭ ‬الولائي‭ ‬فحاولَ‭ ‬أن‭ ‬ينتزعَ‭ ‬المذهبَ‭ ‬من‭ ‬سعةِ‭ ‬الفقهِ‭ ‬إلى‭ ‬ضيقِ‭ ‬الحزب،‭ ‬ومن‭ ‬نورِ‭ ‬العبادةِ‭ ‬إلى‭ ‬ظلمةِ‭ ‬التعبئة،‭ ‬ومن‭ ‬أخوّةِ‭ ‬الوطنِ‭ ‬إلى‭ ‬خصومةِ‭ ‬التنظيم،‭ ‬حتى‭ ‬صارَ‭ ‬من‭ ‬يعارضُه‭ ‬من‭ ‬رحمِ‭ ‬المذهبِ‭ ‬نفسِه‭ ‬يُخوَّنُ‭ ‬ويُحارَبُ‭ ‬وتُستباحُ‭ ‬سمعتُه،‭ ‬وفي‭ ‬ما‭ ‬تعرّض‭ ‬له‭ ‬فضيلةُ‭ ‬الشيخ‭ ‬سليمان‭ ‬المدني،‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬مثالٌ‭ ‬شاهد،‭ ‬ودليلٌ‭ ‬حاضر‭. ‬وسيبقى‭ ‬المذهبُ‭ ‬الجعفريُّ‭ ‬سامقًا‭ ‬في‭ ‬سماءِ‭ ‬الإسلامِ‭ ‬بفقهِه‭ ‬وتراثِه‭ ‬وأهلِه،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يزولَ‭ ‬الفكرُ‭ ‬الخمينيُّ‭ ‬السياسيُّ‭ ‬كما‭ ‬زالتْ‭ ‬قبله‭ ‬أفكارٌ‭ ‬ملأتِ‭ ‬الدنيا‭ ‬صخبًا،‭ ‬ثم‭ ‬طواها‭ ‬الزمنُ‭ ‬طيَّ‭ ‬الصحائف‭. ‬فأين‭ ‬اليومَ‭ ‬ما‭ ‬ظنَّ‭ ‬أتباعُ‭ ‬كارل‭ ‬ماركس‭ ‬أنّه‭ ‬قدرُ‭ ‬البشريةِ‭ ‬ونهايةُ‭ ‬التاريخ؟‭ ‬إنّ‭ ‬ما‭ ‬قامَ‭ ‬على‭ ‬الغلوِّ‭ ‬والخصومةِ‭ ‬والارتهانِ‭ ‬للخارجِ‭ ‬فلا‭ ‬بدّ‭ ‬أن‭ ‬ينكشفَ‭ ‬ولو‭ ‬طالَ‭ ‬زمنُه،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬تزخرفَ‭ ‬بالشعار،‭ ‬لأنّ‭ ‬الحقَّ‭ ‬حقٌّ‭ ‬وإن‭ ‬حورب،‭ ‬والباطلَ‭ ‬باطلٌ‭ ‬وإن‭ ‬أُدلِج‭.‬

وهكذا‭ ‬يبقى‭ ‬الفرقُ‭ ‬بيّنًا‭ ‬بين‭ ‬دولةٍ‭ ‬تُشيّدُ‭ ‬بالعدلِ‭ ‬والمحبة،‭ ‬وتنظيمٍ‭ ‬يهدمُ‭ ‬المجتمعاتِ‭ ‬بالكراهيةِ‭ ‬والفرقة،‭ ‬وبين‭ ‬وطنٍ‭ ‬يحتضنُ‭ ‬أبناءَه‭ ‬جميعًا،‭ ‬ومشروعٍ‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬الناسَ‭ ‬إلا‭ ‬أتباعًا،‭ ‬ولا‭ ‬يرى‭ ‬البلادَ‭ ‬إلا‭ ‬ساحةً‭ ‬لنفوذِه،‭ ‬ولا‭ ‬يسمعُ‭ ‬في‭ ‬ضميرِه‭ ‬نداءً‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬نداءِ‭ ‬المرشد،‭ ‬ولو‭ ‬خالفَ‭ ‬الوطنَ‭ ‬والحقَّ‭ ‬والإنسان‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا