في الماضي كانت الشهرة تحتاج إلى سنوات طويلة من العمل والتجربة والتدرج، وكانت تمر عبر بوابات محددة كالتلفزيون والصحافة والفن، أما اليوم فقد أصبح مقطع قصير على منصة مثل تيك توك قادرًا على تحويل شخص مجهول إلى اسم يتابعه الملايين، ثم إلى ثروة تتدفق عبر الإعلانات والهدايا والعقود التجارية، وهنا يبرز سؤال مهم، هل تغير مفهوم النجاح، أم تغيرت معايير المجتمع نفسها؟
لم يعد تيك توك مجرد منصة ترفيهية، بل أصبح فضاءً يصنع طبقة جديدة من المشاهير، فاليوم لم يعد السؤال: من أنت؟ وما الذي أنجزته؟ بل أصبح في أحيان كثيرة: كم عدد المشاهدات التي حققتها؟ وكم متابعًا تملك؟
لكن الظاهرة الأكثر إثارة ليست الشهرة وحدها، بل الثراء المفاجئ الذي يرافقها، فالإنسان اعتاد ربط الثروة بالعمل الطويل والخبرة والتدرج، إلا أن العالم الرقمي كسر هذه الفكرة؛ فقد يتحول شخص خلال أشهر قليلة إلى صاحب دخل كبير، بينما يقضي آخرون سنوات في الدراسة والعمل دون الوصول إلى النتيجة نفسها.
وقد شهدت منصات التواصل حالات تكشف كيف يمكن للبعض صناعة شهرة عبر استثمار التعاطف الإنساني، من بينها إحدى مشهورات تيك توك التي عُرفت بلقب “محاربة السرطان” بعد نشرها مقاطع ومنشورات مؤثرة ادعت فيها معاناتها مع المرض، ما جذب تعاطف أعداد كبيرة من المتابعين. وقد أثارت هذه الحالة وقصص مشابهة تساؤلات حول الحدود بين مشاركة التجارب الإنسانية الحقيقية واستخدام المعاناة وسيلة لصناعة الشهرة.
وفي المقابل، يعتمد آخرون على إثارة الجدل أو استعراض الحياة الخاصة أو صناعة مواقف صادمة، بما يعكس أن الشهرة الرقمية لا ترتبط دائمًا بالقيمة أو الموهبة، بل أحيانًا بالقدرة على جذب الانتباه.
المشكلة ليست في مشاهير تيك توك ولا في المنصات ذاتها، فبينهم مبدعون حقيقيون استطاعوا تحويل مواهبهم إلى نجاحات تستحق الاحترام، لكن السؤال الأهم يتعلق بمعاييرنا نحن: هل أصبح الإنسان يسعى لأن يكون صاحب أثر حقيقي، أم يكفيه أن يكون مرئيًا أمام الآخرين؟
فليس كل انتشار يعني قيمة، وليس كل ضوء يعني شمسًا، بعض الأسماء تملأ الشاشات اليوم ثم تختفي غدًا، بينما تبقى الأسماء التي صنعت معنى حقيقيًا أطول عمرًا من شهرة تصنعها الخوارزميات في لحظة وتُسقطها في لحظة أخرى.
Fatema.y.Alyusuf@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك