بعد الأيام الثقيلة التي عاشتها البحرين، لم يكن الألم عابراً في قلوب أهلها. شعر كل بحريني أصيل بوجع حقيقي وهو يرى وطنه مستهدفاً، وأمنه يُحاول البعض العبث به أو التشكيك في سيادته وولائه. كانت لحظة كشفت الكثير، وأعادت التأكيد أن البحرين بالنسبة لأبنائها ليست مجرد أرض، وإنما بيت وهوية ومصير. وفي الوقت الذي حاولت فيه بعض الأصوات دفع المجتمع نحو التوتر والانقسام، ظهر المعدن الحقيقي للبحرينيين، سنةً وشيعةً، حين اجتمع خوفهم على الوطن، والتفوا حول أمنه واستقراره، مدركين أن البحرين أكبر من كل محاولات التحريض والكراهية، وأن الولاء الحقيقي لا يكون إلا لهذه الأرض وقيادتها وشعبها. في البحرين، لا يحتاج الإنسان أن يعلن مذهبه حتى يثبت انتماءه لهذا الوطن. هذه الأرض لم تُبنَ يوماً على الطوائف، ولم تعرف في طبيعة أهلها أن المواطنة تُقاس بالاسم أو المنطقة أو الانتماء المذهبي. البحرين التي نعرفها جميعاً هي وطن البيوت المتداخلة، والعائلات الممتدة بين السنة والشيعة، والصداقات التي تجاوزت معنى القرابة حتى أصبح بعض الأصدقاء أقرب من الإخوة أنفسهم.
ولهذا، فإن أي محاولة لدفع المجتمع نحو الانقسام الطائفي ليست مجرد خلاف سياسي عابر، وإنما اعتداء مباشر على طبيعة البحرين وهويتها الحقيقية. لأن البحريني، في حياته اليومية، كان يرى في الآخر شريكاً في الوطن والحياة والذكريات والمصير، بعيداً عن أي فرز مذهبي أو حساسيات مصطنعة.
في كل بيت بحريني تقريباً، هناك عائلة جمعت بين سني وشيعية أو شيعي وسنية، وأبناء تربوا على المحبة والاحترام الطبيعي لا على الكراهية والانغلاق. وهناك أصدقاء من مختلف المذاهب شاركوا بعضهم أفراح العمر وتعبه، ووقفوا معاً في كل الظروف، من دون أن يسأل أحدهم الآخر عن مذهبه. لأن البحرين، في روحها الحقيقية، قامت دائماً على التقارب بين أهلها لا على تقسيمهم.
لكن الأوطان تمر أحياناً بلحظات حساسة تحاول فيها المشاريع الخارجية استغلال الاختلاف الطبيعي داخل المجتمعات وتحويله إلى انقسام دائم. وهنا تظهر قيمة الدولة العادلة، والدولة الذكية، والدولة التي تفهم أن حماية الأمن لا تكون بإثارة الخوف بين الناس، وإنما بحماية الجميع تحت سقف القانون، وبالحفاظ على تماسك المجتمع مهما اشتدت الظروف.
ولعل أكثر ما يجب التوقف عنده في المرحلة الحالية هو وضوح الرسالة الرسمية في التفريق بين الطائفة والمشروع السياسي العابر للوطن. حين أكد معالي الفريق أول ركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية أن الطائفة الشيعية مكوّن أصيل في البحرين، وأن شيعة البحرين أقدم من أي مشروع سياسي دخيل، فإنه كان يضع إطاراً وطنياً بالغ الأهمية: المعركة ليست مع مذهب، وإنما مع أي فكر متطرف أو ولاء يتجاوز الدولة وسيادتها.
ومن المهم أيضاً أن تُقال الحقيقة كاملة ومن دون مجاملة. التطرف لا مذهب له، والجنون الفكري لا يرتبط بطائفة بعينها. كما يوجد متطرفون شيعة يحاولون ربط البحرين بمشاريع خارجية وخلق بيئة عدائية تهدد أمن الوطن واستقراره، يوجد أيضاً متطرفون سنة يعتقدون أن الوطنية تُبنى بالكراهية والإقصاء والتحريض. كلا الطرفين يسيء للبحرين، وكلاهما يفتح الباب للفوضى والفتنة، وكلاهما يبتعد عن طبيعة المجتمع البحريني الحقيقي.
هذا المقال ليس دعوة للتعميم على الناس، ولا محاولة لوضع مجتمع كامل تحت دائرة الاتهام، فالغالبية الساحقة من البحرينيين، سنةً وشيعةً، تريد وطناً مستقراً وآمناً وكريماً لأبنائها. لكن الصمت عن الفكر المتطرف، مهما كان مصدره، خطأ لا يقل خطورة عن التطرف نفسه. لأن المبالغة في الولاءات الخارجية، أو التحريض الطائفي، أو نشر الكراهية والزعزعة، لا يمكن النظر إليها كرأي حين تتحول إلى تهديد مباشر لأمن الدولة ووحدة المجتمع.
البحرين لا تواجه أبناءها، وإنما تواجه كل محاولة لاختطاف هويتها الوطنية أو جرّ مجتمعها إلى مشاريع لا تشبهها. الدولة التي تحترم نفسها لا تُحاسب الناس على طوائفهم، وإنما على أفعالهم. والخيانة ليست مذهباً، كما أن الوطنية ليست حكراً على مذهب آخر.
البحرين اليوم لا تعيد تشكيل هويتها، وإنما تعيد تثبيت أسسها الصحيحة: دولة قانون، وعدالة مواطنة، ومجتمع يرفض أن يُدار بالخوف أو التحريض أو الانقسام. وما يحدث اليوم يجب أن يكون فرصة لترسيخ وعي وطني أكثر نضجاً وصلابة، يفهم أن حماية الوطن لا تكون بالكراهية، وإنما بالتماسك، ولا تكون بالتشكيك بين الناس، وإنما ببناء الثقة بينهم وبين دولتهم.
الشيعي البحريني الذي يرفض أي وصاية خارجية على وطنه لا يجب أن يشعر أنه مطالب كل يوم بإثبات انتمائه، تماماً كما أن السني البحريني الحقيقي لا يحتاج إلى خصومة مع شريك وطنه حتى يثبت وطنيته. هذه الثنائية المصطنعة أضعفت دولاً كثيرة حولنا، بينما بقيت البحرين، رغم كل التحديات، أكثر وعياً من أن تسمح للطائفية بأن تصبح بديلاً عن الهوية الوطنية.
الحقيقة التي يعرفها البحرينيون جيداً أن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم. يجمعهم الخوف على هذا الوطن، والمحبة له، والذاكرة المشتركة، والمستقبل الذي يريدونه لأبنائهم. ولهذا فإن البحرين ستبقى أقوى من كل خطاب يحاول تقسيمها، وأكبر من كل مشروع يريد اختصار شعبها في معركة طائفية ضيقة.
لكن في المقابل، فإن كل من يصر على بث الكراهية، أو تغذية الفتنة، أو الارتهان لفكر خارجي يهدد أمن البحرين واستقرارها، عليه أن يدرك أن الطريق الذي يسير فيه لا يقوده إلى البطولة أو النضال، وإنما يضعه في مصاف من يخذلون أوطانهم ويهددون أمن أهلهم ومجتمعهم. فالوطن لا يُحمى بالشعارات المتطرفة، وإنما بالعقل والولاء الصادق والانتماء الحقيقي للأرض والدولة.
البحرين لا تُحفظ بالصوت المرتفع، ولا بالتحريض، ولا بإشعال الكراهية بين أبنائها. البحرين تُحفظ حين يشعر الجميع أن هذه الأرض تتسع لهم بعدل وكرامة واحترام. تُحفظ حين يبقى القانون فوق الجميع، وحين تبقى المواطنة الحقيقية أقوى من أي محاولة للفرز أو التخويف أو التشكيك.
وفي النهاية، تبقى البحرين كما كانت دائماً: دولة تحمي الجميع بالقانون، ووطن يتسع للجميع بالمحبة، وشعب يعرف أن المواطنة الحقيقية تُثبت بالمواقف الصادقة والوفاء للوطن.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك