العدد : ١٧٥٨٣ - الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٣ - الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقالات

مساحة رمادية:
احتكار الحقيقة

أحمد عبدالحميد

الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬كتاب‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬جابر‭ ‬الأنصاري‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬‮«‬العالم‭ ‬والعرب‭ ‬بقلم‭ ‬مواطن‭: ‬الصحافة‭ ‬كشاهد‭ ‬على‭ ‬التاريخ‮»‬،‭ ‬استوقفني‭ ‬مقال‭ ‬‮«‬نحو‭ ‬منعطف‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬والفكر‭ ‬الإسلامي‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬فيه‭ ‬‮«‬وستكون‭ ‬مصيبة‭ ‬الوعي‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬كبيرة‭ ‬لو‭ ‬استمر‭ ‬فقدان‭ ‬التمييز‭ ‬الدقيق‭ ‬في‭ ‬الميزان‭ ‬الذهبي‭ ‬لمعادلة‭ ‬السماء‭ ‬والأرض‭ ‬في‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬حيث‭ ‬حول‭ ‬بعض‭ ‬البشر‭ ‬أنفسهم‭ ‬بالتالي‭ ‬ناطقين‭ ‬باسم‭ ‬الحقيقة‭ ‬المطلقة‭ ‬ضد‭ ‬الآخرين‭ ‬الذين‭ ‬يخالفونهم‭ ‬الرؤية‭ ‬والتفسير،‭ ‬وإن‭ ‬آمنوا‭ ‬معهم‭ ‬مبدئيا‭ ‬وجوهريا‭ ‬بالمطلق‭ ‬ذاته‮»‬‭.‬

عندما‭ ‬ننظر‭ ‬بعمق‭ ‬إلى‭ ‬عبقرية‭ ‬هذه‭ ‬العبارة،‭ ‬التي‭ ‬تلخص‭ ‬أزمة‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬سنوات‭ ‬رهينة‭ ‬تفسيرات‭ ‬بعض‭ ‬المجموعات‭ ‬في‭ ‬التيارات‭ ‬الفكرية‭ ‬الدينية‭ ‬والمذهبية،‭ ‬في‭ ‬تكرار‭ ‬لمشهد‭ ‬فرعون‭ ‬مع‭ ‬أتباعه‭ ‬‮«‬قَالَ‭ ‬فِرْعَوْنُ‭ ‬مَا‭ ‬أُرِيكُمْ‭ ‬إِلَّا‭ ‬مَا‭ ‬أَرَى‭ ‬وَمَا‭ ‬أَهْدِيكُمْ‭ ‬إِلَّا‭ ‬سَبِيلَ‭ ‬الرَّشَادِ‮»‬‭ (‬سورة‭ ‬غافر،‭ ‬الآية‭ ‬29‭)‬،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬جاء‭ ‬ليدحض‭ ‬إشكالية‭ ‬جمود‭ ‬الفكر‭ ‬وانحصاره‭ ‬على‭ ‬فئة‭ ‬معينة‭.‬

ولكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬الكاشفة‭ ‬التي‭ ‬تعرض‭ ‬لها‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬هي‭ ‬محاولات‭ ‬الكثيرين‭ ‬شيطنة‭ ‬التفكير‭ ‬والاجتهادات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تكريس‭ ‬قداسة‭ ‬معينة‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬تُدر‭ ‬النفعية‭ ‬على‭ ‬مناصريها‭.‬

أقول‭ ‬ذلك‭ ‬بعدما‭ ‬تابعت‭ ‬ما‭ ‬قيل‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬بأن‭ ‬بعض‭ ‬المرتبطين‭ ‬بالتنظيم‭ ‬الرئيسي‭ ‬للحرس‭ ‬الثوري‭ ‬وفكر‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬مارسوا‭ ‬إرهابا‭ ‬منظما‭ ‬على‭ ‬أبناء‭ ‬الطائفة‭ ‬الشيعية‭ ‬الذين‭ ‬يعارضون‭ ‬فكرهم،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬معتنقي‭ ‬المذهب،‭ ‬تنفيذا‭ ‬لمشروع‭ ‬إيران‭ ‬التوسعي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

فإذا‭ ‬كان‭ ‬الأنصاري‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قد‭ ‬طرح‭ ‬في‭ ‬مقاله‭ ‬عديدا‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬الصعبة‭ ‬كمدخل‭ ‬لفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬توسيع‭ ‬أفق‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات،‭ ‬فعلينا‭ ‬ألا‭ ‬نكون‭ ‬أقل‭ ‬جرأة‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬الأفكار،‭ ‬والتساؤلات،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تنغلق‭ ‬العقول،‭ ‬وتصبح‭ ‬أسيرة‭ ‬أفكار‭ ‬وتوجهات‭ ‬تخدم‭ ‬أجندات‭ ‬خارجية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استغلال‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬احتكار‭ ‬الحقيقة‮»‬‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬عقول‭ ‬المريدين‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬بات‭ ‬لزامًا‭ ‬علينا‭ ‬الاشتباك‭ ‬الفكري‭ ‬والتربوي‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬النوعية‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬الاقصائية‭ ‬المؤدلجة‭ ‬المغلقة،‭ ‬للانطلاق‭ ‬نحو‭ ‬صياغة‭ ‬فكرية‭ ‬معبرة‭ ‬عن‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬الجامعة‭ ‬لأبناء‭ ‬الوطن‭ ‬الواحد‭ ‬المتلاحم،‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تنضوي‭ ‬أطيافه‭ ‬وطوائفه‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬علم‭ ‬واحد‭.‬

ونشير‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نخترع‭ ‬‮«‬العجلة»؛‭ ‬لأن‭ ‬التاريخ‭ ‬الإنساني‭ ‬الحديث‭ ‬يشهد‭ ‬بوجود‭ ‬تجارب‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تعالج‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات،‭ ‬وأن‭ ‬تقود‭ ‬مسيرة‭ ‬نهضتها‭ ‬رغم‭ ‬الصراعات‭ ‬المريرة‭ ‬في‭ ‬محيطها،‭ ‬عندما‭ ‬اجتمعت‭ ‬قلوب‭ ‬وعقول‭ ‬أبنائها‭ ‬على‭ ‬هدف‭ ‬تنموي‭ ‬واحد‭.‬

ما‭ ‬يعيب‭ ‬واقعنا‭ ‬العربي‭ ‬أنه‭ ‬سقط‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬مغبة‭ ‬ملاحقة‭ ‬الأفكار‭ ‬والتوجهات‭ ‬المستوردة‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬هضم‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬فكري‭ ‬خاص‭ ‬بنا‭.‬

بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬جذور‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬شهدناه‭ ‬حاليا‭ ‬من‭ ‬عدوان‭ ‬إيراني‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬يستدعي‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يدع‭ ‬مجالا‭ ‬للشك‭ ‬ضرورة‭ ‬مراجعات‭ ‬فكرية‭ ‬أكثر‭ ‬عمقا‭ ‬لتفكيك‭ ‬محاولات‭ ‬تصدير‭ ‬الهيمنة‭ ‬الفكرية‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬تحت‭ ‬عباءة‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬المذهبية،‭ ‬مع‭ ‬ضرورة‭ ‬عدم‭ ‬الخشية‭ ‬من‭ ‬الاتهامات‭ ‬المعلبة‭ ‬تجاه‭ ‬هذه‭ ‬المراجعات‭.‬

وعندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬المراجعات‭ ‬لا‭ ‬نقصد‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬الدين؛‭ ‬لأن‭ ‬الحقيقة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬صلب‭ ‬الدين‭ ‬أيضا‭ ‬الفكر،‭ ‬وعدم‭ ‬الكهنوتية‭ ‬أو‭ ‬الجمود،‭ ‬لأن‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬أولى‭ ‬آياته‭ ‬هي‭ ‬‮«‬اقرأ‮»‬‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليغلق‭ ‬الباب‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬والتطوير‭ ‬لصالح‭ ‬بعض‭ ‬المتطرفين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يكفون‭ ‬عن‭ ‬توظيف‭ ‬الدين‭ ‬لتحقيق‭ ‬النفوذ‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭.‬

وعلينا‭ ‬أن‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تصادر‭ ‬حق‭ ‬التفكير‭ ‬تفتح‭ ‬أبوابها‭ ‬طوعًا‭ ‬أمام‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الوصاية،‭ ‬بينما‭ ‬الأوطان‭ ‬التي‭ ‬تحصن‭ ‬أبناءها‭ ‬بالعقل‭ ‬والمعرفة‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬هويتها‭ ‬واستقلال‭ ‬قرارها‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا