في كتاب الدكتور محمد جابر الأنصاري رحمه الله «العالم والعرب بقلم مواطن: الصحافة كشاهد على التاريخ»، استوقفني مقال «نحو منعطف جديد في الثقافة العربية والفكر الإسلامي»، الذي يقول فيه «وستكون مصيبة الوعي العربي الإسلامي كبيرة لو استمر فقدان التمييز الدقيق في الميزان الذهبي لمعادلة السماء والأرض في الحضارة الإسلامية، حيث حول بعض البشر أنفسهم بالتالي ناطقين باسم الحقيقة المطلقة ضد الآخرين الذين يخالفونهم الرؤية والتفسير، وإن آمنوا معهم مبدئيا وجوهريا بالمطلق ذاته».
عندما ننظر بعمق إلى عبقرية هذه العبارة، التي تلخص أزمة الفكر العربي الذي عاش سنوات رهينة تفسيرات بعض المجموعات في التيارات الفكرية الدينية والمذهبية، في تكرار لمشهد فرعون مع أتباعه «قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ» (سورة غافر، الآية 29)، أي أن الإسلام جاء ليدحض إشكالية جمود الفكر وانحصاره على فئة معينة.
ولكن الحقيقة الكاشفة التي تعرض لها الفكر العربي هي محاولات الكثيرين شيطنة التفكير والاجتهادات من أجل تكريس قداسة معينة على بعض الأفكار التي تُدر النفعية على مناصريها.
أقول ذلك بعدما تابعت ما قيل على لسان وزير الداخلية بأن بعض المرتبطين بالتنظيم الرئيسي للحرس الثوري وفكر ولاية الفقيه مارسوا إرهابا منظما على أبناء الطائفة الشيعية الذين يعارضون فكرهم، من أجل الهيمنة على معتنقي المذهب، تنفيذا لمشروع إيران التوسعي في المنطقة.
فإذا كان الأنصاري قبل سنوات قد طرح في مقاله عديدا من الأسئلة الصعبة كمدخل لفتح المجال أمام توسيع أفق الفكر العربي في التعاطي مع المتغيرات، فعلينا ألا نكون أقل جرأة في طرح الأفكار، والتساؤلات، حتى لا تنغلق العقول، وتصبح أسيرة أفكار وتوجهات تخدم أجندات خارجية، من خلال استغلال مفهوم «احتكار الحقيقة» للسيطرة على عقول المريدين.
ومن هذا المنطلق، بات لزامًا علينا الاشتباك الفكري والتربوي مع هذه النوعية من الأفكار الاقصائية المؤدلجة المغلقة، للانطلاق نحو صياغة فكرية معبرة عن المصلحة الوطنية الجامعة لأبناء الوطن الواحد المتلاحم، الذي يجب أن تنضوي أطيافه وطوائفه تحت مظلة علم واحد.
ونشير هنا إلى أننا لا نخترع «العجلة»؛ لأن التاريخ الإنساني الحديث يشهد بوجود تجارب استطاعت أن تعالج هذه الاختلالات، وأن تقود مسيرة نهضتها رغم الصراعات المريرة في محيطها، عندما اجتمعت قلوب وعقول أبنائها على هدف تنموي واحد.
ما يعيب واقعنا العربي أنه سقط كثيرا في مغبة ملاحقة الأفكار والتوجهات المستوردة من الخارج من دون أن يتمكن من هضم هذه الأفكار وتحويلها إلى نموذج فكري خاص بنا.
بغض النظر عن جذور هذه الإشكالية، إلا أن ما شهدناه حاليا من عدوان إيراني على دول الخليج العربية يستدعي بما لا يدع مجالا للشك ضرورة مراجعات فكرية أكثر عمقا لتفكيك محاولات تصدير الهيمنة الفكرية على هذه المنطقة تحت عباءة الدين أو المذهبية، مع ضرورة عدم الخشية من الاتهامات المعلبة تجاه هذه المراجعات.
وعندما نتحدث عن المراجعات لا نقصد الابتعاد عن الدين؛ لأن الحقيقة تؤكد أن الإسلام هو أساس الحياة في هذه المنطقة، ولكن من صلب الدين أيضا الفكر، وعدم الكهنوتية أو الجمود، لأن الدين الإسلامي الذي كانت أولى آياته هي «اقرأ» لم يكن ليغلق الباب على التفكير والتطوير لصالح بعض المتطرفين الذين لا يكفون عن توظيف الدين لتحقيق النفوذ السياسي والاجتماعي.
وعلينا أن نعلم أن المجتمعات التي تصادر حق التفكير تفتح أبوابها طوعًا أمام كل أشكال الوصاية، بينما الأوطان التي تحصن أبناءها بالعقل والمعرفة تصبح أكثر قدرة على حماية هويتها واستقلال قرارها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك