في عالم يشهد تصاعداً في التوترات الجيوسياسية والتقلبات الاقتصادية، لم يعد معيار قوة الاقتصادات يقاس فقط بحجم الناتج المحلي أو وفرة الموارد الطبيعية، بل بقدرتها على التكيف وإدارة الأزمات والحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي تحت الضغوط. ومن هذه الزاوية، تبرز البحرين كنموذج خليجي لاقتصاد صغير جغرافياً، لكنه يتمتع بدرجة عالية من المرونة المؤسسية والمالية والقدرة على امتصاص الصدمات.
فالاقتصاد البحريني يُعد من أكثر اقتصادات الخليج العربي تنوعاً من حيث مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، إذ تشكل هذه القطاعات ما يقارب 85% من الناتج المحلي، وهي من أعلى النسب على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي. وهذه الحقيقة تعكس تحولاً استراتيجياً مهماً، إذ إن الاقتصاد الوطني لم يعد قائماً على النفط كمحرك وحيد للنمو، بل على منظومة واسعة من القطاعات الإنتاجية والخدمية، تشمل الخدمات المالية، والصناعات التحويلية، والسياحة، والاتصالات، والخدمات اللوجستية، وتكنولوجيا المعلومات.
هذا التنوع لم يكن خياراً ثانويا، بل ضرورة فرضتها الطبيعة الاقتصادية للبحرين منذ عقود، بحكم محدودية الموارد النفطية مقارنة ببعض الاقتصادات الخليجية الكبرى. ولذلك اضطرت المملكة مبكراً إلى بناء نموذج اقتصادي أكثر انفتاحاً ومرونة، وهو ما منحها اليوم قدرة أعلى نسبياً على التكيف مع الصدمات الاقتصادية العالمية.
ويأتي القطاع المالي في مقدمة ركائز هذه المرونة الاقتصادية. فالبحرين تمتلك واحداً من أقدم وأعرق القطاعات المصرفية في المنطقة، حيث تحتضن المملكة أكثر من 350 مؤسسة مالية ومصرفية وتأمينية واستثمارية، إلى جانب موقعها الريادي في التمويل الإسلامي. ولم يعد هذا القطاع مجرد نشاط اقتصادي تقليدي، بل تحول إلى «خط دفاع اقتصادي» رئيسي في مواجهة الأزمات.
وقد أثبت القطاع المالي البحريني متانته خلال الأزمات الكبرى، سواء خلال الظروف الراهنة أو الأزمة المالية العالمية، أو جائحة كورونا. ولعب مصرف البحرين المركزي والقطاع المصرفي دوراً محورياً في حماية الاستقرار المالي والحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي، في وقت شهد فيه الاقتصاد العالمي حالة شلل غير مسبوقة.
وقد سارعت الحكومة ومصرف البحرين المركزي إلى إطلاق حزمة واسعة من التدابير الاقتصادية والمالية، تضمنت ضخ سيولة في الأسواق، وتأجيل أقساط القروض مدة ثلاثة أشهر للمواطنين والشركات، إضافة إلى قيام الدولة بدفع رواتب المواطنين العاملين في القطاع الخاص عبر صندوق التعطل، وهي خطوة شكلت نموذجاً مهماً للحماية الاقتصادية والاجتماعية خلال الأزمة. كما شملت الإجراءات خفض بعض الرسوم، وتقديم تسهيلات ائتمانية، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بما ساعد على الحفاظ على مستويات النشاط الاقتصادي وتقليل آثار الأزمة على القطاع الخاص وسوق العمل. وأظهرت هذه المرحلة قدرة عالية للقطاع المصرفي البحريني على الاستمرار التشغيلي، مدعوماً ببنية رقمية متقدمة وخطط فعالة لاستمرارية الأعمال، حيث استمرت الخدمات المصرفية والمالية من دون انقطاع يُذكر، في وقت واجهت فيه مؤسسات مالية عالمية تحديات تشغيلية معقدة. وتبرز هنا نقطة جوهرية، وهي أن الاقتصادات المرنة لا تعني غياب التحديات، وإنما القدرة على إدارتها بكفاءة ومنع تحولها إلى أزمات هيكلية طويلة الأمد. فالبحرين، كغيرها من اقتصادات العالم، تواجه تحديات تتعلق بارتفاع كلفة التمويل العالمية، والتوترات الجيوسياسية، ومتطلبات النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، إلا أن امتلاكها قطاعا ماليا قويا، وبنية تنظيمية متقدمة، وخبرة طويلة في إدارة الأزمات، يمنحها قدرة أكبر على التكيف مقارنة بالعديد من الاقتصادات الأخرى. كما تستفيد المملكة من عمقها الخليجي الاستراتيجي، وارتباطها الاقتصادي الوثيق بأسواق المنطقة، خصوصاً السوق السعودية، بما يعزز من قدرتها على الحفاظ على انسيابية التجارة والخدمات وسلاسل الإمداد حتى في أوقات التوترات. وفي عالم الاقتصاد الحديث، أصبحت المرونة الاقتصادية ميزة استراتيجية لا تقل أهمية عن الموارد الطبيعية. فالاقتصادات القادرة على اتخاذ القرار بسرعة، وتطوير سياسات استباقية، والحفاظ على ثقة الأسواق والمؤسسات، هي الأكثر قدرة على الصمود في بيئة عالمية تتزايد فيها حالة عدم اليقين.
ومن هنا، يمكن النظر إلى البحرين ليس باعتبارها اقتصاداً صغيراً محدود الإمكانات، بل باعتبارها نموذجاً اقتصادياً مرناً استطاع عبر عقود طويلة بناء خبرة مؤسسية عميقة في إدارة الأزمات والتكيف مع التحولات، وهي ميزة قد تصبح أكثر أهمية في السنوات المقبلة مع استمرار التغيرات المتسارعة في الاقتصاد العالمي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك