العدد : ١٧٥٨٢ - الأربعاء ١٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٢ - الأربعاء ١٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقالات

البحرين بخير

بقلم: عدنان أحمد يوسف

الاثنين ١١ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬عالم‭ ‬يشهد‭ ‬تصاعداً‭ ‬في‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬والتقلبات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬معيار‭ ‬قوة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬يقاس‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬أو‭ ‬وفرة‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬وإدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬استمرارية‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬تحت‭ ‬الضغوط‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬تبرز‭ ‬البحرين‭ ‬كنموذج‭ ‬خليجي‭ ‬لاقتصاد‭ ‬صغير‭ ‬جغرافياً،‭ ‬لكنه‭ ‬يتمتع‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬المرونة‭ ‬المؤسسية‭ ‬والمالية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭.‬

فالاقتصاد‭ ‬البحريني‭ ‬يُعد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬اقتصادات‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬تنوعاً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬مساهمة‭ ‬القطاعات‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي،‭ ‬إذ‭ ‬تشكل‭ ‬هذه‭ ‬القطاعات‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬85‭% ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬النسب‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭. ‬وهذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬تعكس‭ ‬تحولاً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬مهماً،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قائماً‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬كمحرك‭ ‬وحيد‭ ‬للنمو،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬القطاعات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والخدمية،‭ ‬تشمل‭ ‬الخدمات‭ ‬المالية،‭ ‬والصناعات‭ ‬التحويلية،‭ ‬والسياحة،‭ ‬والاتصالات،‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية،‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬المعلومات‭.‬

هذا‭ ‬التنوع‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬خياراً‭ ‬ثانويا،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬فرضتها‭ ‬الطبيعة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للبحرين‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬بحكم‭ ‬محدودية‭ ‬الموارد‭ ‬النفطية‭ ‬مقارنة‭ ‬ببعض‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الخليجية‭ ‬الكبرى‭. ‬ولذلك‭ ‬اضطرت‭ ‬المملكة‭ ‬مبكراً‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬نموذج‭ ‬اقتصادي‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحاً‭ ‬ومرونة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منحها‭ ‬اليوم‭ ‬قدرة‭ ‬أعلى‭ ‬نسبياً‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬الصدمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭.‬

ويأتي‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬ركائز‭ ‬هذه‭ ‬المرونة‭ ‬الاقتصادية‭. ‬فالبحرين‭ ‬تمتلك‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬وأعرق‭ ‬القطاعات‭ ‬المصرفية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬حيث‭ ‬تحتضن‭ ‬المملكة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬350‭ ‬مؤسسة‭ ‬مالية‭ ‬ومصرفية‭ ‬وتأمينية‭ ‬واستثمارية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬موقعها‭ ‬الريادي‭ ‬في‭ ‬التمويل‭ ‬الإسلامي‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬مجرد‭ ‬نشاط‭ ‬اقتصادي‭ ‬تقليدي،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬خط‭ ‬دفاع‭ ‬اقتصادي‮»‬‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات‭.‬

وقد‭ ‬أثبت‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬البحريني‭ ‬متانته‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭ ‬الكبرى،‭ ‬سواء‭ ‬خلال‭ ‬الظروف‭ ‬الراهنة‭ ‬أو‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية،‭ ‬أو‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭. ‬ولعب‭ ‬مصرف‭ ‬البحرين‭ ‬المركزي‭ ‬والقطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬استمرارية‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬شهد‭ ‬فيه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬حالة‭ ‬شلل‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭.‬

وقد‭ ‬سارعت‭ ‬الحكومة‭ ‬ومصرف‭ ‬البحرين‭ ‬المركزي‭ ‬إلى‭ ‬إطلاق‭ ‬حزمة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬التدابير‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية،‭ ‬تضمنت‭ ‬ضخ‭ ‬سيولة‭ ‬في‭ ‬الأسواق،‭ ‬وتأجيل‭ ‬أقساط‭ ‬القروض‭ ‬مدة‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬للمواطنين‭ ‬والشركات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬قيام‭ ‬الدولة‭ ‬بدفع‭ ‬رواتب‭ ‬المواطنين‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬عبر‭ ‬صندوق‭ ‬التعطل،‭ ‬وهي‭ ‬خطوة‭ ‬شكلت‭ ‬نموذجاً‭ ‬مهماً‭ ‬للحماية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬خلال‭ ‬الأزمة‭. ‬كما‭ ‬شملت‭ ‬الإجراءات‭ ‬خفض‭ ‬بعض‭ ‬الرسوم،‭ ‬وتقديم‭ ‬تسهيلات‭ ‬ائتمانية،‭ ‬ودعم‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة،‭ ‬بما‭ ‬ساعد‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتقليل‭ ‬آثار‭ ‬الأزمة‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬وسوق‭ ‬العمل‭. ‬وأظهرت‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬قدرة‭ ‬عالية‭ ‬للقطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬البحريني‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬التشغيلي،‭ ‬مدعوماً‭ ‬ببنية‭ ‬رقمية‭ ‬متقدمة‭ ‬وخطط‭ ‬فعالة‭ ‬لاستمرارية‭ ‬الأعمال،‭ ‬حيث‭ ‬استمرت‭ ‬الخدمات‭ ‬المصرفية‭ ‬والمالية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬انقطاع‭ ‬يُذكر،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واجهت‭ ‬فيه‭ ‬مؤسسات‭ ‬مالية‭ ‬عالمية‭ ‬تحديات‭ ‬تشغيلية‭ ‬معقدة‭. ‬وتبرز‭ ‬هنا‭ ‬نقطة‭ ‬جوهرية،‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المرنة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬غياب‭ ‬التحديات،‭ ‬وإنما‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إدارتها‭ ‬بكفاءة‭ ‬ومنع‭ ‬تحولها‭ ‬إلى‭ ‬أزمات‭ ‬هيكلية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭. ‬فالبحرين،‭ ‬كغيرها‭ ‬من‭ ‬اقتصادات‭ ‬العالم،‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬تتعلق‭ ‬بارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬التمويل‭ ‬العالمية،‭ ‬والتوترات‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬ومتطلبات‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وخلق‭ ‬فرص‭ ‬العمل،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬امتلاكها‭ ‬قطاعا‭ ‬ماليا‭ ‬قويا،‭ ‬وبنية‭ ‬تنظيمية‭ ‬متقدمة،‭ ‬وخبرة‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬يمنحها‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مقارنة‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأخرى‭. ‬كما‭ ‬تستفيد‭ ‬المملكة‭ ‬من‭ ‬عمقها‭ ‬الخليجي‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬وارتباطها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الوثيق‭ ‬بأسواق‭ ‬المنطقة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬السوق‭ ‬السعودية،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬انسيابية‭ ‬التجارة‭ ‬والخدمات‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬التوترات‭. ‬وفي‭ ‬عالم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحديث،‭ ‬أصبحت‭ ‬المرونة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ميزة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭. ‬فالاقتصادات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬بسرعة،‭ ‬وتطوير‭ ‬سياسات‭ ‬استباقية،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬ثقة‭ ‬الأسواق‭ ‬والمؤسسات،‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬عالمية‭ ‬تتزايد‭ ‬فيها‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬ليس‭ ‬باعتبارها‭ ‬اقتصاداً‭ ‬صغيراً‭ ‬محدود‭ ‬الإمكانات،‭ ‬بل‭ ‬باعتبارها‭ ‬نموذجاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬مرناً‭ ‬استطاع‭ ‬عبر‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬بناء‭ ‬خبرة‭ ‬مؤسسية‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬والتكيف‭ ‬مع‭ ‬التحولات،‭ ‬وهي‭ ‬ميزة‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬التغيرات‭ ‬المتسارعة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا