تفيد 84% من النساء بإنهن يشعرن بعدم الجاهزية لإدارة ثرواتهن الموروثة، وتقرّ الكثير منهن بصعوبة خوض هذه التجربة. ويسلط ذلك الضوء على واقع أوسع، إذ نادراً ما يصعب الحفاظ على تلك الثروات بسبب تضاؤل القدرة على تحقيق العوائد منها. وغالباً ما تكون هذه الجاهزية موضع اختبار حقيقي في لحظات معينة؛ عند اتخاذ القرارات، وعند محاولة بناء فهم متكامل لواقع الحال، وكذلك في تشارك المسؤوليات. ولذلك، فإن إدارة الثروات بفاعلية تعتمد على مدى الجاهزية بقدر ما تتوقف على الأداء.
وفي منطقة الخليج، تتنامى أهمية تلك اللحظات مع اضطرار العائلات للتعامل مع ميزانيات عمومية معقدة - تشمل الشركات العاملة، والعقارات، والاستثمارات العالمية، والهياكل العائلية العابرة للحدود - في وقت يتسارع فيه تعاقب الإدارة بين الأجيال. ومن السمات الملازمة لهذا التعاقب أن النساء يتأخرن غالباً في خوض النقاشات المتعلقة بالثروة؛ ليس لأمرٍ يتعلق بطبيعتهن كنساء، وإنما بسبب الظروف.
لا تتعلق المسألة هنا بالمشاركة؛ فالنساء تشارك - وبصورة متزايدة - في مختلف مجالات الأعمال والحوكمة والاستثمار؛ وإنما تتمحور حول تراتبية انتقال المسؤوليات؛ فعندما تبدأ النساء مشاركتهن فقط بعد الحصول على الثروة، فذلك يضعف قدرتهن على اتخاذ قرارات مستنيرة، وتزداد كذلك التعقيدات، وتغدو الخيارات أكثر صعوبة، وبالتالي ينبغي عليهن معالجة الموضوعات تحت الضغط بدلاً من التعامل معها بصورة تدريجية.
توفر البحوث العالمية سياقاً مفيداً لتوضيح أهمية هذا التراتبية؛ إذ تؤكد الدراسات المعنية أن مشاركة النساء في التخطيط المالي طويل الأجل غالباً ما تبدأ عقب وقوع أحداث بارزة في حياتهن الشخصية بدلاً من استباقها. كما تشير التقارير المتعلقة بتوجهات الثروة العالمية إلى أن الكثير من النساء يطلبن المشورة المالية فقط بعد وقوع أحداث كهذه، مثل الطلاق أو الترمل، بدلاً من السعي للمشاركة الدائمة طوال الوقت. وتكتسب هذه الديناميكية أهمية خاصة في الأسواق التي تتسارع فيها المشاركة الاقتصادية للمرأة.
وغالباً ما تغدو نتائج المشاركة المتأخرة ملموسةً أثناء حدوث التغييرات الهيكلية، بما في ذلك التخطيط لتعاقب الإدارة، أو إعادة هيكلة الأصول، أو الأحداث المتعلقة بالسيولة، أو التغييرات الطارئة على القيادة العائلية. وهنا تبرز أسئلة ملحة وإن كانت غير جديدة، ومنها مثلاً كيف يتم الاحتفاظ بالأصول؟ من يمتلك السلطة لاتخاذ القرارات؟ وما هي الصيغة المناسبة لتحقيق التوازن بين الدخل والرقابة والاحتفاظ بالأصول على المدى الطويل؟ ومن دون السياق السابق، قد تبدو هذه الأسئلة تقنية بطبيعتها، ولكنها في الواقع استراتيجية تماماً.
تتفاقم عواقب المشاركة المتأخرة هذه في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تشكل الشركات العائلية حصة كبيرة من نشاط القطاع الخاص والوظائف. وتكشف الدراسات الاستطلاعية في دبي أن المشاركة في تخطيط تعاقب الإدارة غالباً ما تتبع المرحلة الانتقالية بدلاً من أن تسبقها. ومع أن العديد من أفراد الجيل التالي للعائلات يدركون وجود خطط مسبقة لتعاقب الإدارة، إلاّ أن القليل منهم يشاركون في إعدادها، وهذه التراتبية تؤثر بصورة أكبر على النساء لضعف مشاركتهن غالباً في المناقشات المالية غير الرسمية في وقت مبكر من دورة حياة الثروة العائلية.
لا يقتضي أي هذه المعطيات بالضرورة أن تكون النقاشات المتعلقة بالثروة مستمرة أو رسمية أو تقنية، بل على العكس تماماً؛ إذ غالباً ما تكون المشاركة البسيطة هي الأكثر فعالية. فالنقاشات الدورية المنظمة جيداً حول الشكل العام للثروة العائلية - بما في ذلك قيمتها، وسبل هيكلتها، والمبادئ التي تستند إليها القرارات - تسهم في تعزيز التفاهم المشترك من دون التأثير سلباً على الأدوار الرئيسية؛ وبذلك فإن القيمة الحقيقية تكمن في المعرفة الشاملة أكثر من التركيز على التفاصيل.
ويلعب التعليم كذلك دوراً محورياً في هذا المجال؛ فالثقافة المالية لا تعني اكتساب خبرة موحدة بقدر ما تتعلق بتمكين الحوار الهادف.
في نهاية المطاف، تعتبر إدارة الثروات مسألة استشراف ورؤية متبصرة بالدرجة الأولى. فالمحافظة على الأصول تستدعي مشاركة المعرفة بشكل مبكر قبل أن تقتضي الضرورة ذلك. والعائلات التي تشارك نساؤها مبكراً في النقاشات المالية لا تعيد توزيع السلطة فحسب، وإنما تسهم كذلك في الحد من حالة عدم اليقين؛ وهذا يضمن لها - عند حدوث التغيير - اتخاذ قرارات مستنيرة قائمة على الوضوح بدلاً من الضرورة العاجلة.
وفي منطقة تولي أهمية كبيرة للميراث، لا يشكّل ذلك تحولاً ثقافياً بقدر ما هو ضرورة لتحسين إدارة الثروات؛ فتأخر المشاركة في التخطيط المالي يعتبر من أكثر المخاطر التي تغفل عنها العائلات لناحية سلاسة انتقال وإدارة الثروات، وهي في الوقت نفسه من أسهل المخاطر التي يمكن إدارتها عند التعامل معها في وقت مبكر بما فيه الكفاية.
رئيسة إدارة الثروات - الأسواق النامية، بنك يونيون بانكير بريفيه

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك