في مواصلةٍ للمقال السابق الذي حمل عنوان “هل يموت المبدعون حقًا؟”، تابعت التأمل في تلك العلاقة العميقة بين الموت والإبداع والخلود، حيث يتحول الفن من مجرد أثرٍ جمالي إلى حضورٍ إنساني يتجاوز حدود الزمن.
فالمبدع وإن غاب جسداً، يظل حيّاً بما تركه من أثرٍ في الوجدان، وكأن الإبداع صورة أخرى من صور الانتصار على الموت.
المبدعون ينتصرون على الموت لأنهم يحولون حياتهم إلى معنى، والمعنى لا يموت.
الجسد يفنى، لكن الجمال لا يفنى.
الصوت يخفت، لكن الصدى يبقى.
العمر ينتهي، لكن الأثر يمتد.
ولهذا كان الفن واحداً من أشكال الخلود الإنساني، لأن الفنان يضع شيئاً من روحه في عمله، فيبقى هذا الجزء حياً حتى بعد رحيله.
إننا حين نقف أمام رحيل المبدعين، لا ينبغي أن نسأل: لماذا ماتوا؟
بل ينبغي أن نسأل: كيف استطاعوا أن يبقوا؟
كيف جعلوا غيابهم حضوراً؟
كيف هزموا الفناء بالفن؟
الإجابة تكمن في الصدق، فالفن الصادق لا يشيخ، والروح الصادقة لا تغيب، والإنسان الذي يعيش ليترك أثراً لا يرحل أبداً.
ولعل رحيل الفنان هاني شاكر يضعنا أمام هذا المعنى بوضوح؛ فقد غاب الجسد، لكن صوته ظل حاضرًا، ولم تُنسنا لحظة الرحيل أغاني الحب والحنين التي شكّلت وجدان أجيال، مثل “لسه بتسألي”، و”غلطة”، و”علي الضحكاية”، و”بحبك أنا”. كانت أغانيه مساحةً نابضة بالمشاعر، وذاكرةً لا يطالها النسيان، فبقيت حيّة كما لو أنها وُلدت الآن.
لذلك فإن الموت بالنسبة للمبدعين ليس إلا انتقالاً من مستوى إلى آخر؛ من الوجود الجسدي إلى الوجود الرمزي. إنهم يتركون المسرح، لكن أصواتهم تبقى تتردد في القاعة. يغلقون أعينهم، لكن صورهم تبقى مفتوحة في ذاكرة الناس. يرحلون عن العالم، لكنهم لا يرحلون عن القلوب.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
قد يموت الأحياء، لكن المبدعين يحيون بعد الموت.
إنهم يغادرون الزمن، لكنهم يبقون في وجداننا.
فأي موت هذا الذي يعجز عن أن يطفئ حضورهم؟
وأي غياب هذا الذي يجعلهم أكثر حضوراً؟
ربما لهذا نشعر بالحزن عند رحيلهم، لكننا لا نشعر بالفقد الكامل، لأن شيئاً منهم ما زال معنا. ما زلنا نجدهم في الأعمال، في الذكريات، في ملامحهم التي سكنت وعينا.
وهكذا، حين نسأل: هل يموت المبدعون؟
تأتي الإجابة من داخل الذاكرة نفسها:
لا، لا يموتون.
يموت الجسد، لكن الإبداع حياة أخرى.
يمضي الإنسان، لكن أثره يبقى.
تغيب الملامح، لكن الأرواح التي صنعت الجمال تظل حيّة.
وهذا ما يجعلنا نوقن أن كثيرين ممن صنعوا الفن لم يرحلوا، كما لم يرحل هاني شاكر، ولاحياة الفهد ولا عبدالحسين عبدالرضا، ولا غانم الصالح، ولا علي المفيدي، ولا خالد النفيسي، ولا مريم الغضبان.
رحلت أجسادهم فقط، أما هم، فما زالوا أحياء بيننا…
في الضحكة التي تركوها،
في الدهشة التي صنعوها،
في الفن الذي جعلهم أكبر من الموت.
فالمبدعون لا يموتون… لأن من يزرع نفسه في وجدان الناس، يحيا إلى الأبد.
Fatema.y.Alyusuf@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك