العدد : ١٧٥٧٩ - الأحد ١٠ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٩ - الأحد ١٠ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقالات

نجوم تحت الأضواء
المبدعون ينتصرون على الموت (٢) هانـي شـــــاكــر

بقلم: فاطمة اليوسف.

الجمعة ٠٨ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬مواصلةٍ‭ ‬للمقال‭ ‬السابق‭ ‬الذي‭ ‬حمل‭ ‬عنوان‭ ‬“هل‭ ‬يموت‭ ‬المبدعون‭ ‬حقًا؟”،‭ ‬تابعت‭ ‬التأمل‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬العلاقة‭ ‬العميقة‭ ‬بين‭ ‬الموت‭ ‬والإبداع‭ ‬والخلود،‭ ‬حيث‭ ‬يتحول‭ ‬الفن‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬أثرٍ‭ ‬جمالي‭ ‬إلى‭ ‬حضورٍ‭ ‬إنساني‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الزمن‭.‬

فالمبدع‭ ‬وإن‭ ‬غاب‭ ‬جسداً،‭ ‬يظل‭ ‬حيّاً‭ ‬بما‭ ‬تركه‭ ‬من‭ ‬أثرٍ‭ ‬في‭ ‬الوجدان،‭ ‬وكأن‭ ‬الإبداع‭ ‬صورة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬الانتصار‭ ‬على‭ ‬الموت‭.‬

المبدعون‭ ‬ينتصرون‭ ‬على‭ ‬الموت‭ ‬لأنهم‭ ‬يحولون‭ ‬حياتهم‭ ‬إلى‭ ‬معنى،‭ ‬والمعنى‭ ‬لا‭ ‬يموت‭.‬

الجسد‭ ‬يفنى،‭ ‬لكن‭ ‬الجمال‭ ‬لا‭ ‬يفنى‭.‬

الصوت‭ ‬يخفت،‭ ‬لكن‭ ‬الصدى‭ ‬يبقى‭.‬

العمر‭ ‬ينتهي،‭ ‬لكن‭ ‬الأثر‭ ‬يمتد‭.‬

ولهذا‭ ‬كان‭ ‬الفن‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الخلود‭ ‬الإنساني،‭ ‬لأن‭ ‬الفنان‭ ‬يضع‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬روحه‭ ‬في‭ ‬عمله،‭ ‬فيبقى‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬حياً‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬رحيله‭.‬

إننا‭ ‬حين‭ ‬نقف‭ ‬أمام‭ ‬رحيل‭ ‬المبدعين،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭: ‬لماذا‭ ‬ماتوا؟

بل‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭: ‬كيف‭ ‬استطاعوا‭ ‬أن‭ ‬يبقوا؟

كيف‭ ‬جعلوا‭ ‬غيابهم‭ ‬حضوراً؟

كيف‭ ‬هزموا‭ ‬الفناء‭ ‬بالفن؟

الإجابة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الصدق،‭ ‬فالفن‭ ‬الصادق‭ ‬لا‭ ‬يشيخ،‭ ‬والروح‭ ‬الصادقة‭ ‬لا‭ ‬تغيب،‭ ‬والإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬ليترك‭ ‬أثراً‭ ‬لا‭ ‬يرحل‭ ‬أبداً‭.‬

ولعل‭ ‬رحيل‭ ‬الفنان‭ ‬هاني‭ ‬شاكر‭ ‬يضعنا‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬بوضوح؛‭ ‬فقد‭ ‬غاب‭ ‬الجسد،‭ ‬لكن‭ ‬صوته‭ ‬ظل‭ ‬حاضرًا،‭ ‬ولم‭ ‬تُنسنا‭ ‬لحظة‭ ‬الرحيل‭ ‬أغاني‭ ‬الحب‭ ‬والحنين‭ ‬التي‭ ‬شكّلت‭ ‬وجدان‭ ‬أجيال،‭ ‬مثل‭ ‬“لسه‭ ‬بتسألي”،‭ ‬و”غلطة”،‭ ‬و”علي‭ ‬الضحكاية”،‭ ‬و”بحبك‭ ‬أنا”‭. ‬كانت‭ ‬أغانيه‭ ‬مساحةً‭ ‬نابضة‭ ‬بالمشاعر،‭ ‬وذاكرةً‭ ‬لا‭ ‬يطالها‭ ‬النسيان،‭ ‬فبقيت‭ ‬حيّة‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬وُلدت‭ ‬الآن‭.‬

لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الموت‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمبدعين‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬إلى‭ ‬آخر؛‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬الجسدي‭ ‬إلى‭ ‬الوجود‭ ‬الرمزي‭. ‬إنهم‭ ‬يتركون‭ ‬المسرح،‭ ‬لكن‭ ‬أصواتهم‭ ‬تبقى‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬القاعة‭. ‬يغلقون‭ ‬أعينهم،‭ ‬لكن‭ ‬صورهم‭ ‬تبقى‭ ‬مفتوحة‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الناس‭. ‬يرحلون‭ ‬عن‭ ‬العالم،‭ ‬لكنهم‭ ‬لا‭ ‬يرحلون‭ ‬عن‭ ‬القلوب‭.‬

وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المفارقة‭ ‬الكبرى‭:‬

قد‭ ‬يموت‭ ‬الأحياء،‭ ‬لكن‭ ‬المبدعين‭ ‬يحيون‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭.‬

إنهم‭ ‬يغادرون‭ ‬الزمن،‭ ‬لكنهم‭ ‬يبقون‭ ‬في‭ ‬وجداننا‭.‬

فأي‭ ‬موت‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬يطفئ‭ ‬حضورهم؟

وأي‭ ‬غياب‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬يجعلهم‭ ‬أكثر‭ ‬حضوراً؟

ربما‭ ‬لهذا‭ ‬نشعر‭ ‬بالحزن‭ ‬عند‭ ‬رحيلهم،‭ ‬لكننا‭ ‬لا‭ ‬نشعر‭ ‬بالفقد‭ ‬الكامل،‭ ‬لأن‭ ‬شيئاً‭ ‬منهم‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬معنا‭. ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬نجدهم‭ ‬في‭ ‬الأعمال،‭ ‬في‭ ‬الذكريات،‭ ‬في‭ ‬ملامحهم‭ ‬التي‭ ‬سكنت‭ ‬وعينا‭.‬

وهكذا،‭ ‬حين‭ ‬نسأل‭: ‬هل‭ ‬يموت‭ ‬المبدعون؟

تأتي‭ ‬الإجابة‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬الذاكرة‭ ‬نفسها‭:‬

لا،‭ ‬لا‭ ‬يموتون‭.‬

يموت‭ ‬الجسد،‭ ‬لكن‭ ‬الإبداع‭ ‬حياة‭ ‬أخرى‭.‬

يمضي‭ ‬الإنسان،‭ ‬لكن‭ ‬أثره‭ ‬يبقى‭.‬

تغيب‭ ‬الملامح،‭ ‬لكن‭ ‬الأرواح‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬الجمال‭ ‬تظل‭ ‬حيّة‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬نوقن‭ ‬أن‭ ‬كثيرين‭ ‬ممن‭ ‬صنعوا‭ ‬الفن‭ ‬لم‭ ‬يرحلوا،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يرحل‭ ‬هاني‭ ‬شاكر،‭ ‬ولاحياة‭ ‬الفهد‭ ‬ولا‭ ‬عبدالحسين‭ ‬عبدالرضا،‭ ‬ولا‭ ‬غانم‭ ‬الصالح،‭ ‬ولا‭ ‬علي‭ ‬المفيدي،‭ ‬ولا‭ ‬خالد‭ ‬النفيسي،‭ ‬ولا‭ ‬مريم‭ ‬الغضبان‭.‬

رحلت‭ ‬أجسادهم‭ ‬فقط،‭ ‬أما‭ ‬هم،‭ ‬فما‭ ‬زالوا‭ ‬أحياء‭ ‬بيننا

في‭ ‬الضحكة‭ ‬التي‭ ‬تركوها،

في‭ ‬الدهشة‭ ‬التي‭ ‬صنعوها،

في‭ ‬الفن‭ ‬الذي‭ ‬جعلهم‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الموت‭.‬

فالمبدعون‭ ‬لا‭ ‬يموتون‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬يزرع‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬الناس،‭ ‬يحيا‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭.‬

 

Fatema.y.Alyusuf@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا