القراء الأعزاء،
(الجنسية عهد وميثاق، ومن نقض العهد فقد أسقط حقه بيده)، هذه الجملة كانت أحد أهم مضامين الحديث الذي وجهه صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم إلى وسائل الإعلام يوم أمس، في خطاب إعلامي مهم لهذه المرحلة الحساسة من تاريخ البحرين، التي تعرضت فيها مملكة البحرين لعدوان آثم لا مُبرر له من قبل إيران، والذي كان على الرُغم من رفضنا وتجريمنا له، فإنه كان تلك الضارة النافعة في مقولة (رُبّ ضارة نافعة)، حيث في المِحن يُمتحن الإنسان وتُمتحن المشاعر والخفايا والنوايا.
وقد نتج عن تجربة البحرين الأخيرة قرار سحب الجنسيات ممن ثبتت خيانتهم للوطن، وسط قبول وتأييد وارتياح شعبي لهذا القرار السيادي المتعلق بشأن داخلي خاص جداً مرتبط ارتباطاً وثيقاً باستقرار المجتمع من خلال استقرار النظام العام في الدولة، الذي لا يحترمه ويحرص على ضمان تحقيق عناصره (الأمن العام، الآداب العامة، الصحة العامة، السلامة العامة والسكينة العامة..) إلا أبناء الوطن المفعمون بحسّ الولاء والانتماء لهذا الوطن، ففي المِحن يجب أن تتجه المشاعر الى الوطن، فالحب له والتعاطف معه والدفاع عنه فقط لأن الوطن أولاً وهو كما أقول دائماً الحصن والحضن الذي يحتوي أبناءه.
والجنسية أعزائي هي تلك الرابطة القانونية بين الشخص والدولة التي يحمل جنسيتها وهي التي تُحدد انتماءه الرسمي وتبعيته لهذه الدولة واثباتها الرسمي هو جواز السفر، وهي التي تميّز المواطن عن الأجنبي في الدولة كما تمنحه حقوقا سياسية واجتماعية تندرج ضمن حقوق المواطنة، لذا تقتضي أن تقوم على وطنية نابعة من عمق شعور المواطن بالانتماء الذي يُعزز الشعور بالولاء، وتُنظم قوانين الدول السُبل القانونية لاكتساب الجنسية سواء بقوة القانون أو بالتجنيس، ووفقا لقانون الجنسية البحريني فإن الجنسية البحرينية تمنح من حيث الأصل لكل من وُلد لأب بحريني، وسواه بالطرق التي حددها القانون.
فحينما يتطرق جلالة الملك المعظم إلى فكرة كون (الجنسية عهدا وميثاقا) فإن جلالته يؤكد نهجه الأول والأصيل وهو تأصيل فكرة العقد الاجتماعي، فمنذ البدء اختار جلالته أن يبدأ عهده الزاهر بتفعيل مشروعه الإصلاحي ورؤيته الشاسعة السابقة لعصرها، فبدأه باستفتاء شعبي حينما طرح مسودة ميثاق العمل الوطني لأخذ رأي الشعب بقبوله أو رفضه، فجاء القبول وتوافق الإرادات وكان الميثاق والعهد الأول والأساسي والدائم بين الإرادة الملكية السامية وإرادة الشعب الكريم، ومثل هذه الإرادة الأخيرة لا يمتلكها إلا من يحمل الجنسية البحرينية والتي تُلقي على حاملها واجبات كثيرة أقلّها الوفاء والولاء والحب الأصيل لهذا الوطن، فإذا ما كان ميثاق العمل الوطني هو الوثيقة التعاهدية والرابطة التي بدأ بها عهد جلالته، فقد جاء حديث جلالته ليؤكد تلك الرابطة الأخرى التي سبقته منذ قيام البحرين كدولة مستقلة ذات سيادة، وهي رابطة الجنسية التي ستكفل له مجموعة من الحقوق والمصالح والوثائق منها جواز السفر البحريني، ويؤكد جلالته ضرورة أن يُدرك من يحمله بأنه ليست وثيقة سفر فقط ولا إعلان تبعية لدولة ولكنها وثيقة عهد تُوّلد حقوقاً وواجبات على من يحملها في مواجهة الدولة التي منحتها، ومن أهم هذه الواجبات واجب الولاء والإخلاص والوفاء والحب والاحترام وحماية هذا الوطن بالقول والفعل، في السر والعلن، في عمق الشعور وفي وضح السلوك، وعليه فمن لا يجد نفسه وسلوكه أميناً على وطنه فهو بلا شك لا يستحق شرف حمل هذه الوثيقة ولا أن يتمتع بجنسية وطنه والانتماء إليه.
فالمواطن الصالح المُحب لوطنه يحمل بالفعل وطنه في قلبه، لذا يتمسك دائماً بالوطن باعتباره أهم ثوابته الأخلاقية والعاطفية والسلوكية، في أوقات الطمأنينة والسلم ووقت المحن والعدوان، وأن يكون سفيراً وممثلاً لهذا الوطن أينما كان سواء على أرضه أو خارجه، في واقعه الفعلي أو عالمه الافتراضي، بل إنه حينما يكون خارج الوطن، يكون الالتزام أكثر وأكبر، فالبحريني ليس بحاجة لأن يحمل حقيبة دبلوماسية ليعكس صورة وواقع مملكة البحرين العريقة، الكبيرة العظيمة بكل تفاصيلها (ملكاً وتاريخاً وموقعاً وتضاريساً وثقافة وقيادة وشعباً) والتي تستحق أن يفخر بها كل بحريني وأن يرويها للعالم، بل يقوم بذلك باعتباره حاملا جنسيتها وفي يده جواز سفرها، أما من يرى أو يقول خلاف ذلك، فلا خير فيه لوطنه ولا أعتقد أنه يستحق أن يرتبط اسمه به، وليحفظ الله بحريننا من شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك