العدد : ١٧٥٧٢ - الأحد ٠٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٢ - الأحد ٠٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقالات

الجنسية عهد وميثاق

بقلم: المحامية د. هنادي عيسى الجودر

الأحد ٠٣ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

القراء‭ ‬الأعزاء،

‭(‬الجنسية‭ ‬عهد‭ ‬وميثاق،‭ ‬ومن‭ ‬نقض‭ ‬العهد‭ ‬فقد‭ ‬أسقط‭ ‬حقه‭ ‬بيده‭)‬،‭ ‬هذه‭ ‬الجملة‭ ‬كانت‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مضامين‭ ‬الحديث‭ ‬الذي‭ ‬وجهه‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬إلى‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬يوم‭ ‬أمس،‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬إعلامي‭ ‬مهم‭ ‬لهذه‭ ‬المرحلة‭ ‬الحساسة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬البحرين،‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬فيها‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬لعدوان‭ ‬آثم‭ ‬لا‭ ‬مُبرر‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬إيران،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬الرُغم‭ ‬من‭ ‬رفضنا‭ ‬وتجريمنا‭ ‬له،‭ ‬فإنه‭ ‬كان‭ ‬تلك‭ ‬الضارة‭ ‬النافعة‭ ‬في‭ ‬مقولة‭ (‬رُبّ‭ ‬ضارة‭ ‬نافعة‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬في‭ ‬المِحن‭ ‬يُمتحن‭ ‬الإنسان‭ ‬وتُمتحن‭ ‬المشاعر‭ ‬والخفايا‭ ‬والنوايا‭.‬

وقد‭ ‬نتج‭ ‬عن‭ ‬تجربة‭ ‬البحرين‭ ‬الأخيرة‭ ‬قرار‭ ‬سحب‭ ‬الجنسيات‭ ‬ممن‭ ‬ثبتت‭ ‬خيانتهم‭ ‬للوطن،‭ ‬وسط‭ ‬قبول‭ ‬وتأييد‭ ‬وارتياح‭ ‬شعبي‭ ‬لهذا‭ ‬القرار‭ ‬السيادي‭ ‬المتعلق‭ ‬بشأن‭ ‬داخلي‭ ‬خاص‭ ‬جداً‭ ‬مرتبط‭ ‬ارتباطاً‭ ‬وثيقاً‭ ‬باستقرار‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استقرار‭ ‬النظام‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬الدولة،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحترمه‭ ‬ويحرص‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬تحقيق‭ ‬عناصره‭ (‬الأمن‭ ‬العام،‭ ‬الآداب‭ ‬العامة،‭ ‬الصحة‭ ‬العامة،‭ ‬السلامة‭ ‬العامة‭ ‬والسكينة‭ ‬العامة‭..) ‬إلا‭ ‬أبناء‭ ‬الوطن‭ ‬المفعمون‭ ‬بحسّ‭ ‬الولاء‭ ‬والانتماء‭ ‬لهذا‭ ‬الوطن،‭ ‬ففي‭ ‬المِحن‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتجه‭ ‬المشاعر‭ ‬الى‭ ‬الوطن،‭ ‬فالحب‭ ‬له‭ ‬والتعاطف‭ ‬معه‭ ‬والدفاع‭ ‬عنه‭ ‬فقط‭ ‬لأن‭ ‬الوطن‭ ‬أولاً‭ ‬وهو‭ ‬كما‭ ‬أقول‭ ‬دائماً‭ ‬الحصن‭ ‬والحضن‭ ‬الذي‭ ‬يحتوي‭ ‬أبناءه‭.‬

والجنسية‭ ‬أعزائي‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬الرابطة‭ ‬القانونية‭ ‬بين‭ ‬الشخص‭ ‬والدولة‭ ‬التي‭ ‬يحمل‭ ‬جنسيتها‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تُحدد‭ ‬انتماءه‭ ‬الرسمي‭ ‬وتبعيته‭ ‬لهذه‭ ‬الدولة‭ ‬واثباتها‭ ‬الرسمي‭ ‬هو‭ ‬جواز‭ ‬السفر،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تميّز‭ ‬المواطن‭ ‬عن‭ ‬الأجنبي‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬كما‭ ‬تمنحه‭ ‬حقوقا‭ ‬سياسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬حقوق‭ ‬المواطنة،‭ ‬لذا‭ ‬تقتضي‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬وطنية‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬شعور‭ ‬المواطن‭ ‬بالانتماء‭ ‬الذي‭ ‬يُعزز‭ ‬الشعور‭ ‬بالولاء،‭ ‬وتُنظم‭ ‬قوانين‭ ‬الدول‭ ‬السُبل‭ ‬القانونية‭ ‬لاكتساب‭ ‬الجنسية‭ ‬سواء‭ ‬بقوة‭ ‬القانون‭ ‬أو‭ ‬بالتجنيس،‭ ‬ووفقا‭ ‬لقانون‭ ‬الجنسية‭ ‬البحريني‭ ‬فإن‭ ‬الجنسية‭ ‬البحرينية‭ ‬تمنح‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الأصل‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬وُلد‭ ‬لأب‭ ‬بحريني،‭ ‬وسواه‭ ‬بالطرق‭ ‬التي‭ ‬حددها‭ ‬القانون‭.‬

فحينما‭ ‬يتطرق‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬كون‭ (‬الجنسية‭ ‬عهدا‭ ‬وميثاقا‭) ‬فإن‭ ‬جلالته‭ ‬يؤكد‭ ‬نهجه‭ ‬الأول‭ ‬والأصيل‭ ‬وهو‭ ‬تأصيل‭ ‬فكرة‭ ‬العقد‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فمنذ‭ ‬البدء‭ ‬اختار‭ ‬جلالته‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬عهده‭ ‬الزاهر‭ ‬بتفعيل‭ ‬مشروعه‭ ‬الإصلاحي‭ ‬ورؤيته‭ ‬الشاسعة‭ ‬السابقة‭ ‬لعصرها،‭ ‬فبدأه‭ ‬باستفتاء‭ ‬شعبي‭ ‬حينما‭ ‬طرح‭ ‬مسودة‭ ‬ميثاق‭ ‬العمل‭ ‬الوطني‭ ‬لأخذ‭ ‬رأي‭ ‬الشعب‭ ‬بقبوله‭ ‬أو‭ ‬رفضه،‭ ‬فجاء‭ ‬القبول‭ ‬وتوافق‭ ‬الإرادات‭ ‬وكان‭ ‬الميثاق‭ ‬والعهد‭ ‬الأول‭ ‬والأساسي‭ ‬والدائم‭ ‬بين‭ ‬الإرادة‭ ‬الملكية‭ ‬السامية‭ ‬وإرادة‭ ‬الشعب‭ ‬الكريم،‭ ‬ومثل‭ ‬هذه‭ ‬الإرادة‭ ‬الأخيرة‭ ‬لا‭ ‬يمتلكها‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬يحمل‭ ‬الجنسية‭ ‬البحرينية‭ ‬والتي‭ ‬تُلقي‭ ‬على‭ ‬حاملها‭ ‬واجبات‭ ‬كثيرة‭ ‬أقلّها‭ ‬الوفاء‭ ‬والولاء‭ ‬والحب‭ ‬الأصيل‭ ‬لهذا‭ ‬الوطن،‭ ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ميثاق‭ ‬العمل‭ ‬الوطني‭ ‬هو‭ ‬الوثيقة‭ ‬التعاهدية‭ ‬والرابطة‭ ‬التي‭ ‬بدأ‭ ‬بها‭ ‬عهد‭ ‬جلالته،‭ ‬فقد‭ ‬جاء‭ ‬حديث‭ ‬جلالته‭ ‬ليؤكد‭ ‬تلك‭ ‬الرابطة‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬سبقته‭ ‬منذ‭ ‬قيام‭ ‬البحرين‭ ‬كدولة‭ ‬مستقلة‭ ‬ذات‭ ‬سيادة،‭ ‬وهي‭ ‬رابطة‭ ‬الجنسية‭ ‬التي‭ ‬ستكفل‭ ‬له‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الحقوق‭ ‬والمصالح‭ ‬والوثائق‭ ‬منها‭ ‬جواز‭ ‬السفر‭ ‬البحريني،‭ ‬ويؤكد‭ ‬جلالته‭ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬يُدرك‭ ‬من‭ ‬يحمله‭ ‬بأنه‭ ‬ليست‭ ‬وثيقة‭ ‬سفر‭ ‬فقط‭ ‬ولا‭ ‬إعلان‭ ‬تبعية‭ ‬لدولة‭ ‬ولكنها‭ ‬وثيقة‭ ‬عهد‭ ‬تُوّلد‭ ‬حقوقاً‭ ‬وواجبات‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يحملها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬منحتها،‭ ‬ومن‭ ‬أهم‭ ‬هذه‭ ‬الواجبات‭ ‬واجب‭ ‬الولاء‭ ‬والإخلاص‭ ‬والوفاء‭ ‬والحب‭ ‬والاحترام‭ ‬وحماية‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬بالقول‭ ‬والفعل،‭ ‬في‭ ‬السر‭ ‬والعلن،‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الشعور‭ ‬وفي‭ ‬وضح‭ ‬السلوك،‭ ‬وعليه‭ ‬فمن‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬وسلوكه‭ ‬أميناً‭ ‬على‭ ‬وطنه‭ ‬فهو‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬لا‭ ‬يستحق‭ ‬شرف‭ ‬حمل‭ ‬هذه‭ ‬الوثيقة‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬يتمتع‭ ‬بجنسية‭ ‬وطنه‭ ‬والانتماء‭ ‬إليه‭.‬

فالمواطن‭ ‬الصالح‭ ‬المُحب‭ ‬لوطنه‭ ‬يحمل‭ ‬بالفعل‭ ‬وطنه‭ ‬في‭ ‬قلبه،‭ ‬لذا‭ ‬يتمسك‭ ‬دائماً‭ ‬بالوطن‭ ‬باعتباره‭ ‬أهم‭ ‬ثوابته‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والعاطفية‭ ‬والسلوكية،‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الطمأنينة‭ ‬والسلم‭ ‬ووقت‭ ‬المحن‭ ‬والعدوان،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬سفيراً‭ ‬وممثلاً‭ ‬لهذا‭ ‬الوطن‭ ‬أينما‭ ‬كان‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬أرضه‭ ‬أو‭ ‬خارجه،‭ ‬في‭ ‬واقعه‭ ‬الفعلي‭ ‬أو‭ ‬عالمه‭ ‬الافتراضي،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬حينما‭ ‬يكون‭ ‬خارج‭ ‬الوطن،‭ ‬يكون‭ ‬الالتزام‭ ‬أكثر‭ ‬وأكبر،‭ ‬فالبحريني‭ ‬ليس‭ ‬بحاجة‭ ‬لأن‭ ‬يحمل‭ ‬حقيبة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬ليعكس‭ ‬صورة‭ ‬وواقع‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬العريقة،‭ ‬الكبيرة‭ ‬العظيمة‭ ‬بكل‭ ‬تفاصيلها‭ (‬ملكاً‭ ‬وتاريخاً‭ ‬وموقعاً‭ ‬وتضاريساً‭ ‬وثقافة‭ ‬وقيادة‭ ‬وشعباً‭) ‬والتي‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬يفخر‭ ‬بها‭ ‬كل‭ ‬بحريني‭ ‬وأن‭ ‬يرويها‭ ‬للعالم،‭ ‬بل‭ ‬يقوم‭ ‬بذلك‭ ‬باعتباره‭ ‬حاملا‭ ‬جنسيتها‭ ‬وفي‭ ‬يده‭ ‬جواز‭ ‬سفرها،‭ ‬أما‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أو‭ ‬يقول‭ ‬خلاف‭ ‬ذلك،‭ ‬فلا‭ ‬خير‭ ‬فيه‭ ‬لوطنه‭ ‬ولا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يرتبط‭ ‬اسمه‭ ‬به،‭ ‬وليحفظ‭ ‬الله‭ ‬بحريننا‭ ‬من‭ ‬شر‭ ‬الفتن‭ ‬ما‭ ‬ظهر‭ ‬منها‭ ‬وما‭ ‬بطن‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا