د. منصور سرحان: الكتاب ما زال محافظا على مكانته رغم التحول الرقمي
تقرير: مروة أحمد
تُعدّ الكتب ورواية القصص إرثًا إنسانيًا عظيمًا، فهي أدواتٌ فعّالة للتفكير النقدي والتأمل والتحرر، هذا المخزون الغني بالحكمة والروايات الإنسانية يُعزز الوعي بالتراث والتنوع الثقافي، ومن هذا المنطلق قررت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» في عام 1995 الاحتفال بالكتاب ومؤلفي الكتب، وذلك في الثالث والعشرين من أبريل من كل عام.
ولأن الكتاب أداة مؤثرة في تطور مستقبل الشعوب ووسيلة بالغة الأهمية لتدوين التاريخ بين صفحاته سعت مملكة البحرين لتعزيز ثقافة القراءة والاحتفاء بالمؤلف البحريني، وكان لهيئة الثقافة والآثار العديد من المبادرات والبرامج التي رسّخت مكانة الكتاب والمؤلف، حيث أطلقت في وقت سابق عددا من المبادرات الثقافية الساعية للترويج للإصدارات الأدبية مثل مبادرة «كتاب ومكان» التي تناولت نقاش مختلف الإصدارات ضمن مشروع «النشر المشترك» و«نقل المعارف».
ومن المبادرات الثقافية المعنية بشأن الكتاب والقراءة التي أطلقتها الهيئة كانت مجلة البحرين الثقافية التي أطلقت عددها الأول في ابريل 1993 والتي شجعت إلى احتواء المحتوى الثقافي وتشجيع المحرر على الكتابة في الشأن الثقافي، واليوم تمكنت هذه المجلة التي أصبحت نسختها إلكترونية وبعدد 116 اصدارًا أن تحتل موقعاً ثقافياً مهماً محلياً وعربياً، كما استطاعت أن تشكل مثالًا واضحًا على الانفتاح بكافّة أشكال التعبير الإبداعي بعيداً عن أي حجر أو وصاية أو انحياز إلى تيار أو مذهب فكري محدد، فاكتسبت بذلك احتراماً ومكانة ثقافية عالية في الأوساط الثقافية، واستقطبت أقلاماً عربية معروفة عززت من تقديم مادة ثقافية جديدة وغنية ومتنوعة.
وعلى يد أكثر من 15 أديبًا بحرينيًا تأسست أسرة جمعية أسرة الأدباء والكتاب كان بينهم عميد الثقافة والفكر البحريني الدكتور محمد جابر الأنصاري، وأحمد المناعي، ومحمد الماجد، وعلي عبدالله خليفة، وخلف أحمد خلف وراشد نجم الذين حملوا أمانة كبيرة وسعوا على مدار السنوات للحفاظ على شعار «الكلمة من أجل الإنسان» الذي سيبقى من أجل الحياة الأدبية والثقافية والإنسانية.
واحتضنت أسرة الأدباء والكتاب خلال مسيرتها المبدعين البحرينيين، وذلك بتوجيههم للكتـابة ونشـر إصداراتهم الأدبية ومسـاعدتهم في تلمّس طـريق الثقـافة مـن أجـل رفـد الحـراك الثقـافي دراسـةً ونقــداً، كمـا عملـت على تضـفير المنجـز الإبداعي بتشـكيل كيانات تعمـل في إطـار الأسرة.
وكان للمدارس الحكومية والخاصة في البحرين دور بارز في ترسيخ وتعزيز هواية قراءة الكتاب، التي دفعت عددا من الطلاب إلى المشاركة في «تحدي القراءة العربي» وفي النسخة التاسعة لعام 2025 تم تتويج الطالب محمد جاسم بالمركز الثاني في تحدي القراءة العربي ليكون الأول على مستوى البحرين وهو طالب في المدرسة الأهلية الخاصة، بالإضافة إلى منجزات البحرين في عالم الأدب وتم اختيار عميدة كلية الآداب بجامعة البحرين الدكتورة ضياء الكعبي ضمن لجنة تحكيم جائزة البوكر العربية لنسخة العام الحالي.
إلى جانب الجمعيات الأهلية المعنية بالكاتب والكتاب تم إطلاق مبادرة اجتماعية ثقافية تطوعية وهي «القراء البحرينيون»، التي تهدف إلى نشر ثقافة القراءة وتعزيزها في المجتمع البحريني عبر خلق بيئة تفاعلية محفزّة للقراءة، وتركز هذه المبادرة على الوصول إلى قراءة 15 ألف كتاب مقروء خلال العام من قبل أعضاء المبادرة سنويًا. وتقيم المبادرة مناقشات جماعية لكتب من مختلف المجالات الروائية والأدبية والعلمية، وإقامة مختلف أنواع الفعاليات في البحرين.
ولضمان استدامة المحافظة على القراءة أطلقت المبادرة تحديًا اسبوعيًا يقوم على اختيار كتاب بشكل اسبوعي ومناقشته خلال يوم الخميس، ويكون الكتاب بحجم صغير أو متوسط، وتأتي هذه المبادرة تشجيعًا على مواصلة القراءة، وتبادل الأفكار والآراء خلال مناقشة الكتاب. وبالنسبة للعام الحالي نشرت المبادرة أكثر من خمسين كتابًا متنوعًا من المقرر قراءته خلال هذا العام باللغتين العربية والإنجليزية. ومن المقرر قراءة ستة كُتب خلال أبريل الجاري.
وفي حديثه مع «أخبار الخليج» قال الدكتور الأديب والكاتب منصور سرحان إن التكنولوجيا الحديثة لعبت دورًا مهمًا في تراجع الاقبال على الورق كما أكد أن شريحة كبيرة من الجيل الجديد تُفضل قراءة الكتاب بشكل إلكتروني إلا أنه من خلال وجهة نظرته أن الورق مازال متحكمًا في صراع القراءة، بدليل أن الولايات المتحدة الأمريكية من أوائل الدول المنتجة للكتب الإلكترونية إلا أن الورق مازال مكتسحًا ساحة المطالعة. وأكد أن القراءة مازالت محافظة على رونقها وجوهرها سواءً تمت بالورق أو بشكل إلكتروني فهي مازالت تحقق الغاية منها وهي المعرفة.
كما أوضح أن الكتاب اليوم يواجه العديد من التحديات، على رأسها الحاجة الماسّة إلى المؤلف الجديد صاحب الخبرة والحصيلة، وذلك ليتمكن من استمالة الشباب نحو قراءة الكتب، ودعا إلى أهمية تشجيع المكتبات العامة للمؤلفين من خلال مساعدتهم في اصدار الكتب والمؤلفات.
وأوضح أن لمملكة البحرين تاريخًا سباقًا بالاحتفال باليوم العالمي للكتاب حيث بدأ الاحتفال بهذا اليوم في أوائل التسعينيات لتكون البحرين من الدول العربية الأولى التي اهتمت بهذا اليوم وكانت أول صور احتفالها هو تكريم مؤلف العام ودعمه أدبيًا من خلال طباعة مؤلفاته واصداراته لتشجيعه على الاستمرار.
وحول معاناة دور النشر اليوم في البحرين فقد كشف الدكتور منصور سرحان أن قلّة المؤلفين الموجودين في الساحة من أهم التحديات التي تواجه دور النشر بالإضافة إلى اكتساح الشاشة أمام الورق، فقد أكد وجود عدد من الكتاب والمؤلفين الذين أصبحوا اليوم يميلون إلى انتاج الكتاب الإلكتروني عن الورقي، ما شكل تحديًا أمام دور النشر.
وشجع في حديثه الشباب الجُدد المقبلين على التأليف والكتابة لتناول الجديد في مؤلفاتهم وذلك لنشر الفائدة، أما في مجال كتابة القصص فقد شدد على ضرورة بناء أساس القصة على فكر يتناول الخصال الإيجابية والفكر الثقافي الحسن والبناء.
أما بشـأن آخر اصداراته فقد قال الدكتور منصور سرحان انه من المقرر أن يدشن إصداره الخمسين في مايو المقبل والذي سيكون بعنوان «ومضات مضيئة من تاريخ البحرين» حيث سيحمل في طياته مجمعات صحفية خاصة به منذ عام 1983 إلى 2025 تتناول مختلف القطاعات في البحرين من بينهما الإعلام والبلديات. وسيركز الكتاب على النقلة النوعية في البحرين بمختلف قطاعاتها مع وزاراتها.
وفي اليوم العالمي للكتاب وفي مختلف الصفحات الاجتماعية بمنصات التواصل الاجتماعي جدد الشباب سؤاله عن مصير معرض البحرين الدولي للكتاب، حيث دعا عدد منهم من المهتمين بالقراءة والمطالعة إلى إعادة ادراج المعرض ضمن رزنامة المعارض السنوية في البحرين وإعادة افتتاحه لأهميته البالغة على الصعيد الثقافي والفكري والأدبي.
يذكر أن «اليونسكو» قد اختارت مدينة ميديلين بكولومبيا عاصمة عالمية للكتاب للعام المقبل، لتتوالى المدن المتوجة بهذا اللقب بعد الرباط بالمغرب للعام الحالي، وريو دي جانيرو في البرازيل لعام 2025. ويـأتي سبب اختيار ميديلين للعام المقبل لارتفاع عدد المكتبات فيها بنسبة 542% خلال سبعة عقود وتصدرها مؤشر القراءة الوطني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك