نقلة نوعية في الاستثمار والحوكمة والشفافية
انتقلنا من مرحلة البناء والتأسيس إلى النضج المؤسسي

أجرت الحوار: أمل الحامد
في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها قطاع الأوقاف في مملكة البحرين، وما يمثله من ركيزة أساسية في دعم التنمية المستدامة وتعزيز القيم الدينية والمجتمعية، يبرز مجلس الأوقاف السنية نموذجا مؤسسيا متقدما في الإدارة والحوكمة.
وفي هذا الإطار، أجرينا هذا الحوار مع الشيخ الدكتور راشد بن محمد بن فطيس الهاجري، رئيس مجلس إدارة الأوقاف السنية، للوقوف على أبرز ملامح التقرير السنوي لعام 2025، واستشراف مستقبل العمل الوقفي، حيث يمثل التقرير السنوي الأول للإدارة العامة للأوقاف السنية لعام 2025 محطة فارقة في تاريخ العمل الوقفي في مملكة البحرين، ليس فقط لأنه يوثق حصاد عام كامل من الإنجاز، بل لأنه يعكس تحولًا مؤسسيًّا عميقًا انتقلت فيه الإدارة من النمط التقليدي إلى نموذج مؤسسي متكامل يقوم على الحوكمة، والشفافية، والتحول الرقمي، والاستثمار المستدام.
التقرير، الذي جاء في 80 صفحة موزعة على أربعة فصول رئيسية، لم يكن مجرد سرد إحصائي للإنجازات، بل وثيقة استراتيجية تكشف عن إعادة بناء شاملة لمنظومة الوقف، سواء على مستوى الإدارة، أو الاستثمار، أو الخدمات المجتمعية، أو تنمية الموارد البشرية.
التحول المؤسسي في
الأوقاف السنية
*كيف تقيمون عام 2025 في مسار التحول المؤسسي للإدارة العامة للأوقاف السنية؟
-يمكنني القول إن عام 2025 لم يكن عامًا اعتياديًّا، بل شكَّل محطة مفصلية في مسيرة تطوير العمل الوقفي في مملكة البحرين. لقد انتقلنا خلال هذا العام من مرحلة البناء والتأسيس إلى مرحلة النضج المؤسسي، حيث أصبح الأداء أكثر تكاملًا واحترافية، قائمًا على التخطيط الاستراتيجي والحوكمة الرشيدة.
عملنا خلال هذا العام على إعادة هندسة العديد من الإجراءات، وتحديث البنية الإدارية، ورفع كفاءة الأداء في مختلف الإدارات. كما تم التركيز على تعزيز ثقافة العمل المؤسسي، بحيث لا يعتمد النجاح على الجهود الفردية، بل على منظومة متكاملة من السياسات والأنظمة.
ومن المهم الإشارة إلى أن ما تحقق لم يكن نتيجة ظرف طارئ، بل ثمرة تراكم سنوات من العمل، مدعومة برؤية واضحة، وإرادة جادة للتطوير، وبيئة عمل تشجع على الابتكار والمبادرة.
لقد عملنا على إعادة هيكلة الإدارة، وتطوير الإجراءات الداخلية، وإدخال أنظمة رقمية حديثة، بما يسهم في رفع الكفاءة التشغيلية، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين.
*ما أبرز ملامح الهوية المؤسسية التي اعتمدتها الأوقاف السنية؟
-الهوية المؤسسية للأوقاف السنية تقوم على ثلاثة محاور رئيسة أولًا: تعزيز رسالة المسجد بوصفه مركزًا للوعي الديني الوسطي، ثانيًا: تطوير إدارة الأوقاف بما يضمن كفاءة استخدام الموارد وتنميتها، ثالثًا: الحفاظ على القيم الوقفية الأصيلة القائمة على الأمانة والوسطية والإتقان.
واستعرض التقرير السنوي للإدارة المسار التاريخي للأوقاف منذ نشأتها الأولى عام 1927، وصولًا إلى مراحل التطور المؤسسي الحديثة التي شهدت توسعًا كبيرًا في الدور الاجتماعي والاقتصادي للأوقاف.
اليوم لم يعد دور الأوقاف مقتصرًا على إدارة المساجد، بل أصبح يشمل التنمية المجتمعية، والاستثمار، والتكافل الاجتماعي، والتعليم، ودعم المبادرات الوطنية.
التحول الاستثماري في الوقف
*التقرير أشار إلى تطور كبير في الاستثمار الوقفي، ما طبيعة هذا التحول؟
-التحول في الاستثمار الوقفي خلال عام 2025 يمكن وصفه بأنه نقلة استراتيجية، حيث انتقلت الإدارة من نموذج استثماري محدود إلى نموذج متكامل يقوم على التنويع، وتعظيم العوائد، وإدارة المخاطر.
اعتمدنا استراتيجية استثمارية تقوم على ثلاثة محاور، تنويع المحفظة الاستثمارية، حيث لم نعد نعتمد على الإيجارات التقليدية فقط، بل توسعنا في مشاريع التطوير العقاري، والاستثمارات التجارية، والشراكات مع القطاع الخاص.
عملنا على تعظيم العائد الوقفي، حيث تمت مراجعة العقود الاستثمارية، وإعادة التفاوض على بعض الأصول الوقفية، بما يحقق أعلى عائد ممكن دون الإخلال بشروط الواقفين.
بالإضافة إلى إدارة المخاطر عبر اعتماد سياسة توزيع الاستثمارات على قطاعات متعددة، بما يقلل من المخاطر ويعزز الاستدامة المالية.
أبرز المشاريع الاستثمارية الوقفية
*ما أبرز المشاريع الاستثمارية التي تم تنفيذها خلال 2025؟
-شهد عام 2025 تنفيذ مجموعة من المشاريع الاستثمارية النوعية، من أبرزها:
•إبرام 289 عقدًا استثماريًّا جديدًا
•تطوير أراضٍ وقفية ضمن مشاريع عقارية حديثة
•الدخول في شراكات مع القطاع الخاص لتنفيذ مشاريع تجارية
•إعادة هيكلة عدد من الأصول الوقفية لتعظيم العوائد
•إدراج أراضٍ وقفية ضمن منصات الاستثمار الحكومية
هذه المشاريع لم تكن مجرد توسع كمي، بل كانت تحولًا نوعيًا في فلسفة الاستثمار الوقفي، حيث أصبح الهدف هو تحقيق استدامة مالية طويلة الأمد تخدم الأجيال القادمة.
*كيف تضمنون أن هذه الاستثمارات تتماشى مع أهداف الوقف؟
-هذا سؤال جوهري، لأن الاستثمار في الأوقاف ليس هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق مقاصد الوقف. لذلك، نحرص على أن تكون جميع الاستثمارات متوافقة مع الشروط الشرعية للواقفين، وأن تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في خدمة المجتمع.
لدينا ضوابط شرعية وإدارية واضحة، يتم من خلالها مراجعة أي مشروع استثماري قبل اعتماده. كما نعمل بالتنسيق مع الجهات المختصة لضمان الالتزام بالقوانين والأنظمة.
الحوكمة المؤسسية والشفافية
*كيف انعكس التحول المؤسسي على منظومة الحوكمة؟
-الحوكمة كانت أحد أهم ركائز التحول المؤسسي في عام 2025، حيث تم إنشاء لجنة متخصصة للحوكمة والمخاطر والالتزام، إلى جانب لجان أخرى متخصصة في الاستثمار، والإيجارات، والمساجد، والمناقصات.
وقد أصدر مجلس الأوقاف السنية 311 قرارًا خلال العام، ما يعكس ديناميكية العمل المؤسسي وسرعة اتخاذ القرار.
كما تم تعزيز الشفافية المالية من خلال تطبيق معايير المحاسبة الدولية، إصدار تقارير مالية دورية، تعزيز الرقابة الداخلية والخارجية، والتعاون مع ديوان الرقابة المالية والإدارية.
الشفافية وثقة المجتمع
*بالانتقال إلى الشفافية كيف تعززون هذا الجانب في عملكم؟
-الشفافية تمثل ركيزة أساسية في عملنا، وهي عنصر لا يمكن التنازل عنه، خاصة عندما يتعلق الأمر بإدارة أموال الوقف التي هي في الأصل أمانة.
نعتمد في هذا الإطار على منظومة متكاملة تقوم على ثلاثة مستويات:
أولًا: الرقابة الداخلية، حيث يتم متابعة العمليات بشكل يومي وفق إجراءات واضحة.
ثانيًا: التدقيق الداخلي، الذي يقوم بمراجعة دورية للتأكد من الالتزام بالسياسات.
ثالثًا: الرقابة الخارجية، من خلال التعاون مع الجهات الرسمية والمكاتب المعتمدة.
كما نحرص على إصدار تقارير مالية دورية، تتضمن تفاصيل الإيرادات والمصروفات، بما يعزز من مستوى الإفصاح.
*هل هناك أدوات أو مبادرات جديدة لتعزيز الشفافية؟
-نعم، خلال عام 2025 أطلقنا عددًا من المبادرات في هذا المجال. من أبرزها تطوير أنظمة إلكترونية لإدارة العمليات المالية، تتيح تتبع المعاملات بشكل دقيق، وتقلل من احتمالات الخطأ.
كما قمنا بتفعيل قنوات التواصل مع الجمهور، بحيث يمكن للمستفيدين الاستفسار ومتابعة طلباتهم بسهولة. إضافة إلى ذلك، تم إنشاء مركز خدمة العملاء، الذي يلعب دورًا مهمًا في تعزيز التواصل والوضوح.
*كيف انعكست الشفافية على ثقة المجتمع؟
-الشفافية لها أثر مباشر على بناء الثقة، ونحن لمسنا ذلك بوضوح. كلما زادت درجة الوضوح والإفصاح، زادت ثقة المجتمع في المؤسسة، وهذا بدوره يشجع على المزيد من الوقف والمساهمة.
لاحظنا خلال الفترة الأخيرة زيادة في تفاعل المجتمع، سواء من خلال المبادرات أو التبرعات أو الشراكات، وهذا يعكس مستوى الثقة الذي تم بناؤه، وهو مؤشر مهم على نجاح السياسات المتبعة.
*ما العلاقة بين الاستثمار والشفافية في عملكم؟
-العلاقة بينهما وثيقة جدًا. لا يمكن أن يكون هناك استثمار ناجح دون شفافية، ولا يمكن تحقيق الشفافية دون وجود نظام استثماري منظم.
الاستثمار يحتاج إلى وضوح في البيانات، وإفصاح عن النتائج، ومتابعة دقيقة للأداء، وهذه كلها عناصر تدخل ضمن إطار الشفافية. وفي المقابل، الشفافية تعزز من كفاءة الاستثمار، لأنها تساعد في اتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة.
*التقرير أشار إلى حصول الإدارة على شهادات ISO، ماذا يمثل ذلك؟
-الحصول على شهادة ISO 9001:2015 في إدارة الجودة، وشهادة ISO 26000 في المسؤولية الاجتماعية، يمثل نقطة تحول مهمة في مسار الإدارة.
هذه الشهادات لم تأتِ صدفة، بل جاءت نتيجة عمل مؤسسي استمر أشهرا، شمل خمس مراحل رئيسية من التطوير والتقييم وإعادة الهيكلة.
كما أن الأوقاف السنية أصبحت ثالث جهة حكومية في البحرين تحصل على شهادة المسؤولية الاجتماعية، وهو إنجاز يعكس التزامنا بالمعايير العالمية.
المشاريع الوقفية والمساجد
*ماذا عن مشاريع إعمار المساجد خلال 2025؟
-شهد عام 2025 تنفيذ عدد كبير من المشاريع المتعلقة ببيوت الله، من أبرزها:
•افتتاح 13 مسجدًا جديدًا
•صيانة 141 مسجدًا
•إعادة تأهيل 3 مساجد
•وضع حجر الأساس لـ5 مساجد جديدة
كما أطلقنا مشروع «مفحص قطاة»، الذي يهدف إلى تمكين المجتمع من المساهمة في صيانة المساجد غير الموقوفة.
هذه المشاريع تعكس رؤية متكاملة لعمارة المساجد، تجمع بين الأصالة المعمارية والهوية البحرينية الحديثة.
التحول الرقمي وتطوير الخدمات
*هل شمل التحول المؤسسي الجانب الرقمي؟
-بالتأكيد، التحول الرقمي كان أحد أهم محاور التطوير في 2025.
قمنا بتطوير أنظمة إلكترونية لإدارة العمليات المالية والإدارية، وإنشاء مركز خدمة العملاء، وتفعيل قنوات التواصل مع الجمهور.
كما أصبح بالإمكان متابعة الطلبات والمعاملات بشكل إلكتروني، مما أسهم في رفع كفاءة الأداء وتقليل الوقت والإجراءات.
*كيف تم الاستثمار في العنصر البشري؟
-رأس المال البشري هو أساس نجاح أي مؤسسة، لذلك أوليناه اهتمامًا كبيرًا خلال عام 2025.
تم تنفيذ برامج تدريبية متخصصة للكوادر الإدارية والدينية، إضافة إلى برامج تطوير قيادي وإداري.
كما ركزنا على ترسيخ قيم الوسطية، والانتماء الوطني، والتسامح، من خلال برامج توعوية شاملة.
*ما دور الشراكات المجتمعية في دعم عمل الأوقاف؟
-الشراكات المجتمعية أصبحت عنصرًا أساسيًا في عملنا، حيث وقعنا عديدا من مذكرات التفاهم مع جهات حكومية وخاصة وجامعات ومؤسسات مجتمع مدني.
ومن أبرز المبادرات:
•مشاريع دعم ذوي العزيمة
•مبادرات ترشيد الطاقة في المساجد
•مشاريع الإطعام والمساعدات الاجتماعية
•برامج دعم التعليم والبحث العلمي
التحديات المستقبلية
*ما أبرز التحديات التي تواجه الأوقاف السنية؟
-هناك تحديات طبيعية مرتبطة بالبيئة الاقتصادية والتغيرات العالمية، إضافة إلى الحاجة المستمرة إلى تطوير الأنظمة ومواكبة التكنولوجيا.
لكننا نعتبر هذه التحديات فرصًا للتطوير، ونعمل على مواجهتها من خلال التخطيط الاستراتيجي والتحديث المستمر.
*كيف ترون مستقبل الأوقاف السنية؟
-نحن متفائلون جدًا بالمستقبل، حيث نسعى إلى بناء نموذج وقفي متطور يكون مرجعًا إقليميًّا في الإدارة والاستثمار.
نهدف إلى تعزيز الاستدامة المالية، وتوسيع الشراكات، وتطوير الخدمات الوقفية، بما يخدم المجتمع ويواكب تطلعات القيادة الرشيدة في مملكة البحرين.
ما كلمتكم الأخيرة
-في ختام هذا المسار التطويري الذي تشهده الإدارة العامة للأوقاف السنية، لا يسعنا إلا أن نعبِّر عن بالغ التقدير والامتنان للدعم الكبير والمتواصل الذي تحظى به الأوقاف من حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، والذي شكّل الأساس المتين لكل ما تحقق من إنجازات نوعية في مجالات الحوكمة والاستثمار وتطوير الخدمات الوقفية. كما نثمِّن المتابعة الحثيثة من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، والتي أسهمت في تسريع وتيرة التحول المؤسسي وتعزيز كفاءة الأداء.
إن دعم القيادة الرشيدة كان ولا يزال الدافع الأهم نحو ترسيخ مكانة الوقف كأداة تنموية فاعلة، تسهم في خدمة المجتمع وتحقيق الاستدامة، بما ينسجم مع تطلعات مملكة البحرين ورؤيتها المستقبلية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك