الحقيقة الثابتة التي باتت تتكرر عبر تاريخ الصراعات التي عشناها، أو قرأنا تاريخها، هي أن الحروب الكبرى في الشرق الأوسط كثيرًا ما تبدأ بضربة عسكرية وتنتهي بإعادة رسم ميزان القوى في المنطقة؛ وهذه الحقيقة هي المفتاح لفهم ما هو غير معلن من أهداف هذه الحروب؛ لأن إعادة رسم الخريطة لا تحدث بالخطابة، بل بالدم والثروات التي تُنهب.
الآن، وقد بات واضحا أن منطقتنا العربية تعيش حروب السيطرة على الموارد الاقتصادية، منذ بداية القرن الجديد، في عمليات نهب منظمة، إذ بات الاقتصاد هو العصب الحقيقي في التحولات الدولية والإقليمية الجارية، فإن ما يدور في الأذهان اليوم هو البحث حول سؤالين؛ الأول: هل حرب 2026، الدائرة في منطقة الخليج العربي اليوم، ستنتهي بتغيير في ميزان القوى، وفي طرق إمدادات الطاقة وإعادة رسم خرائط النقل؟؟؟... السؤال الثاني: هل المنطقة تعيش إرهاصات المراحل الأخيرة في مشاريع التحولات الجيواستراتيجية التي بدأت مع بداية القرن الجديد؟؟... أسئلة مباشرة، ستكتب الأحداث إجاباتها.
وسنحاول هنا الكشف عن بعضٍ من إرهاصات المراحل الأخيرة، الدائرة في المنطقة، التي قد تحدد أهدافًا أخرى غير معلنة للحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران في منطقة الخليج، التي يمكن وصفها بالصراع بين مشاريع إقليمية ودولية، تتقاطع في مفاصل وتتلاقى في أخرى... هناك من يراه صراعا بين «مشروع الشرق الأوسط الجديد» الأمريكي الذي يلتقي كثيرًا مع مشروع «خريطة إسرائيل الكبرى» التوسعي بأسانيد ورؤى دينية وسياسية، في جناح واحد من المعركة، أمام «مشروع أم القرى» الذي صاغه نظام ولاية الفقيه كإطار لتحديد طموح إيران التوسعي في المنطقة، مستندًا إلى رؤى مذهبية وسياسية.
هذا الوصف، وإن كان يحمل قدرًا من التبسيط، فهو يساعد في فهم الأبعاد الأيديولوجية والجيوسياسية العميقة للصراع، الذي يشكل في أهدافه ومواجهاته خطرًا وجوديًّا مباشرًا على المنطقة العربية الواقعة في قلب المشاريع المرسومة.
«إسرائيل الكبرى»..
المشروع التوسعي
مشروع «خريطة إسرائيل الكبرى» ليس مجرد نظرية، بل هو إطار استراتيجي يترجم أيديولوجية دينية وسياسية تهدف إلى توسيع حدود الكيان الإسرائيلي؛ وذريعته هو مرتكز ديني يقوم عليه هذا الفكر (المشروع) بشكل أساسي، وهو نصوص توراتية تَعِدُ «الأرض الموعودة» الممتدة من نهر النيل إلى نهر الفرات «للشعب اليهودي»، وهو ما يُعاد طرحه مؤخرًا في الخطاب السياسي الاسرائيلي، إذ لم يعد هذا الطرح حِكرًا على الأطراف الدينية المتطرفة، بل تبناه مسؤولون إسرائيليون بارزون وصُنّاع قرار. فقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وزعيم المعارضة يائير لابيد دعمهما العلني للرؤية التوسعية القائمة على فكر مشروع «النيل إلى الفرات».
والمقلق أن هذا التوجه حظي بدعم سياسي أمريكي علني، حين صرّح السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي بأنه «سيكون من الجيد لو أخذوها كلها»، في إشارة إلى الأرض من النيل إلى الفرات. وهذا التوجه السياسي يجد له ترجمة عملية على الأرض من خلال عمليات التوسع الاستيطاني المستمرة في الضفة الغربية وإجراءات ضم الأراضي، ومنها ما يجري في سوريا، وفي جنوب لبنان اليوم، ما يُنظر إليه على أنه ترجمة فعلية لأهداف المشروع.
«أم القرى».. المشروع التوسعي الإيراني
في مقابل المشروع الإسرائيلي التوسعي يُستخدم مصطلح «أم القرى» كإطار استراتيجي وأيديولوجي، لمشروع إيراني صاغه محمد جواد لاريجاني في محاضراته عام 1984، ثم وضعه في كتابه، باللغة الفارسية، عام 1991 بعنوان «مقولات في الاستراتيجية الوطنية: شرح نظرية أم القرى الشيعية» (مركز الترجمة والنشر التابع للحوزة العلمية- قم)، وتم نشره باللغة العربية عام 2008 (ترجمة ونشر مركز الدراسات العلمية).. وتقوم نظريته على فكرة أن إيران هي «أم القرى» (أي مركز وقلب العالم الإسلامي) التي يجب على جميع المسلمين حمايتها والولاء للولي الفقيه فيها.. وتهدف إلى ترسيخ مكانة إيران كدولة رائدة وقائدة للعالم الإسلامي، معتبرة أن مصلحتها العليا، كدولة إسلامية، تعلو على المصالح الوطنية للدول الإسلامية الأخرى، التي تُعتبر مجرد أطراف تابعة.
وعلى عكس المشروع الإسرائيلي الذي يُنظر إليه كخطة متحركة على الأرض، فإن مشروع «أم القرى» الإيراني لا يزال في مرحلة السعي لتحقيق طموحاته. إذ يرى العديد من المحللين أنه «لم يتحقق بعد»، ومازالت إيران تسعى للانتقال به من الإطار النظري إلى التطبيق العملي.
صراع المشاريع.. أبعاد ما وراء الحرب
ما يجمع هذه المشاريع الثلاثة هو أنها جميعًا مشاريع هيمنة وتوسع واستحواذ على النفوذ، تختلف فقط في هوية المهيمن ووسائل التنفذ.. وإن تحليل أبعاد الحرب كصراع بين هذه المشاريع يُظهر أنها تتجاوز الأسباب المباشرة (كالتصعيد النووي أو الرد على الاغتيالات) إلى أبعاد أعمق.
فلم يعد خافيًا أن هناك توافقًا على إنهاء الحروب غير المنتهية في جبهات إيران المنتشرة في المنطقة العربية، في معركة على رسم الخرائط، وعلى الموارد، وعلى هوية الشرق الأوسط القادم.
بعد تحقيق هدف إسقاط نظام العراق (2003)، بالتحالف الأمريكي الإسرائيلي الإيراني، وإضعاف الدولة كأهم وأقوى أعمدة المعارضة العربية للمشاريع الغربية في المنطقة، تتوافق اليوم الرؤية الإسرائيلية والأمريكية على هدف تكتيكي مشترك، هو أن إضعاف إيران وإسقاط مشروعها التوسعي هو الخطوة التمهيدية لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، وتمهيد الطريق لـ«إسرائيل الكبرى».
تهدف الحرب إلى تحقيق هدفين متلازمين: تدمير «العمق الاستراتيجي الإيراني» المتمثل في أذرعها في العواصم العربية، وخلق واقع جديد يعيد رسم حدود النفوذ في المنطقة.
ورغم أن دول الخليج تُعتبر الهدف المباشر للهجمات الإيرانية، فإن شعور هذه الدول بالخطر الوجودي من طهران لم يدفعها إلى أن تبدي أي تقارب مع إسرائيل والولايات المتحدة في مواجهة عدو مشترك... لكن في الوقت نفسه، هناك تخوف خليجي عميق من أن تتحول الحرب إلى أداة لتمكين الهيمنة الإسرائيلية، وهو ما يجعل موقفها مُعقدًا وحذرًا. وقد كان الرفض العربي الرسمي، بما في ذلك من دول الخليج، لتصريحات السفير هاكابي حول «إسرائيل الكبرى» دليلا على إدراك هذا الخطر ورفضه.
باختصار، إن توصيف الحرب في الخليج كمواجهة بين «مشروع إسرائيل الكبرى» و«مشروع أم القرى» ليس مجرد شعارات سياسية، بل هو قراءة معمقة لجذور الصراع وأهدافه. إنها معركة بين رؤيتين: الأولى تسعى لتوسيع السيادة الإسرائيلية على حساب دول المنطقة، والثانية تهدف إلى ترسيخ النفوذ الإيراني كقوة مركزية لا يمكن تجاوزها على حساب دول المنطقة. وهكذا، فإن ما يحدث في الخليج ليس مجرد حرب بالوكالة، بل هو صراع وجودي على خريطة المنطقة ومستقبلها بين مشاريع استراتيجية متشابهة ومتناقضة، متلاقية ومتقاطعة.
الحرب في الخليج اليوم هي ساحة التصادم المباشر لهذه المشاريع الثلاثة، كل طرف يحاول ترجمة هدفه غير المعلن إلى واقع على الأرض، والمنطقة تدفع ثمن ذلك من دماء شعوبها واستقرارها، ومستقبلها.
sr@sameerarajab.net

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك