العدد : ١٧٥٤٢ - الجمعة ٠٣ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٢ - الجمعة ٠٣ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤٧هـ

مقالات

نجوم تحت الأضواء
لا أكذب ولكنّي أتجمّل

بقلم: فاطمة اليوسف.

الجمعة ٠٣ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

منذ‭ ‬زمنٍ‭ ‬طويل،‭ ‬وكلما‭ ‬حلّ‭ ‬شهر‭ ‬أبريل‭ ‬تنتشر‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬دعاباتٌ‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬نوعٍ‭ ‬من‭ ‬الكذب‭ ‬يُقدَّم‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬مزاح؛‭ ‬منه‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬خفيف‭ ‬عابر،‭ ‬ومنه‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬ثقيلًا‭ ‬حدّ‭ ‬الإيذاء،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعضه‭ ‬قد‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الدعابة‭ ‬ليترك‭ ‬أثرًا‭ ‬نفسيًا‭ ‬قاسيًا‭ ‬لا‭ ‬يُستهان‭ ‬به‭. ‬ونحن‭ ‬اليوم‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬زمنٍ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬معظمنا‭ ‬يحتمل‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬المزاح؛‭ ‬زمنٌ‭ ‬تتكاثف‭ ‬فيه‭ ‬الضغوط،‭ ‬وتضيق‭ ‬فيه‭ ‬مساحات‭ ‬التلقي،‭ ‬حتى‭ ‬باتت‭ ‬الحقيقة‭ ‬نفسها‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة،‭ ‬فكيف‭ ‬بالكذب‭ ‬حين‭ ‬يُمارَس‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ ‬الترفيه؟

ومن‭ ‬بين‭ ‬الأفلام‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬اندرجت‭ ‬تحت‭ ‬عناوين‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬الكذب،‭ ‬يبرز‭ ‬فيلم‭ ‬“لا‭ ‬أكذب‭ ‬ولكنّي‭ ‬أتجمّل”،‭ ‬المأخوذ‭ ‬عن‭ ‬قصة‭ ‬الأديب‭ ‬إحسان‭ ‬عبد‭ ‬القدوس،‭ ‬بوصفه‭ ‬عملًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬سطح‭ ‬الحكاية‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬السؤال‭: ‬أين‭ ‬ينتهي‭ ‬الكذب،‭ ‬وأين‭ ‬يبدأ‭ ‬التجميل؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬أصلًا‭ ‬تبرير‭ ‬الانزلاق‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬حين‭ ‬نمنحه‭ ‬اسمًا‭ ‬أكثر‭ ‬لطفًا؟

في‭ ‬جوهره،‭ ‬لا‭ ‬يتعامل‭ ‬الفيلم‭ ‬مع‭ ‬الكذب‭ ‬كفعلٍ‭ ‬منفصل‭ ‬عن‭ ‬الإنسان،‭ ‬بل‭ ‬كحالةٍ‭ ‬وجودية‭ ‬تتسلل‭ ‬إلى‭ ‬سلوكه‭ ‬حين‭ ‬يضيق‭ ‬به‭ ‬الواقع‭. ‬فالكذب‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬خيانة‭ ‬للحقيقة،‭ ‬بل‭ ‬محاولة‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيلها‭ ‬بما‭ ‬يجعلها‭ ‬أكثر‭ ‬احتمالًا‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬الآخرين‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المحاولة،‭ ‬مهما‭ ‬بدت‭ ‬“جميلة”‭ ‬في‭ ‬ظاهرها،‭ ‬تظل‭ ‬محكومة‭ ‬بشيء‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬الزينة،‭ ‬إنها‭ ‬محكومة‭ ‬بالقلق‭.‬

البطل‭ ‬الذي‭ ‬جسّده‭ ‬أحمد‭ ‬زكي‭ ‬لا‭ ‬يكذب‭ ‬بدافع‭ ‬الخداع‭ ‬المجرد،‭ ‬بل‭ ‬بدافع‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يُرى‭ ‬كما‭ ‬يتمنى‭ ‬أن‭ ‬يكون،‭ ‬لا‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬كائن‭. ‬إنه‭ ‬يعيش‭ ‬انقسامًا‭ ‬داخليًا‭ ‬بين‭ ‬واقعٍ‭ ‬يفرض‭ ‬عليه‭ ‬محدوديته،‭ ‬وصورةٍ‭ ‬ذهنية‭ ‬عن‭ ‬ذاته‭ ‬تتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬الحدود‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬التمزق‭ ‬يولد‭ ‬ما‭ ‬يُسمّى‭ ‬“التجميل”،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬ليس‭ ‬تجميلًا‭ ‬للواقع‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إزاحة‭ ‬مؤقتة‭ ‬لثقله‭.‬

لكن‭ ‬الفلسفة‭ ‬الأعمق‭ ‬التي‭ ‬يكشفها‭ ‬العمل‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الكذب،‭ ‬حتى‭ ‬حين‭ ‬يُقدَّم‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬لطيفة‭ ‬أو‭ ‬مبرَّرة،‭ ‬لا‭ ‬يكتسب‭ ‬أبدًا‭ ‬لونًا‭ ‬جماليًا‭ ‬حقيقيًا‭. ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬فنًا‭ ‬في‭ ‬التخفيف،‭ ‬ولا‭ ‬مهارة‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬الصورة،‭ ‬بل‭ ‬يظل‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬غامضًا،‭ ‬مضطربًا،‭ ‬بلا‭ ‬ملامح‭ ‬ثابتة‭. ‬إنه‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬حقيقي‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬مُختلق،‭ ‬بحيث‭ ‬يفقد‭ ‬الإنسان‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بينهما‭ ‬بوضوح‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبدو‭ ‬شخصية‭ ‬الفتاة‭ (‬آثار‭ ‬الحكيم‭) ‬تجسيدًا‭ ‬لفكرة‭ ‬أعمق‭: ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬أسر‭ ‬الصورة‭ ‬قبل‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وفي‭ ‬سحر‭ ‬الانطباع‭ ‬قبل‭ ‬جوهره‭. ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬الكذب‭ ‬مجرد‭ ‬فعل‭ ‬فردي،‭ ‬بل‭ ‬يصبح‭ ‬انعكاسًا‭ ‬لبنية‭ ‬اجتماعية‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬تقديس‭ ‬المظهر،‭ ‬وتؤجل‭ ‬مساءلة‭ ‬العمق‭. ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬يصبح‭ ‬“التجميل”‭ ‬مقبولًا‭ ‬اجتماعيًا،‭ ‬لكنه‭ ‬يظل‭ ‬هشًّا‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬لأنه‭ ‬مبني‭ ‬على‭ ‬قابلية‭ ‬الانهيار‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة‭ ‬كشف‭.‬

أما‭ ‬شخصية‭ ‬الأب‭ ‬التي‭ ‬جسدها‭ ‬صلاح‭ ‬ذو‭ ‬الفقار،‭ ‬فهي‭ ‬تمثل‭ ‬صوتًا‭ ‬عقلانيًا‭ ‬هادئًا،‭ ‬لا‭ ‬يندفع‭ ‬نحو‭ ‬الإدانة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬الفهم‭. ‬فهو‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الكذب‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬خلل‭ ‬أخلاقي‭ ‬بسيط،‭ ‬بل‭ ‬نتيجة‭ ‬لضغط‭ ‬الحياة‭ ‬حين‭ ‬تدفع‭ ‬الإنسان‭ ‬ليكون‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يستطيع‭ ‬تحمّله،‭ ‬أو‭ ‬أقل‭ ‬مما‭ ‬يقدر‭ ‬على‭ ‬الاعتراف‭ ‬به‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الفهم‭ ‬لا‭ ‬يُحوِّل‭ ‬الكذب‭ ‬إلى‭ ‬قيمة،‭ ‬بل‭ ‬يكشف‭ ‬هشاشته‭ ‬من‭ ‬الداخل‭.‬

ومع‭ ‬تطور‭ ‬الأحداث،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬الكذب،‭ ‬مهما‭ ‬بدا‭ ‬متماسكًا،‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬الزمن‭. ‬فهو‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بناءٍ‭ ‬دائم‭ ‬من‭ ‬التبرير‭ ‬والتعديل‭ ‬والتصحيح،‭ ‬حتى‭ ‬يغدو‭ ‬عبئًا‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬حيلة‭. ‬وحين‭ ‬تتراكم‭ ‬هذه‭ ‬الأعباء،‭ ‬يبدأ‭ ‬البناء‭ ‬في‭ ‬التشقق،‭ ‬لا‭ ‬لأن‭ ‬الحقيقة‭ ‬تنتقم،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬الباطل‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬دون‭ ‬إجهادٍ‭ ‬مستمر‭.‬

وهنا‭ ‬تتجلى‭ ‬المفارقة‭ ‬الفلسفية‭ ‬الكبرى،‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يُسمّى‭ ‬“تجميلًا”‭ ‬لا‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬الكذب‭ ‬جمالًا،‭ ‬بل‭ ‬يمنحه‭ ‬فقط‭ ‬قناعًا‭ ‬مؤقتًا‭. ‬هذا‭ ‬القناع‭ ‬قد‭ ‬يُقنع‭ ‬العين‭ ‬للحظة،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يُغيّر‭ ‬جوهر‭ ‬الفعل‭. ‬فالكذب،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬لونًا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُرى‭ ‬بوضوح؛‭ ‬إنه‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬غيمة‭ ‬رمادية‭ ‬تتكاثف‭ ‬في‭ ‬الإدراك،‭ ‬وتترك‭ ‬خلفها‭ ‬أثرًا‭ ‬من‭ ‬الشك‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬تلاشيها‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬يصبح‭ ‬شهر‭ ‬أبريل‭ ‬نفسه‭ ‬رمزًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬لهذه‭ ‬الإشكالية،‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للمجتمع‭ ‬أن‭ ‬يُطبع‭ ‬الكذب‭ ‬داخل‭ ‬إطار‭ ‬المزاح،‭ ‬بينما‭ ‬يظل‭ ‬أثره‭ ‬النفسي‭ ‬قابلًا‭ ‬للامتداد‭ ‬خارج‭ ‬لحظة‭ ‬الضحك؟‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬للإنسان‭ ‬أن‭ ‬يفرّق‭ ‬بين‭ ‬كذبٍ‭ ‬يُراد‭ ‬به‭ ‬الترفيه،‭ ‬وكذبٍ‭ ‬يُنتج‭ ‬اهتزازًا‭ ‬في‭ ‬الثقة؟

الفيلم،‭ ‬لا‭ ‬يقدم‭ ‬إدانة‭ ‬مباشرة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬سؤالًا‭ ‬وجوديًا‭ ‬أعمق‭: ‬هل‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬الكذب‭ ‬ذاته،‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬الحاجة‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬تزييف‭ ‬صورته‭ ‬كي‭ ‬يُقبَل؟‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يبقى‭ ‬الجواب‭ ‬الفلسفي‭ ‬الأكثر‭ ‬رسوخًا‭ ‬أن‭ ‬الكذب،‭ ‬مهما‭ ‬تزيّن‭ ‬أو‭ ‬تلطّف،‭ ‬لا‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬جميلة،‭ ‬ولا‭ ‬يكتسب‭ ‬لونًا‭ ‬يمكن‭ ‬الاطمئنان‭ ‬إليه‭. ‬إنه‭ ‬يظل‭ ‬غامضًا،‭ ‬عالقًا‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬وما‭ ‬يُراد‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يكون،‭ ‬تاركًا‭ ‬خلفه‭ ‬أثرًا‭ ‬لا‭ ‬يُمحى‭ ‬بسهولة‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬والذاكرة‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا