العدد : ١٧٥٧١ - السبت ٠٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧١ - السبت ٠٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقالات

تأثير الفراشة في زمن الحروب.. حين ترتجف صناعة السفر والتجارة العالمية

بقلم: حمد أمين.

الأربعاء ١٨ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬هناك‭ ‬قاعدة‭ ‬يعرفها‭ ‬جيدًا‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬السفر‭: ‬السياحة‭ ‬هي‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬يتأثر‭ ‬بالأزمات‭ ‬وآخر‭ ‬من‭ ‬يتعافى‭ ‬منها‭. ‬فعندما‭ ‬تهتز‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية،‭ ‬ترتجف‭ ‬معها‭ ‬حركة‭ ‬السفر‭ ‬والتجارة‭ ‬حول‭ ‬العالم‭.‬

الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬اليوم‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬صراعًا‭ ‬عسكريًا‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬جغرافي‭ ‬محدود‭. ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬تداعياتها‭ ‬تمتد‭ ‬أبعد‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬خطوط‭ ‬النار‭. ‬فنحن‭ ‬أمام‭ ‬مثال‭ ‬واضح‭ ‬لما‭ ‬يُعرف‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬تأثير‭ ‬الفراشة»؛‭ ‬حين‭ ‬يؤدي‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬معينة‭ ‬إلى‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬التغيرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬بأسره‭.‬

قطاع‭ ‬السفر‭ ‬والسياحة‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬هذا‭ ‬التأثير‭.‬

فالشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬منطقة‭ ‬على‭ ‬الخريطة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مفصل‭ ‬حيوي‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬الطيران‭ ‬العالمية‭. ‬آلاف‭ ‬الرحلات‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬أوروبا‭ ‬بآسيا‭ ‬تمر‭ ‬يوميًا‭ ‬عبر‭ ‬أجوائه‭. ‬وعندما‭ ‬تتوقف‭ ‬حركة‭ ‬الطيران‭ ‬أو‭ ‬تتقلص‭ ‬بسبب‭ ‬التوترات‭ ‬الأمنية،‭ ‬فإن‭ ‬التأثير‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬المسافرين‭ ‬والسياح‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭.‬

فالطيران‭ ‬المدني‭ ‬لا‭ ‬ينقل‭ ‬الركاب‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يحمل‭ ‬كذلك‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الشحنات‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬العالية‭ ‬مثل‭ ‬الأدوية‭ ‬والإلكترونيات‭ ‬وقطع‭ ‬الغيار‭ ‬والمنتجات‭ ‬سريعة‭ ‬التلف‭. ‬وتشير‭ ‬تقديرات‭ ‬اتحاد‭ ‬النقل‭ ‬الجوي‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬ثلث‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القيمة‭ ‬يتم‭ ‬نقلها‭ ‬جوًا،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬تعطّل‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الطيران‭ ‬عاملًا‭ ‬مؤثرًا‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬العالمية‭.‬

لكن‭ ‬التأثير‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الطائرات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬نفس‭ ‬المسافر‭.‬

فالمسافر‭ ‬العادي‭ ‬لا‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأخبار‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬بدقة‭ ‬الجغرافيين‭ ‬أو‭ ‬خبراء‭ ‬السياسة‭. ‬عندما‭ ‬يسمع‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬توتر‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬قراره‭ ‬غالبًا‭ ‬يكون‭ ‬بسيطًا‭: ‬تجنب‭ ‬المنطقة‭ ‬بالكامل‭. ‬وهنا‭ ‬تبدأ‭ ‬الحلقة‭ ‬الأخطر‭ ‬في‭ ‬تأثير‭ ‬الفراشة؛‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تتضرر‭ ‬الدول‭ ‬المتأثرة‭ ‬مباشرة‭ ‬بالحرب‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬الخسائر‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬مستقرة‭ ‬بالكامل‭ ‬لكنها‭ ‬تقع‭ ‬ضمن‭ ‬نفس‭ ‬الإقليم‭.‬

ثم‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬العامل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭: ‬النفط‭.‬

فالشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬يحتضن‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬شرايين‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وهو‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬الذي‭ ‬يمر‭ ‬عبره‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬عشرون‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬إمدادات‭ ‬النفط‭ ‬العالمية‭ ‬يوميا‭. ‬ومع‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬وإغلاق‭ ‬المضيق‭ ‬فعليًا،‭ ‬دخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين‭.‬

إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬اضطرابًا‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة،‭ ‬بل‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬الطيران‭ ‬والسفر‭. ‬فارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬يؤدي‭ ‬سريعًا‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكلفة‭ ‬وقود‭ ‬الطائرات،‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬بنود‭ ‬التشغيل‭ ‬لشركات‭ ‬الطيران‭. ‬ومع‭ ‬زيادة‭ ‬هذه‭ ‬التكاليف،‭ ‬يصبح‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬التذاكر‭ ‬أمرًا‭ ‬شبه‭ ‬حتمي،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬بدوره‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬السفر،‭ ‬خصوصًا‭ ‬الرحلات‭ ‬الطويلة‭.‬

لكن‭ ‬التأثير‭ ‬الأعمق‭ ‬للأزمة‭ ‬يظهر‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭. ‬فاقتصادات‭ ‬الخليج‭ ‬قامت‭ ‬تاريخيًا‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬والطاقة‭ ‬واللوجستيات‭ ‬العالمية‭. ‬ومع‭ ‬تعطل‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وتراجع‭ ‬حركة‭ ‬الطيران‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬تتعرض‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬لاختبار‭ ‬اقتصادي‭ ‬حقيقي‭.‬

فالموانئ‭ ‬الخليجية،‭ ‬وشبكات‭ ‬الطيران‭ ‬الإقليمية،‭ ‬ومراكز‭ ‬العبور‭ ‬العالمية‭ ‬مثل‭ ‬دبي‭ ‬والدوحة‭ ‬وأبوظبي،‭ ‬تلعب‭ ‬دورًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭. ‬وأي‭ ‬اضطراب‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬مسارات‭ ‬التجارة‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭.‬

وقد‭ ‬نشهد‭ ‬نتيجة‭ ‬لذلك‭ ‬تحولات‭ ‬في‭ ‬الخارطة‭ ‬التجارية‭ ‬العالمية،‭ ‬مثل‭:‬

‭* ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مسارات‭ ‬شحن‭ ‬بديلة‭.‬

‭* ‬زيادة‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬موانئ‭ ‬وممرات‭ ‬جديدة‭ ‬خارج‭ ‬المنطقة‭.‬

‭* ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬مراكز‭ ‬العبور‭ ‬اللوجستية‭ ‬عالميًا‭.‬

وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المفارقة‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬الأزمات‭ ‬العالمية‭: ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تدمّر‭ ‬الأنظمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيلها‭.‬

فحين‭ ‬تنكمش‭ ‬السياحة‭ ‬في‭ ‬منطقة،‭ ‬تنتعش‭ ‬في‭ ‬أخرى‭. ‬وحين‭ ‬تتعطل‭ ‬مسارات‭ ‬التجارة،‭ ‬تظهر‭ ‬مسارات‭ ‬بديلة‭. ‬وهكذا‭ ‬يعاد‭ ‬رسم‭ ‬التوازن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬استجابة‭ ‬للواقع‭ ‬الجديد‭.‬

لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬أزمة‭ ‬مؤقتة،‭ ‬أم‭ ‬بداية‭ ‬تحول‭ ‬جيوسياسي‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬والطيران‭ ‬في‭ ‬العالم؟

إذا‭ ‬طال‭ ‬أمد‭ ‬هذه‭ ‬التوترات،‭ ‬فقد‭ ‬نشهد‭ ‬تغيرًا‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬السفر‭ ‬والتجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬عامل‭ ‬الأمان‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬محددات‭ ‬حركة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الدولي‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يبقى‭ ‬التاريخ‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬حقيقة‭ ‬مهمة‭: ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬يتكيف‭ ‬دائمًا‭. ‬فالتجارة‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬طرقها،‭ ‬والسياحة‭ ‬تعيد‭ ‬توزيع‭ ‬وجهاتها،‭ ‬لكن‭ ‬الثابت‭ ‬الوحيد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الاستقرار‭ ‬يظل‭ ‬العامل‭ ‬الأهم‭ ‬لازدهار‭ ‬السفر‭ ‬والتجارة‭.‬

وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬قد‭ ‬تبدأ‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬غرف‭ ‬القرار‭ ‬السياسي،‭ ‬لكنها‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بطرق‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬متوقعة‭ ‬—‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬تأثير‭ ‬الفراشة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا