العدد : ١٧٥٢٥ - الثلاثاء ١٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢٥ - الثلاثاء ١٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ رمضان ١٤٤٧هـ

مقالات

اختبار قوة الأساسيات

بقلم: عدنان أحمد يوسف

الاثنين ١٦ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

تمرّ‭ ‬أسواق‭ ‬الأسهم‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬بمرحلة‭ ‬اختبار‭ ‬حساسة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬المتسارعة‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬القراءة‭ ‬المتأنية‭ ‬لتطورات‭ ‬الأسواق‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬ضعفاً‭ ‬في‭ ‬الأساسيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أو‭ ‬المالية،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬استجابة‭ ‬طبيعية‭ ‬لموجة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬المؤقت‭ ‬الذي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يصاحب‭ ‬الأزمات‭ ‬الإقليمية‭. ‬فالأسواق‭ ‬المالية‭ ‬بطبيعتها‭ ‬حساسة‭ ‬للأحداث‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية،‭ ‬لكن‭ ‬التجربة‭ ‬الخليجية‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬تظهر‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬المراكز‭ ‬المالية‭ ‬الحكومية‭ ‬وعمق‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬يشكلان‭ ‬عنصر‭ ‬التوازن‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الصدمات‭.‬

في‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬للتصعيد،‭ ‬ظهرت‭ ‬ردّة‭ ‬فعل‭ ‬سريعة‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬موجة‭ ‬بيع‭ ‬أولية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأسواق،‭ ‬وهو‭ ‬سلوك‭ ‬مألوف‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬حيث‭ ‬يسعى‭ ‬المستثمرون‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تسعير‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التراجعات‭ ‬بقيت‭ ‬ضمن‭ ‬نطاق‭ ‬محدود‭ ‬نسبياً‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬تشهده‭ ‬أسواق‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬مشابهة‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬المؤشرات‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬بعد‭ ‬الهبوط‭ ‬الأولي،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬انتقال‭ ‬المستثمرين‭ ‬سريعاً‭ ‬من‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬العاطفي‭ ‬إلى‭ ‬التقييم‭ ‬الأكثر‭ ‬عقلانية‭ ‬للأصول‭ ‬والقطاعات‭.‬

التباين‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬الأسواق‭ ‬الخليجية‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬يعكس‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬اختلاف‭ ‬توقيت‭ ‬التداول‭ ‬والقرارات‭ ‬التنظيمية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دولة،‭ ‬وليس‭ ‬اختلافاً‭ ‬جوهرياً‭ ‬في‭ ‬قوة‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬فبعض‭ ‬الأسواق‭ ‬فضّلت‭ ‬تعليق‭ ‬التداول‭ ‬أو‭ ‬إغلاقه‭ ‬المؤقت‭ ‬لامتصاص‭ ‬الصدمة‭ ‬ومنع‭ ‬تقلبات‭ ‬حادة‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬أو‭ ‬سيولة‭ ‬السوق‭. ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬التنظيمية‭ ‬ليست‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬بل‭ ‬تُعد‭ ‬أداة‭ ‬احترازية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬ومنح‭ ‬المستثمرين‭ ‬فرصة‭ ‬لإعادة‭ ‬تقييم‭ ‬التطورات‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الضغوط‭ ‬اللحظية‭.‬

ورغم‭ ‬الضغوط‭ ‬المؤقتة،‭ ‬فإن‭ ‬الأساسيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قوية‭ ‬وصحية‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭. ‬فاقتصادات‭ ‬المنطقة‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬احتياطيات‭ ‬مالية‭ ‬ضخمة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬صناديق‭ ‬ثروة‭ ‬سيادية‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وتقدَّر‭ ‬أصولها‭ ‬مجتمعة‭ ‬بتريليونات‭ ‬الدولارات‭. ‬هذه‭ ‬الموارد‭ ‬تمنح‭ ‬الحكومات‭ ‬الخليجية‭ ‬قدرة‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬التدخل‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭ ‬لدعم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أو‭ ‬المالي،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬السياسات‭ ‬المالية‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬أدوات‭ ‬السيولة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المصرفي‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬التاريخية‭ ‬بين‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬وأسعار‭ ‬النفط‭ ‬تلعب‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬موازنة‭ ‬المخاطر‭. ‬ففي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬يؤدي‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستوى‭ ‬المخاطر‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬إبقائها‭ ‬عند‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬نسبياً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬الإيرادات‭ ‬الحكومية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المنتجة‭ ‬للنفط‭. ‬هذه‭ ‬الإيرادات‭ ‬تمثل‭ ‬بدورها‭ ‬وسادة‭ ‬مالية‭ ‬مهمة‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬تخفيف‭ ‬انتقال‭ ‬الصدمات‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحقيقي،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬استمرار‭ ‬الإنفاق‭ ‬الحكومي‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬دعم‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬يتمتع‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬الخليجي‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬المتانة‭ ‬والرسملة‭ ‬القوية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬خط‭ ‬دفاع‭ ‬إضافياً‭ ‬لاستقرار‭ ‬الأسواق‭.‬‭ ‬فالبنوك‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬تخضع‭ ‬لأطر‭ ‬تنظيمية‭ ‬ورقابية‭ ‬متقدمة،‭ ‬وتتمتع‭ ‬بمستويات‭ ‬سيولة‭ ‬مرتفعة‭ ‬ونسب‭ ‬كفاية‭ ‬رأسمال‭ ‬تفوق‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬المتطلبات‭ ‬الدولية‭. ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬تضمن‭ ‬استمرار‭ ‬تدفق‭ ‬التمويل‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬التقلبات،‭ ‬وتحدّ‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬انتقال‭ ‬الضغوط‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬القطاعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المختلفة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الخبرة‭ ‬التي‭ ‬اكتسبتها‭ ‬الحكومات‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬تعزز‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التطورات‭ ‬الحالية‭. ‬فقد‭ ‬نجحت‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬احتواء‭ ‬تداعيات‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬مرونة‭ ‬ملحوظة‭ ‬خلال‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬حيث‭ ‬لعبت‭ ‬السياسات‭ ‬المالية‭ ‬الداعمة‭ ‬والسيولة‭ ‬المصرفية‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والنشاط‭ ‬التجاري‭. ‬واليوم،‭ ‬تبدو‭ ‬نقطة‭ ‬الانطلاق‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الفترات‭ ‬السابقة،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬مستويات‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬المالية‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬جاهزية‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭.‬

وفي‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات،‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬التقلبات‭ ‬الحالية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بمسار‭ ‬التطورات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬ومدة‭ ‬استمرارها‭. ‬فإذا‭ ‬بقيت‭ ‬التوترات‭ ‬ضمن‭ ‬نطاق‭ ‬زمني‭ ‬محدود،‭ ‬فإن‭ ‬الأسواق‭ ‬قد‭ ‬تشهد‭ ‬عودة‭ ‬تدريجية‭ ‬إلى‭ ‬الاستقرار‭ ‬مع‭ ‬انحسار‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬استمرار‭ ‬الضغوط‭ ‬فترة‭ ‬أطول،‭ ‬فإن‭ ‬قدرة‭ ‬الحكومات‭ ‬الخليجية‭ ‬على‭ ‬التدخل‭ ‬عبر‭ ‬أدواتها‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية‭ ‬ستبقى‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬الأسواق‭.‬

بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬لا‭ ‬تواجه‭ ‬أسواق‭ ‬الخليج‭ ‬أزمة‭ ‬ثقة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تمر‭ ‬بمرحلة‭ ‬اختبار‭ ‬للمخاطر‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬قوة‭ ‬الأساسيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية،‭ ‬ووفرة‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬والسيولة،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الأسواق‭ ‬تمتلك‭ ‬من‭ ‬مقومات‭ ‬الاستقرار‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬لها‭ ‬بامتصاص‭ ‬الصدمات‭ ‬المؤقتة‭ ‬والاستمرار‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬دورها‭ ‬كمحرك‭ ‬أساسي‭ ‬للنشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاستثماري‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا