العدد : ١٧٥١٧ - الاثنين ٠٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٧ - الاثنين ٠٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رمضان ١٤٤٧هـ

مقالات

كيف نحمي مصالحنا في زمن الحرب

بقلم: عدنان أحمد يوسف

الاثنين ٠٩ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

دخلت‭ ‬منطقتنا‭ ‬مرحلة‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭ ‬والخطورة‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬حدة‭ ‬المواجهات‭ ‬المباشرة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وإيران‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬حيث‭ ‬تتعرض‭ ‬دولنا‭ ‬لاعتداءات‭ ‬أثمة‭ ‬تستهدف‭ ‬المراكز‭ ‬الخدمية‭ ‬والبيوت‭ ‬الآمنة‭. ‬ومهما‭ ‬كانت‭ ‬طبيعة‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة‭ ‬أو‭ ‬حدودها‭ ‬العسكرية،‭ ‬فإن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬آثارها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬باتت‭ ‬تطال‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬بأكملها،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬جغرافياً‭ ‬واقتصادياً‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المعادلة‭.‬

فدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬هي‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأعصاب‭ ‬الحيوية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬فهي‭ ‬تحتضن‭ ‬أكبر‭ ‬احتياطيات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وتشكل‭ ‬ممراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬للطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬الذي‭ ‬يمر‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬ثلث‭ ‬تجارة‭ ‬النفط‭ ‬المنقولة‭ ‬بحراً‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬أمني‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬سيترجم‭ ‬فوراً‭ ‬إلى‭ ‬اضطراب‭ ‬اقتصادي‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭.‬

أول‭ ‬المخاطر‭ ‬الاقتصادية‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تهديد‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬ومضيق‭ ‬هرمز‭. ‬ففي‭ ‬حال‭ ‬توسع‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬أو‭ ‬استهداف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬النفطية‭ ‬أو‭ ‬السفن‭ ‬التجارية،‭ ‬قد‭ ‬تتعرض‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬العالمية‭ ‬لاضطرابات‭ ‬خطيرة‭. ‬وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬الشحن‭ ‬والتأمين‭ ‬البحري،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬تكاليف‭ ‬الواردات‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬على‭ ‬الاستيراد‭ ‬في‭ ‬الغذاء‭ ‬والسلع‭ ‬الاستهلاكية‭.‬

أما‭ ‬الخطر‭ ‬الثاني‭ ‬فيتعلق‭ ‬بأسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬نفسها‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬ترفع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬حاليا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يحقق‭ ‬عوائد‭ ‬إضافية‭ ‬للدول‭ ‬المصدرة،‭ ‬لكن‭ ‬التجربة‭ ‬التاريخية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التقلبات‭ ‬الحادة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬تخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬إغلاق‭ ‬منافذ‭ ‬التصدير‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتصدير‭. ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬أدت‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬ركود‭ ‬اقتصادي‭ ‬عالمي‭ ‬أو‭ ‬تباطؤ‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬فإن‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬قد‭ ‬يتراجع‭ ‬لاحقاً،‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬إيرادات‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭.‬

الخطر‭ ‬الثالث‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تأثير‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الاستثمارات‭ ‬والتدفقات‭ ‬المالية‭. ‬فالمنطقة‭ ‬الخليجية‭ ‬نجحت‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬سمعة‭ ‬دولية‭ ‬كمركز‭ ‬للاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬والاستثماري،‭ ‬واستقطبت‭ ‬رؤوس‭ ‬أموال‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬المصارف‭ ‬والطاقة‭ ‬والسياحة‭ ‬والعقارات‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تصعيد‭ ‬عسكري‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬بعض‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬أكثر‭ ‬تحفظاً،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تأجيل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬أو‭ ‬خروج‭ ‬بعض‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭.‬

كذلك‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهل‭ ‬التأثير‭ ‬المحتمل‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬النقل‭ ‬والسياحة‭ ‬والطيران‭. ‬فالحروب‭ ‬الإقليمية‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إغلاق‭ ‬أو‭ ‬تقييد‭ ‬بعض‭ ‬المسارات‭ ‬الجوية‭ ‬والبحرية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬ويقلل‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬السفر‭ ‬والسياحة‭. ‬وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬الدور‭ ‬المتنامي‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬هذه‭ ‬القطاعات‭ ‬في‭ ‬تنويع‭ ‬اقتصادات‭ ‬الخليج،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬فيها‭ ‬قد‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬معدلات‭ ‬النمو‭ ‬وفرص‭ ‬العمل‭.‬

وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬المخاطر،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬الخطوات‭ ‬الاستباقية‭ ‬التي‭ ‬اتخذتها‭ ‬الحكومات‭ ‬الخليجية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬لتعزيز‭ ‬مناعة‭ ‬اقتصاداتها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات‭. ‬فقد‭ ‬عملت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬احتياطيات‭ ‬مالية‭ ‬كبيرة‭ ‬وصناديق‭ ‬سيادية‭ ‬ضخمة‭ ‬تمثل‭ ‬اليوم‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أدوات‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬كما‭ ‬استثمرت‭ ‬بشكل‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للموانئ‭ ‬والمطارات‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الاضطرابات‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭.‬

كذلك‭ ‬اتخذت‭ ‬الحكومات‭ ‬الخليجية‭ ‬خطوات‭ ‬مهمة‭ ‬لتعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الاستيراد‭ ‬وبناء‭ ‬مخزونات‭ ‬استراتيجية‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬زراعية‭ ‬خارجية‭ ‬وتطوير‭ ‬الصناعات‭ ‬الغذائية‭ ‬المحلية‭. ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬فاعليتها‭ ‬خلال‭ ‬أزمات‭ ‬سابقة‭ ‬مثل‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬حين‭ ‬تمكنت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬من‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬الأسواق‭ ‬وتوفير‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اضطرابات‭ ‬كبيرة‭.‬

ولا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الدور‭ ‬الحيوي‭ ‬الذي‭ ‬يلعبه‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬الخليجي،‭ ‬الذي‭ ‬يتمتع‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬الرسملة‭ ‬والملاءة‭ ‬المالية‭ ‬والرقابة‭ ‬التنظيمية‭. ‬فقد‭ ‬أثبتت‭ ‬البنوك‭ ‬الخليجية‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭ ‬السابقة‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬وتوفير‭ ‬السيولة‭ ‬للقطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬والاجتماعي‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬التنسيق‭ ‬المستمر‭ ‬بين‭ ‬الحكومات‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬والأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يمثل‭ ‬عاملاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الإقليمية‭. ‬فالتجربة‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬الجماعي‭ ‬والتكامل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬يرفع‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬المرونة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬الصدمات‭ ‬الخارجية‭.‬

إن‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬الحروب‭ ‬والصراعات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬تذكرنا‭ ‬بحقيقة‭ ‬أساسية‭: ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬الأمن‭ ‬السياسي‭ ‬والاستراتيجي‭. ‬فكلما‭ ‬كانت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أكثر‭ ‬تنسيقاً‭ ‬وتكاملاً‭ ‬في‭ ‬سياساتها،‭ ‬كانت‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬مصالحها‭ ‬الحيوية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يتسم‭ ‬بقدر‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬الاضطراب‭.‬

وفي‭ ‬زمن‭ ‬الأزمات،‭ ‬تتجلى‭ ‬قيمة‭ ‬الحكمة‭ ‬السياسية‭ ‬والعمل‭ ‬الجماعي‭. ‬فالتكاتف‭ ‬الخليجي،‭ ‬وتعزيز‭ ‬روح‭ ‬التضامن‭ ‬والتنسيق‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬يظل‭ ‬السبيل‭ ‬الأمثل‭ ‬لحماية‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وصون‭ ‬مصالح‭ ‬الشعوب‭ ‬وضمان‭ ‬مستقبل‭ ‬أكثر‭ ‬أمناً‭ ‬وازدهاراً‭ ‬لدولنا‭ ‬بأسرها‭.‬

حفظ‭ ‬الله‭ ‬أوطاننا‭ ‬ومجتمعاتنا‭ ‬

وشعوبنا‭ ‬في‭ ‬خير‭ ‬وأمان

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا