العدد : ١٧٥٩١ - الجمعة ٢٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩١ - الجمعة ٢٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

مقالات

لطفا… فرمل الشخصنة

بقلم: عبير محمد طرار دهام

الجمعة ٢٢ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

يبدو‭ ‬أن‭ ‬تأثيرات‭ ‬الحروب‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬نشرات‭ ‬الأخبار‭ ‬والخرائط‭ ‬السياسية‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬امتدّت‭ ‬حتى‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭. ‬فأحياناً‭ ‬تشعر‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأشخاص‭ ‬يدخلون‭ ‬الاجتماعات‭ ‬بخوذات‭ ‬ذهنية‭ ‬كاملة،‭ ‬وكأنهم‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬عمليات‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬يفترض‭ ‬أنها‭ ‬تعمل‭ ‬بهدوء‭ ‬وعقلانية‭.‬

قد‭ ‬يضطر‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البيئات‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬يفتش‭ ‬حوله‭ ‬عن‭ ‬خوذة‭ ‬ومذياع‭ ‬عسكري‭ ‬فقط‭ ‬لأنه‭ ‬قال‭ ‬جملة‭ ‬بسيطة‭ ‬مثل‭: ‬‮«‬خلّونا‭ ‬ننجز‭ ‬الموضوع‭ ‬اليوم‮»‬‭. ‬فبعض‭ ‬العقليات‭ ‬تسمع‭ ‬العبارات‭ ‬المهنية‭ ‬العادية‭ ‬وكأنها‭ ‬إعلان‭ ‬تعبئة‭ ‬عامة،‭ ‬أو‭ ‬محاولة‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬الطابق‭ ‬الثاني،‭ ‬أو‭ ‬تحرك‭ ‬خطير‭ ‬يستوجب‭ ‬حالة‭ ‬استنفار‭ ‬نفسي‭ ‬وإداري‭ ‬عاجلة‭.‬

وتكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬‮«‬ذهنية‭ ‬المُشخصِن‮»‬‭. ‬وهي‭ ‬ذهنية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تفسير‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬بشكل‭ ‬شخصي‭ ‬وعاطفي،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الموقف‭ ‬مهنياً‭ ‬وطبيعياً‭ ‬جداً‭. ‬صاحب‭ ‬هذه‭ ‬العقلية‭ ‬لا‭ ‬يسمع‭ ‬الكلام‭ ‬كما‭ ‬قيل،‭ ‬وإنما‭ ‬كما‭ ‬يشعر‭ ‬هو‭. ‬إذا‭ ‬سمع‭ ‬ملاحظة‭ ‬اعتبرها‭ ‬إهانة،‭ ‬وإذا‭ ‬شاهد‭ ‬نجاحاً‭ ‬شعر‭ ‬بالتهديد،‭ ‬وإذا‭ ‬رأى‭ ‬حضوراً‭ ‬قوياً‭ ‬فسره‭ ‬استعراضاً‭ ‬أو‭ ‬محاولة‭ ‬فرض‭ ‬سيطرة‭. ‬الله‭ ‬يعينه‮…‬‭ ‬يعيش‭ ‬مرهقاً‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬ومتعباً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬نجاح،‭ ‬وخائفاً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬حضور‭ ‬مختلف‭.‬

هذه‭ ‬الذهنية‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬التأويل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الواقع‭. ‬تربط‭ ‬كل‭ ‬تصرف‭ ‬بالنوايا،‭ ‬وتبحث‭ ‬دائماً‭ ‬عن‭ ‬رسائل‭ ‬خفية‭ ‬خلف‭ ‬أبسط‭ ‬الأمور‭. ‬فإذا‭ ‬قيل‭ ‬‮«‬نحتاج‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات‮»‬‭ ‬شعرت‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬هجوماً‭ ‬عليها،‭ ‬وإذا‭ ‬قيل‭ ‬‮«‬خلّونا‭ ‬نسرّع‭ ‬الإنجاز‮»‬‭ ‬تعاملت‭ ‬مع‭ ‬الأمر‭ ‬وكأن‭ ‬المؤسسة‭ ‬تتعرض‭ ‬لمحاولة‭ ‬انقلاب‭ ‬إداري‭.‬

وذهنية‭ ‬المُشخصِن‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬الكلمات‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬العلاقات‭ ‬والتفاصيل‭ ‬اليومية‭. ‬فإذا‭ ‬رأت‭ ‬شخصين‭ ‬يتحدثان‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬اعتبرت‭ ‬الأمر‭ ‬تحالفاً،‭ ‬وإذا‭ ‬اجتمع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬بدأت‭ ‬نظريات‭ ‬المؤامرة،‭ ‬وإذا‭ ‬نجح‭ ‬أحد‭ ‬بدأت‭ ‬رحلة‭ ‬البحث‭ ‬عمّن‭ ‬‮«‬يدعمه‭ ‬في‭ ‬الخفاء‮»‬‭. ‬هي‭ ‬عقلية‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬رؤية‭ ‬العلاقات‭ ‬المهنية‭ ‬بشكل‭ ‬طبيعي،‭ ‬لأنها‭ ‬تنظر‭ ‬الى‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬المنافسة‭ ‬والتهديد‭ ‬الشخصي‭.‬

لهذا‭ ‬يربكها‭ ‬الإنسان‭ ‬الواضح،‭ ‬ويزعجها‭ ‬الشخص‭ ‬الناجح،‭ ‬ويقلقها‭ ‬صاحب‭ ‬الحضور‭ ‬المهني‭ ‬القوي‭. ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬هؤلاء‭ ‬يرتكبون‭ ‬خطأ،‭ ‬وإنما‭ ‬لأن‭ ‬وجودهم‭ ‬يكشف‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يعمل‭ ‬وينجز،‭ ‬ومن‭ ‬يستهلك‭ ‬وقته‭ ‬في‭ ‬مراقبة‭ ‬الآخرين‭ ‬وتحليلهم‭ ‬والتأثر‭ ‬بهم‭ ‬نفسياً‭.‬

ومع‭ ‬الوقت،‭ ‬تصبح‭ ‬هذه‭ ‬الذهنية‭ ‬بيئة‭ ‬مثالية‭ ‬لاستنزاف‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬منتج‭ ‬أو‭ ‬صادق‭ ‬في‭ ‬عمله‭. ‬لأن‭ ‬الإنسان‭ ‬الطبيعي‭ ‬يدخل‭ ‬العمل‭ ‬بعقلية‭ ‬الإنجاز،‭ ‬بينما‭ ‬يدخل‭ ‬المُشخصِن‭ ‬بعقلية‭ ‬الترقب‭ ‬والتحليل‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬من‭ ‬يقصد‭ ‬من‮»‬‭. ‬ولهذا‭ ‬تكثر‭ ‬عنده‭ ‬الجمل‭ ‬من‭ ‬نوع‭: ‬‮«‬أكيد‭ ‬يقصدني‮»‬‭ ‬و«ليش‭ ‬قالها‭ ‬بهالطريقة؟‭ ‬وأحس‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬وراء‭ ‬الكلام؟‭ ‬وليش‭ ‬مجتمعين؟‭ ‬وليش‭ ‬نجح؟‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬البيئات‭ ‬تتحول‭ ‬في‭ ‬نظرها‭ ‬المتابعة‭ ‬إلى‭ ‬تسلط،‭ ‬والتنظيم‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬رأي،‭ ‬والثقة‭ ‬إلى‭ ‬غرور،‭ ‬والإنجاز‭ ‬إلى‭ ‬استعراض‭. ‬يصبح‭ ‬الشخص‭ ‬المبادر‭ ‬مصدر‭ ‬إزعاج،‭ ‬بينما‭ ‬يُكافأ‭ ‬الصامت‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقول‭ ‬شيئاً‭ ‬ولا‭ ‬يفعل‭ ‬شيئاً‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يوقظ‭ ‬حساسيات‭ ‬أحد‭.‬

وفعلاً،‭ ‬لا‭ ‬تنهك‭ ‬الأعمال‭ ‬كثرة‭ ‬المهام‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تنهكها‭ ‬هذه‭ ‬العقليات‭. ‬فالطاقات‭ ‬تُستنزف‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬النوايا،‭ ‬وتأويل‭ ‬العبارات،‭ ‬ومراقبة‭ ‬الأشخاص،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬توجيهها‭ ‬نحو‭ ‬النتائج‭ ‬والتطوير‭ ‬والإنجاز‭. ‬ومع‭ ‬الوقت،‭ ‬تتحول‭ ‬بعض‭ ‬الاجتماعات‭ ‬إلى‭ ‬جلسات‭ ‬مشاعر‭ ‬جماعية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬مساحة‭ ‬حقيقية‭ ‬للعمل‭.‬

وفي‭ ‬رأيي،‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العقليات‭ ‬الخطرة‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بإرهاق‭ ‬نفسها‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬تنقل‭ ‬توترها‭ ‬الى‭ ‬الآخرين‭ ‬أيضاً،‭ ‬فتخلق‭ ‬أجواء‭ ‬مشحونة‭ ‬تجعل‭ ‬الجميع‭ ‬يمشي‭ ‬بحذر،‭ ‬وكأن‭ ‬المطلوب‭ ‬من‭ ‬الموظف‭ ‬أن‭ ‬يزن‭ ‬كل‭ ‬كلمة‭ ‬بميزان‭ ‬نفسي‭ ‬دقيق‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتكلم،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬تفسير‭ ‬‮«‬صباح‭ ‬الخير‮»‬‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬محاولة‭ ‬فرض‭ ‬هيمنة‭ ‬إدارية‭.‬

والأغرب‭ ‬أن‭ ‬ذهنية‭ ‬المُشخصِن‭ ‬لا‭ ‬ترتبط‭ ‬بموقف‭ ‬معيّن‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬ترتبط‭ ‬بطريقة‭ ‬تفكير‭ ‬كاملة‭. ‬عقلية‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حضور‭ ‬قوي‭ ‬تهديداً،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬نجاح‭ ‬استفزازاً،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬شخص‭ ‬واضح‭ ‬مشروع‭ ‬صدام‭ ‬محتمل‭.‬

لهذا‭ ‬يزعجها‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يترك‭ ‬أثراً،‭ ‬ويربكها‭ ‬الشخص‭ ‬الواثق‭ ‬من‭ ‬نفسه،‭ ‬وتتعب‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يعمل‭ ‬بهدوء‭ ‬ووضوح‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬ألعاب‭ ‬الحساسيات‭ ‬والتأويلات‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬النجاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يخاف‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬الواضحين،‭ ‬والعمل‭ ‬الناضج‭ ‬لا‭ ‬ينزعج‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬القوية،‭ ‬لأن‭ ‬الإنجاز‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أشخاص‭ ‬يبادرون،‭ ‬ويتكلمون،‭ ‬ويتابعون،‭ ‬ويتحملون‭ ‬المسؤولية،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬أشخاص‭ ‬يقضون‭ ‬وقتهم‭ ‬في‭ ‬مراقبة‭ ‬الآخرين‭ ‬وتحليل‭ ‬النوايا‭ ‬وانتظار‭ ‬‮«‬المؤامرة‮»‬‭ ‬القادمة‭.‬

لهذا،‭ ‬ربما‭ ‬تحتاج‭ ‬بعض‭ ‬أماكن‭ ‬العمل‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬لطيف‭ ‬وبسيط‭ ‬جداً‭:‬

هو‭ ‬فرملة‭ ‬الشخصنة‮…‬‭ ‬ووقف‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الاستنزاف‭ ‬العاطفي‭ ‬والتأويل‭ ‬المرهق‭ ‬للمواقف‭ ‬والكلمات‭.‬

فالعمل‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الذعر‭ ‬والتوتر‭ ‬والحساسية،‭ ‬وإنما‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬عقول‭ ‬تعرف‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬المهنية‭ ‬والتسلط،‭ ‬وبين‭ ‬التعاون‭ ‬الحقيقي‮…‬‭ ‬وتوهّم‭ ‬المعارك‭ ‬وشكراً‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا