يبدو أن تأثيرات الحروب لم تعد تقتصر على نشرات الأخبار والخرائط السياسية فقط، وإنما امتدّت حتى إلى بعض بيئات العمل. فأحياناً تشعر أن بعض الأشخاص يدخلون الاجتماعات بخوذات ذهنية كاملة، وكأنهم في غرفة عمليات لا في مؤسسة يفترض أنها تعمل بهدوء وعقلانية.
قد يضطر الإنسان في بعض البيئات الى أن يفتش حوله عن خوذة ومذياع عسكري فقط لأنه قال جملة بسيطة مثل: «خلّونا ننجز الموضوع اليوم». فبعض العقليات تسمع العبارات المهنية العادية وكأنها إعلان تعبئة عامة، أو محاولة للسيطرة على الطابق الثاني، أو تحرك خطير يستوجب حالة استنفار نفسي وإداري عاجلة.
وتكمن المشكلة الحقيقية في «ذهنية المُشخصِن». وهي ذهنية تقوم على تفسير كل شيء بشكل شخصي وعاطفي، حتى لو كان الموقف مهنياً وطبيعياً جداً. صاحب هذه العقلية لا يسمع الكلام كما قيل، وإنما كما يشعر هو. إذا سمع ملاحظة اعتبرها إهانة، وإذا شاهد نجاحاً شعر بالتهديد، وإذا رأى حضوراً قوياً فسره استعراضاً أو محاولة فرض سيطرة. الله يعينه… يعيش مرهقاً من الناس، ومتعباً من أي نجاح، وخائفاً من أي حضور مختلف.
هذه الذهنية تعيش على التأويل أكثر من الواقع. تربط كل تصرف بالنوايا، وتبحث دائماً عن رسائل خفية خلف أبسط الأمور. فإذا قيل «نحتاج ترتيب الأولويات» شعرت أن هناك هجوماً عليها، وإذا قيل «خلّونا نسرّع الإنجاز» تعاملت مع الأمر وكأن المؤسسة تتعرض لمحاولة انقلاب إداري.
وذهنية المُشخصِن لا تتوقف عند الكلمات فقط، وإنما تمتد إلى العلاقات والتفاصيل اليومية. فإذا رأت شخصين يتحدثان مع بعض اعتبرت الأمر تحالفاً، وإذا اجتمع أكثر من شخص بدأت نظريات المؤامرة، وإذا نجح أحد بدأت رحلة البحث عمّن «يدعمه في الخفاء». هي عقلية لا تستطيع رؤية العلاقات المهنية بشكل طبيعي، لأنها تنظر الى كل شيء من زاوية المنافسة والتهديد الشخصي.
لهذا يربكها الإنسان الواضح، ويزعجها الشخص الناجح، ويقلقها صاحب الحضور المهني القوي. ليس لأن هؤلاء يرتكبون خطأ، وإنما لأن وجودهم يكشف الفارق بين من يعمل وينجز، ومن يستهلك وقته في مراقبة الآخرين وتحليلهم والتأثر بهم نفسياً.
ومع الوقت، تصبح هذه الذهنية بيئة مثالية لاستنزاف أي شخص منتج أو صادق في عمله. لأن الإنسان الطبيعي يدخل العمل بعقلية الإنجاز، بينما يدخل المُشخصِن بعقلية الترقب والتحليل والبحث عن «من يقصد من». ولهذا تكثر عنده الجمل من نوع: «أكيد يقصدني» و«ليش قالها بهالطريقة؟ وأحس في رسالة وراء الكلام؟ وليش مجتمعين؟ وليش نجح؟».
وفي هذه البيئات تتحول في نظرها المتابعة إلى تسلط، والتنظيم إلى فرض رأي، والثقة إلى غرور، والإنجاز إلى استعراض. يصبح الشخص المبادر مصدر إزعاج، بينما يُكافأ الصامت الذي لا يقول شيئاً ولا يفعل شيئاً لأنه لا يوقظ حساسيات أحد.
وفعلاً، لا تنهك الأعمال كثرة المهام بقدر ما تنهكها هذه العقليات. فالطاقات تُستنزف في تحليل النوايا، وتأويل العبارات، ومراقبة الأشخاص، بدلاً من توجيهها نحو النتائج والتطوير والإنجاز. ومع الوقت، تتحول بعض الاجتماعات إلى جلسات مشاعر جماعية أكثر من كونها مساحة حقيقية للعمل.
وفي رأيي، أن هذه العقليات الخطرة لا تكتفي بإرهاق نفسها فقط، وإنما تنقل توترها الى الآخرين أيضاً، فتخلق أجواء مشحونة تجعل الجميع يمشي بحذر، وكأن المطلوب من الموظف أن يزن كل كلمة بميزان نفسي دقيق قبل أن يتكلم، حتى لا يتم تفسير «صباح الخير» على أنها محاولة فرض هيمنة إدارية.
والأغرب أن ذهنية المُشخصِن لا ترتبط بموقف معيّن بقدر ما ترتبط بطريقة تفكير كاملة. عقلية ترى في كل حضور قوي تهديداً، وفي كل نجاح استفزازاً، وفي كل شخص واضح مشروع صدام محتمل.
لهذا يزعجها الإنسان الذي يترك أثراً، ويربكها الشخص الواثق من نفسه، وتتعب من كل من يعمل بهدوء ووضوح بعيداً عن ألعاب الحساسيات والتأويلات.
وفي النهاية، النجاح الحقيقي لا يخاف من الأشخاص الواضحين، والعمل الناضج لا ينزعج من الشخصيات القوية، لأن الإنجاز يحتاج إلى أشخاص يبادرون، ويتكلمون، ويتابعون، ويتحملون المسؤولية، لا إلى أشخاص يقضون وقتهم في مراقبة الآخرين وتحليل النوايا وانتظار «المؤامرة» القادمة.
لهذا، ربما تحتاج بعض أماكن العمل اليوم إلى شيء لطيف وبسيط جداً:
هو فرملة الشخصنة… ووقف كل هذا الاستنزاف العاطفي والتأويل المرهق للمواقف والكلمات.
فالعمل لا يحتاج كل هذا الذعر والتوتر والحساسية، وإنما يحتاج الى عقول تعرف الفرق بين المهنية والتسلط، وبين التعاون الحقيقي… وتوهّم المعارك وشكراً.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك