أغلب المتعثرين مالياً لم تبدأ أزمتهم بالقرض العقاري، ولم يكن «بيت العمر» هو الشرارة التي أشعلت الاضطراب في حياتهم المالية. بل كان الخلل أعمق وأهدأ من أن يُلاحظ في بدايته. فالتعثر لا يقتحم الحياة فجأة، وإنما يتسلل إليها بهدوء؛ يبدأ بقرار يبدو منطقياً، ثم يليه تمويل مبرَّر، ثم التزام يُوصَف بالمؤقت. ومع مرور الوقت، تتجمع القرارات الصغيرة كما تتجمع القطرات خلف سدٍّ دقيق الشقوق، حتى يأتي يوم لا يعود فيه الضغط المتراكم قابلاً للاحتمال.
القرض العقاري، في جوهره، ليس عبئاً بطبيعته، بل قد يكون من أكثر أدوات التمويل اتزاناً إذا أُحسن توظيفه. فهو تمويل لأصل طويل الأجل يرسخ الاستقرار الأسري ويؤسس لقيمة تتشكل مع الزمن. فالعقار ليس سلعة عابرة، بل كيانا ثابتا يرتبط بالأرض، والأرض بطبيعتها أصل نادر يكتسب قيمته من الندرة والطلب والاستمرارية. ومع تعاقب السنوات، يتراجع العبء النسبي للقسط مقارنة بالدخل الذي يُفترض أن ينمو، بينما يبقى الأصل قائماً، أو تتعزز قيمته بفعل السوق والتضخم. لذلك، فإن القرض العقاري المدروس يشبه جذراً يُغرس في الأرض ليحمل الشجرة، لا غصناً هشاً يثقلها.
غير أن الخلل يبدأ عندما يتحول هذا الجذر إلى نقطة تحميل إضافية. فبدلاً من أن يكون القرض العقاري هو الالتزام الرئيسي الوحيد، يصبح قاعدة تُبنى فوقها التزامات استهلاكية متلاحقة: تمويل سيارة تفوق الحاجة، بطاقات ائتمان مستنزفة، قروض شخصية لتجديدات يمكن تأجيلها، تمويل سفر وكماليات وهواتف وساعات باهظة، وكل ذلك بدافع المظهر أو مجاراة إيقاع مجتمع تحكمه صور «وسائل التواصل الاجتماعي» وإحساس زائف بالكمال. كل التزام منفرد يبدو قابلاً للإدارة، لكن اجتماعها يشبه إضافة أحمال متفرقة على جسر لم يُصمَّم ليستوعبها مجتمعة، فيبدأ بالتصدع من حيث لا يُرى.
ويعمل التضخم بدوره ككاشفٍ صامت لجودة القرار المالي. فعندما يُموَّل أصل استهلاكي تتناقص قيمته، لا تقتصر المديونية على فائدة تُدفع، بل ترتبط أيضاً بأصل يتآكل مع الوقت، فيتضاعف الأثر: تكلفة تمويل، وقيمة متراجعة. أما الأصل العقاري، فهو من القلائل التي قد تستفيد من التضخم، لأن قيمته متصلة بالسوق الحقيقي وبالطلب المستمر على السكن والأرض. ومن هذا المنطلق، يصبح منطقياً أن يكون القرض الرئيسي –إن وُجد– موجهاً لأصل يبني قيمة، بينما تُعامل بقية القروض بوصفها ترفاً قابلاً للتأجيل لا ضرورة ملزمة.
الإشكال الجوهري لا يكمن في سؤال: هل الراتب يغطي القسط؟ بل في سؤال أعمق: هل يبقى بعد القسط هامش أمان كافٍ؟ فالتعثر لا يحدث لحظة العجز الكامل، بل يبدأ حين يختفي الهامش، وحين يصبح الدخل محجوزاً قبل أن يُقبض، وحين تتقلص القدرة على امتصاص الطوارئ أو اقتناص الفرص. عندها يفقد الفرد مرونته المالية، كما يفقد الجسد توازنه حين يُسحب منه عنصر المرونة.
وعليه، فالقرض العقاري ليس موضع الخلل في حد ذاته، بل غياب الرؤية الشاملة لإدارة الالتزامات، وتبرير التوسع في القروض الاستهلاكية، وتحويل الرفاهية إلى ضرورة، وتحميل الدخل ما يفوق طاقته. الاستقرار المالي لا يتحقق بتعدد القروض، بل بترتيبها وفق الأولوية والقيمة المضافة. وإذا كان لا بد من دين طويل الأجل، فليكن ديناً يُنشئ أصلاً راسخاً، لا التزامات متراكمة تتسلل بهدوء حتى تُثقل المستقبل، وتؤدي في النهاية إلى التعثر في سداد القرض العقاري نفسه، وهو الأصل الحقيقي الذي يُفترض أن تتضاعف قيمته مع الزمن.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك