شهدت المنظومة التجارية العالمية في العشرين من فبراير 2026 انعطافة قانونية كبرى، حيث قضت المحكمة العليا الأمريكية بعدم دستورية التوسع في استخدام «قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية» (IEEPA) لفرض رسوم جمركية شاملة والتي كان يستخدمها الرئيس ترامب في حروبه التجارية والسياسية. واعتبر المحللون أن هذا الحكم لا يمثل مجرد انتصار لسيادة القانون الدستوري في واشنطن، بل هو إعادة ضبط اضطرارية لموازين التجارة الدولية التي أرهقتها «الحمائية المفرطة».
ونجد هنا لزاما علينا بداية أن نميز بين حزم الضرائب المختلفة التي فرضتها إدارة الرئيس ترامب، حيث إن حكم المحكمة العليا لم يلغِ كل الرسوم، بل استهدف المسار القانوني «للطوارئ» فقط:
* الرسوم المُلغاة وهي التي فرضت بموجب قانون الطوارئ IEEPA) ): وهي الرسوم الشاملة التي فرضت بقرارات تنفيذية سريعة بدواعي «الأمن القومي» أو «الضغوط السياسية» (مثل زيادة الـ 25% الإضافية على معظم الواردات). هذه هي التي أبطلتها المحكمة لعدم اختصاص الرئيس بفرضها دون العودة إلى الكونجرس.
* الرسوم الباقية (القوانين المتخصصة): لم يمس القرار الرسوم المفروضة بموجب «المادة 301» (الموجهة ضد الصين بسبب الملكية الفكرية)، ولا رسوم «المادة 232» الخاصة بالصلب والألومنيوم؛ كونها تستند إلى تشريعات تجارية أصيلة لم تكن محل طعن في القضية الأخيرة.
لقد أحدث القرار موجة ارتياح في عواصم تجارية كبرى، حيث توزعت مكاسب الإلغاء كالتالي:
* الصين: تخلصت من «الرسوم الإضافية» التي تجاوزت في بعض القطاعات 30% فوق الرسوم الأصلية، مما يعيد تنافسية بضائعها جزئياً في السوق الأمريكية.
* كندا والمكسيك: استعادتا استقرار اتفاقية (USMCA) بعد فترة من التهديدات بفرض رسوم طارئة على الحدود.
* الاتحاد الأوروبي: سقطت عنه رسوم «المعاملة بالمثل» التي استهدفت قطاع السيارات والسلع الفاخرة، مما يجنب القارة العجوز حرباً تجارية كانت وشيكة.
بالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، فإن الأثر كان غير مباشر ولكنه جوهري. تاريخياً، لم تكن الصادرات الخليجية (النفطية والبتروكيماوية) هدفاً مباشراً لرسوم الطوارئ الأمريكية، لكن التداعيات الاقتصادية لقرار المحكمة مكن دول المنطقة تستفيد من القرار في جانبين:
* انخفاض التضخم المستورد: إلغاء الرسوم على السلع الوسيطة والمواد الخام عالمياً يقلل من تكلفة المنتجات النهائية المستوردة إلى أسواقنا المحلية.
* استقرار سلاسل التوريد: المنطقة تعتمد بشكل كبير على الملاحة الدولية، واستقرار التجارة بين الصين وأمريكا يقلل من تذبذب أسعار الشحن والتأمين التي انعكست سلباً على المستهلك الخليجي في الفترة الماضية.
ومن منظور مهني متخصص، نرى أن هذا القرار هو «سلاح ذو حدين»:
* على الصعيد العالمي: القرار يعيد الهيبة إلى النظام التجاري القائم على القواعد، لكن لجوء ترامب الفوري لـ «المادة 122» لفرض ضريبة بديلة بنسبة 15% يعني أننا انتقلنا من «فوضى الطوارئ» إلى «حمائية مؤقتة» بجدول زمني لا يتجاوز 150 يوماً، مما يضع التجارة العالمية في حالة ترقب دائم.
* على الصعيد الإقليمي: تزايدت فرص الشركات الخليجية التي تملك استثمارات في قطاع التصنيع الموجه للتصدير (مثل الألمنيوم والبتروكيماويات) لاستعادة هوامش ربحها التي تآكلت بسبب تكاليف اللوجستيات المرتبطة بالنزاعات التجارية.
* الاسترداد المالي: تبرز الآن معضلة «الاسترداد الضريبي»؛ حيث ستطالب الشركات بمليارات الدولارات كتعويضات، وهو ما قد يخلق فجوة سيولة في الخزانة الأمريكية، ويؤدي إلى تقلبات في قوة الدولار أمام العملات الرئيسية، وهو أمر يراقبه المصرفيون في الخليج بعناية نظراً لسياسة ربط العملات.
والخلاصة، يمكن القول إن حكم المحكمة العليا هو انتصار للشفافية التشريعية، لكنه لا يعني نهاية عصر «أمريكا أولاً». فالمعركة انتقلت من ساحات القضاء إلى ثغرات القوانين التجارية القديمة، مما يتطلب من صانع القرار الاقتصادي في منطقتنا الاستمرار في نهج «التنويع الجيواقتصادي» وعدم الارتهان لتقلبات السياسة الجمركية الأمريكية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك