العدد : ١٧٥٠٣ - الاثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٣ - الاثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ رمضان ١٤٤٧هـ

مقالات

قراءة في انحسار «سلطات الطوارئ» الجمركية الأمريكية

بقلم: عدنان أحمد يوسف.

الاثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

شهدت‭ ‬المنظومة‭ ‬التجارية‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬العشرين‭ ‬من‭ ‬فبراير‭ ‬2026‭ ‬انعطافة‭ ‬قانونية‭ ‬كبرى،‭ ‬حيث‭ ‬قضت‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬الأمريكية‭ ‬بعدم‭ ‬دستورية‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬‮«‬قانون‭ ‬القوى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الطارئة‭ ‬الدولية‮»‬‭ (‬IEEPA‭) ‬لفرض‭ ‬رسوم‭ ‬جمركية‭ ‬شاملة‭ ‬والتي‭ ‬كان‭ ‬يستخدمها‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬حروبه‭ ‬التجارية‭ ‬والسياسية‭. ‬واعتبر‭ ‬المحللون‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحكم‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬انتصار‭ ‬لسيادة‭ ‬القانون‭ ‬الدستوري‭ ‬في‭ ‬واشنطن،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬ضبط‭ ‬اضطرارية‭ ‬لموازين‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬أرهقتها‭ ‬‮«‬الحمائية‭ ‬المفرطة‮»‬‭.‬

ونجد‭ ‬هنا‭ ‬لزاما‭ ‬علينا‭ ‬بداية‭ ‬أن‭ ‬نميز‭ ‬بين‭ ‬حزم‭ ‬الضرائب‭ ‬المختلفة‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬حكم‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬لم‭ ‬يلغِ‭ ‬كل‭ ‬الرسوم،‭ ‬بل‭ ‬استهدف‭ ‬المسار‭ ‬القانوني‭ ‬‮«‬للطوارئ‮»‬‭ ‬فقط‭:‬

‭* ‬الرسوم‭ ‬المُلغاة‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬فرضت‭ ‬بموجب‭ ‬قانون‭ ‬الطوارئ‭ ‬IEEPA‭) ): ‬وهي‭ ‬الرسوم‭ ‬الشاملة‭ ‬التي‭ ‬فرضت‭ ‬بقرارات‭ ‬تنفيذية‭ ‬سريعة‭ ‬بدواعي‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬القومي‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الضغوط‭ ‬السياسية‮»‬‭ (‬مثل‭ ‬زيادة‭ ‬الـ‭ ‬25‭%‬‭ ‬الإضافية‭ ‬على‭ ‬معظم‭ ‬الواردات‭). ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أبطلتها‭ ‬المحكمة‭ ‬لعدم‭ ‬اختصاص‭ ‬الرئيس‭ ‬بفرضها‭ ‬دون‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الكونجرس‭.‬

‭* ‬الرسوم‭ ‬الباقية‭ (‬القوانين‭ ‬المتخصصة‭): ‬لم‭ ‬يمس‭ ‬القرار‭ ‬الرسوم‭ ‬المفروضة‭ ‬بموجب‭ ‬‮«‬المادة‭ ‬301‮»‬‭ (‬الموجهة‭ ‬ضد‭ ‬الصين‭ ‬بسبب‭ ‬الملكية‭ ‬الفكرية‭)‬،‭ ‬ولا‭ ‬رسوم‭ ‬‮«‬المادة‭ ‬232‮»‬‭ ‬الخاصة‭ ‬بالصلب‭ ‬والألومنيوم؛‭ ‬كونها‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬تشريعات‭ ‬تجارية‭ ‬أصيلة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬محل‭ ‬طعن‭ ‬في‭ ‬القضية‭ ‬الأخيرة‭.‬

لقد‭ ‬أحدث‭ ‬القرار‭ ‬موجة‭ ‬ارتياح‭ ‬في‭ ‬عواصم‭ ‬تجارية‭ ‬كبرى،‭ ‬حيث‭ ‬توزعت‭ ‬مكاسب‭ ‬الإلغاء‭ ‬كالتالي‭:‬

‭* ‬الصين‭: ‬تخلصت‭ ‬من‭ ‬‮«‬الرسوم‭ ‬الإضافية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تجاوزت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات‭ ‬30‭%‬‭ ‬فوق‭ ‬الرسوم‭ ‬الأصلية،‭ ‬مما‭ ‬يعيد‭ ‬تنافسية‭ ‬بضائعها‭ ‬جزئياً‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الأمريكية‭.‬

‭* ‬كندا‭ ‬والمكسيك‭: ‬استعادتا‭ ‬استقرار‭ ‬اتفاقية‭ (‬USMCA‭) ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬التهديدات‭ ‬بفرض‭ ‬رسوم‭ ‬طارئة‭ ‬على‭ ‬الحدود‭.‬

‭* ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭: ‬سقطت‭ ‬عنه‭ ‬رسوم‭ ‬‮«‬المعاملة‭ ‬بالمثل‮»‬‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬قطاع‭ ‬السيارات‭ ‬والسلع‭ ‬الفاخرة،‭ ‬مما‭ ‬يجنب‭ ‬القارة‭ ‬العجوز‭ ‬حرباً‭ ‬تجارية‭ ‬كانت‭ ‬وشيكة‭.‬

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬فإن‭ ‬الأثر‭ ‬كان‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬ولكنه‭ ‬جوهري‭. ‬تاريخياً،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الصادرات‭ ‬الخليجية‭ (‬النفطية‭ ‬والبتروكيماوية‭) ‬هدفاً‭ ‬مباشراً‭ ‬لرسوم‭ ‬الطوارئ‭ ‬الأمريكية،‭ ‬لكن‭ ‬التداعيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لقرار‭ ‬المحكمة‭ ‬مكن‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬جانبين‭:‬

‭* ‬انخفاض‭ ‬التضخم‭ ‬المستورد‭: ‬إلغاء‭ ‬الرسوم‭ ‬على‭ ‬السلع‭ ‬الوسيطة‭ ‬والمواد‭ ‬الخام‭ ‬عالمياً‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬تكلفة‭ ‬المنتجات‭ ‬النهائية‭ ‬المستوردة‭ ‬إلى‭ ‬أسواقنا‭ ‬المحلية‭.‬

‭* ‬استقرار‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭: ‬المنطقة‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الملاحة‭ ‬الدولية،‭ ‬واستقرار‭ ‬التجارة‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬وأمريكا‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬تذبذب‭ ‬أسعار‭ ‬الشحن‭ ‬والتأمين‭ ‬التي‭ ‬انعكست‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬المستهلك‭ ‬الخليجي‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭.‬

ومن‭ ‬منظور‭ ‬مهني‭ ‬متخصص،‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬هو‭ ‬‮«‬سلاح‭ ‬ذو‭ ‬حدين‮»‬‭:‬

‭* ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العالمي‭: ‬القرار‭ ‬يعيد‭ ‬الهيبة‭ ‬إلى‭ ‬النظام‭ ‬التجاري‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬القواعد،‭ ‬لكن‭ ‬لجوء‭ ‬ترامب‭ ‬الفوري‭ ‬لـ‭ ‬‮«‬المادة‭ ‬122‮»‬‭ ‬لفرض‭ ‬ضريبة‭ ‬بديلة‭ ‬بنسبة‭ ‬15‭%‬‭ ‬يعني‭ ‬أننا‭ ‬انتقلنا‭ ‬من‭ ‬‮«‬فوضى‭ ‬الطوارئ‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬حمائية‭ ‬مؤقتة‮»‬‭ ‬بجدول‭ ‬زمني‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬150‭ ‬يوماً،‭ ‬مما‭ ‬يضع‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬ترقب‭ ‬دائم‭.‬

‭* ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الإقليمي‭: ‬تزايدت‭ ‬فرص‭ ‬الشركات‭ ‬الخليجية‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬استثمارات‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬التصنيع‭ ‬الموجه‭ ‬للتصدير‭ (‬مثل‭ ‬الألمنيوم‭ ‬والبتروكيماويات‭) ‬لاستعادة‭ ‬هوامش‭ ‬ربحها‭ ‬التي‭ ‬تآكلت‭ ‬بسبب‭ ‬تكاليف‭ ‬اللوجستيات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالنزاعات‭ ‬التجارية‭.‬

‭* ‬الاسترداد‭ ‬المالي‭: ‬تبرز‭ ‬الآن‭ ‬معضلة‭ ‬‮«‬الاسترداد‭ ‬الضريبي‮»‬؛‭ ‬حيث‭ ‬ستطالب‭ ‬الشركات‭ ‬بمليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬كتعويضات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يخلق‭ ‬فجوة‭ ‬سيولة‭ ‬في‭ ‬الخزانة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ويؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تقلبات‭ ‬في‭ ‬قوة‭ ‬الدولار‭ ‬أمام‭ ‬العملات‭ ‬الرئيسية،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يراقبه‭ ‬المصرفيون‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬بعناية‭ ‬نظراً‭ ‬لسياسة‭ ‬ربط‭ ‬العملات‭.‬

والخلاصة،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬حكم‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬هو‭ ‬انتصار‭ ‬للشفافية‭ ‬التشريعية،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬نهاية‭ ‬عصر‭ ‬‮«‬أمريكا‭ ‬أولاً‮»‬‭. ‬فالمعركة‭ ‬انتقلت‭ ‬من‭ ‬ساحات‭ ‬القضاء‭ ‬إلى‭ ‬ثغرات‭ ‬القوانين‭ ‬التجارية‭ ‬القديمة،‭ ‬مما‭ ‬يتطلب‭ ‬من‭ ‬صانع‭ ‬القرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬منطقتنا‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬نهج‭ ‬‮«‬التنويع‭ ‬الجيواقتصادي‮»‬‭ ‬وعدم‭ ‬الارتهان‭ ‬لتقلبات‭ ‬السياسة‭ ‬الجمركية‭ ‬الأمريكية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا