تشكّل الممرات البحرية من مضيق هرمز إلى بحر الصين الجنوبي شرايين حيوية للتجارة العالمية والطاقة، وهي ليست مجرد مسارات مائية، بل ساحات تنافس جيوسياسي واستراتيجي شديد التعقيد بين القوى الكبرى والإقليمية. من الخليج العربي إلى المحيط الهادئ، تمتد شبكة من الممرات التي تمر من خلالها أغلب صادرات النفط، وأكبر تدفقات التجارة، ما يجعلها محاور لا غنى عنها في الاقتصاد والسياسة والأمن العالمي.
تُعد الممرات البحرية من أبرز عناصر القوة الجيوسياسية الحديثة، إذ تسمح للدول المطلة عليها أو المتحكمة بها بتوجيه دفة التجارة، وممارسة النفوذ، بل وفرض الشروط. يشكل مضيق هرمز بوابة الخليج العربي وممرًا رئيسيًا لتصدير النفط إلى آسيا، في حين يمثل مضيق ملقا نقطة التقاء رئيسية بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي. أما بحر الصين الجنوبي نفسه فيُعتبر منطقة متنازعا عليها تعج بالقواعد العسكرية والمطالبات السيادية المتداخلة.
إن الموقع الجغرافي لهذه الممرات منحها دورًا استراتيجيًا في قلب توازن القوى العالمي. الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين تعتبر تأمين هذه الممرات أولوية استراتيجية، ليس فقط لتأمين تدفق السلع والطاقة، ولكن أيضًا لردع الخصوم وفرض معادلات السيطرة البحرية.
تمر عبر هذه الممرات البحرية نسبة ضخمة من التجارة العالمية. يُقدّر أن أكثر من 80% من التجارة الدولية يتم نقلها عبر البحر، وحصة ضخمة من هذا الرقم تعبر عبر الممرات الممتدة من هرمز إلى بحر الصين الجنوبي. النفط والغاز الطبيعي المسال يشكلان العنصر الأهم، حيث يتم تصدير نحو خمس النفط العالمي عبر مضيق هرمز، بينما يُعد مضيق ملقا بوابة حيوية لصادرات الطاقة الخليجية نحو الصين واليابان وكوريا الجنوبية.
ولم تقتصر الأهمية على الطاقة، بل أصبحت هذه الممرات حيوية لنقل المنتجات الصناعية والغذائية. مضيق ملقا، على سبيل المثال، تمر عبره نسبة كبيرة من شحنات الحاويات بين آسيا وأوروبا. كما تُعد قناة السويس ومضيق باب المندب جزءًا من هذه السلسلة الممتدة، حيث تشكل خطوط اتصال لوجستية حيوية بين الشرق والغرب.
أي اضطراب في هذه الممرات نتيجة نزاع مسلح، أو هجمات قرصنة، أو توترات سياسية يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، واختناقات في سلاسل الإمداد، وزيادة تكاليف النقل، بما يؤثر على الاقتصاد العالمي برمّته.
لا يمكن فهم الجغرافيا البحرية من دون التطرق إلى البُعد العسكري. المنطقة الممتدة من الخليج العربي إلى بحر الصين الجنوبي تشهد تركزًا كثيفًا للأساطيل والقواعد العسكرية. الولايات المتحدة تحتفظ بوجود بحري قوي، عبر الأسطول الخامس في منطقة الخليج والأسطول السابع في المحيط الهادئ. الصين، بدورها، توسّع قوتها البحرية بسرعة، وقد أنشأت أول قاعدة بحرية خارجية لها في جيبوتي، ما يشير إلى تحوّل في عقيدتها الدفاعية نحو التمدد خارج الحدود.
الهند أيضًا دخلت هذا السباق بقوة، حيث تسعى لتأمين مصالحها في المحيط الهندي عبر شبكة من القواعد والتعاون الدفاعي مع دول مثل عُمان وسيشيل وإندونيسيا. وفي المقابل، تشهد المنطقة مناورات بحرية متكررة ومتصاعدة بين قوى متعددة، من بينها الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا في إطار تحالف «كواد»، ما يعكس تنافسًا جيوسياسيًا محتدمًا.
الوجود العسكري في هذه الممرات لا يقتصر على الدول الكبرى. قوى إقليمية مثل إيران، التي تهدد مرارًا بإغلاق مضيق هرمز، تملك قدرة على التأثير الفوري في أمن الممرات. كما أن النزاعات في اليمن وحول باب المندب تشكل تهديدًا مباشرًا على الملاحة، وسط تهديدات من جماعات مسلحة باستهداف السفن التجارية.
أبرز ملامح الصراع الجيوسياسي في الممرات البحرية يتمثل في التوتر الصيني-الأمريكي. ففي بحر الصين الجنوبي، وسّعت الصين نفوذها ببناء جزر صناعية وتحويلها إلى قواعد عسكرية، في وقت تصر فيه واشنطن على مبدأ «حرية الملاحة». وقد دخلت دول إقليمية مثل الفلبين وفيتنام وماليزيا في نزاعات مباشرة مع الصين حول السيادة البحرية، بينما تحاول واشنطن تعزيز تحالفاتها لمواجهة التمدد الصيني.
إقليميًا، فإن مضيق هرمز يظل مصدر توتر دائم، وخاصة في ظل الصراع الأمريكي الإيراني. وفي حالات سابقة، أدى احتجاز ناقلات نفط أو الهجوم عليها إلى موجات قلق عالمي. أما في المحيط الهندي، فتشهد العلاقات بين الهند والصين احتكاكات تتجاوز اليابسة إلى المياه، وسط قلق نيودلهي من توسع النفوذ البحري الصيني، سواء من خلال مبادرة «الحزام والطريق» أو عبر الوجود العسكري.
في ظل هشاشة هذه الممرات، تسعى الدول إلى تطوير بدائل استراتيجية. التحولات المناخية فتحت الباب أمام ممرات قطبية جديدة، مثل «الطريق الشمالي» عبر القطب الشمالي، الذي تسعى روسيا والصين لاستثماره لنقل البضائع إلى أوروبا. كما أن بعض الدول تتجه نحو خطوط أنابيب أو سكك حديد تربط آسيا بأوروبا من دون المرور بالممرات التقليدية.
في المقابل، تتصاعد التحالفات البحرية الدولية، من «أوكوس» الذي يضم أستراليا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، إلى التحالفات الإقليمية الجديدة التي تربط دول الخليج بالهند وإسرائيل في أطر اقتصادية وأمنية. هذه التحالفات تشكل نواة لنظام بحري جديد يقوم على التوازن بين الردع والمصالح الاقتصادية المشتركة.
أما التحدي الأكبر فيتمثل في تغير المناخ، الذي يؤثر على سلاسة الملاحة، ويهدد بعض المناطق بالانحسار أو الاضطراب الجوي العنيف. كما أن ارتفاع مستويات البحر والتغير في التيارات المائية سيؤثر على خريطة التجارة البحرية مستقبلاً.
من مضيق هرمز إلى بحر الصين الجنوبي، تمتد خطوط المواجهة والتعاون، والفرص والمخاطر. هذه الممرات ليست فقط شرايين للاقتصاد العالمي، بل مسارح لصراعات متداخلة تتقاطع فيها مصالح النفط، والسيادة، والردع، والتكنولوجيا. ومع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، تظل هذه الممرات مرآة حساسة تعكس اتجاه النظام الدولي: إما نحو الاستقرار التعاوني، وإما الانزلاق إلى سباق بحري لا تُحمد عواقبه.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك