تلقيت دعوة لحضور احتفالات جامعة باتريس لومومبا الروسية للصداقة بين الشعوب بمناسبة الذكرى الـ66 لتأسيس الجامعة التي تحمل اسم المناضل الإفريقي باتريس لومومبا الذي قاد نضال الشعبي الكونجولي من أجل الاستقلال من الاستعمار البلجيكي الذي احتل البلاد وسيطر على الخيرات المادية لها حتى نالت استقلالها عام 1960 وأصبح باتريس لومومبا أول رئيس وزراء للبلاد بعد الاستقلال ولكن ذلك لم يدم طويلا حتى تمت تصفيته والتنكيل بجثته على أيدي المستعمرين.
هذه الدعوة أعادت لي الذاكرة التي لا تزال راسخة في ذهني وذهن كل من درس في هذه الجامعة والمرتبطة بأيام الدراسة عندما احتضنت الجامعة الجيل الثاني من طلابها إن صح التعبير من ضمنهم كاتب هذه السطور خلال النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، هذه الجامعة التي تأسست في عام 1960 لإعداد الكوادر الوطنية للبلدان النامية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية في مختلف التخصصات العلمية والأدبية في إطار وفاء الاتحاد السوفيتي بواجبه الأممي تجاه البلدان النامية الفقيرة على حساب الدولة السوفيتية التي وفرت لنا التعليم الجامعي المجاني والسكن والمخصصات المالية الشهرية على مدار ست سنوات متواصلة حتى تخرجنا.
لقد احتضنت هذه الجامعة أكثر من ستة آلاف طالب من فقراء العالم حيث كان الحي الجامعي يختزن الكرة الأرضية إذ يجمع طلاب من أكثر من مائة دولة من دول العالم النامي يتحدثون بمختلف اللغات تجمعهم اللغة الروسية التي سميت لغة الصداقة على اسم الجامعة في ظل التحاق عدد محدود جدا من الطلبة السوفييت.
جامعة باتريس لومومبا للصداقة بين الشعوب حالها حال المؤسسات التعليمية الأخرى في روسيا الاتحادية مرت بمرحلة انتقالية صعبة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي التي شهدت تغيرات كبيرة في المناهج وفي نظم القبول بالجامعة وغيرها ولكنها لم تتوقف عن تقديم خدماتها التعليمية للطلاب، وأول مظاهر هذه التغيرات تبديل اسم الجامعة من جامعة باتريس لومومبا للصداقة بين الشعوب إلى الجامعة الروسية للصداقة بين الشعوب وتوقف البعثات المجانية المخصصة لطبلة البلدان النامية وتراجع أعداد الطلبة الأجانب بشكل كبير وزيادة أعداد الطلبة الروس وطلبة من الدول الأوروبية في الجامعة وفرض رسوم للدراسة في الجامعة.
ولكن مع استقرار الأوضاع في روسيا الاتحادية وتجاوز تداعيات المرحلة الانتقالية وخصوصا بعد وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السلطة خلفا للرئيس بوريس يلتسين مع بداية الألفية الجديدة خصصت الحكومة الروسية الموازنات اللازمة للنهوض بأعباء الجامعة، فإذا كان عدد طلبة الجامعة أيامنا لا يتجاوز ستة آلاف طالب وعدد التخصصات لا يتجاوز أصابع اليدين فإن عدد طلبة الجامعة اليوم أكثر من 27 ألف طالب يتلقون تعليمهم باستخدام احدث الوسائل التعليمية وأكثرها تطورا وعدد التخصصات أكثر من 36 تخصصا ومساحة الجامعة زادت اكثر من عشر مرات وتصنف الجامعة من أفضل الجامعات في العالم.
كما تم إعادة تسمية الجامعة باسم باتريس لومومبا وتخصيص بعثات للطلبة الأجانب ولكن بشكل محدود جدا، وفتح قنوات للتواصل مع خريجي الجامعة القدامى وتوجيه دعوات لهم خلال الاحتفال بذكرى تأسيس الجامعة وللمشاركة في الأنشطة والفعاليات والمناسبات المختلفة التي تنظمها الجامعة بين حين وآخر.
رغم أنني لم أتمكن من تلبية الدعوة بسبب ضيق الوقت ومحدودية المدة فإنها بادرة طيبة من جامعتنا الغالية التي لم تنس طلابها رغم مرور أكثر من أربعة عقود من الزمان على تخرجنا فيها. هذه هي جامعة الصداقة التي ستبقى صرحا تعليميا متطورا ومركزا أكاديميا وثقافيا يقدم خدمات تعليمية وفق أحدث الطرق الحديثة، متمنين زيادة البعثات للطلبة الأجانب للمحافظة على الجامعة كجامعة للصداقة بين الشعوب.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك