في سابقة أولى من نوعها، وفي إطار من التحدي والتميز العالمي، أعلنت بلدية دبي قبل أسبوع بناء فيلا سكنية متكاملة باستخدام أنظمة البناء الروبوتية، وذلك بالتعاون مع أكثر من 25 شركة متخصصة في التكنولوجيا المتقدمة وجامعات ومراكز بحثية محلية ودولية.
ووفقا للخبراء، تعتبر هذه الخطوة سابقة تمثل نموذجاً عملياً لهيمنة المنظومات الذكية على قطاع البناء والتشييد، خاصة مع ما تتميز به هذه المنظومات من إنتاجية واستدامة وجودة تتواكب والتحولات العالمية المتسارعة.
والسؤال هنا، ما هو البناء بالروبوتات؟ وكيف يختلف عن البناء التقليدي؟ وهل يمكن ان يحل مستقبلا محل الأساليب الاعتيادية في التشييد؟
كغيره من القطاعات، يشهد قطاع البناء والتشييد عالميا تحولات متسارعة تستجيب للتطورات التكنولوجية واستخدام الذكاء الاصطناعي. ومن المجالات التي شهدت تقدما ملحوظا هو استخدام الروبوتات التي أحدثت بالفعل تغيرات كبيرة في الصناعة التقليدية مثل صناعة السيارات وغيرها، وامتد الامر الى قطاع البناء والتشييد، حيث اثبتت هذه الأنظمة الذكية قدرة على رفع كفاءة العمل وتقليل التكاليف وتحسين مستويات السلامة والجودة في المشاريع العمرانية.
ببساطة، يُقصد بالبناء بالروبوتات بأنه استخدام آلات مبرمجة تعمل بتقنيات الذكاء الاصطناعي والاستشعار المتطور لتنفيذ مهام وعمليات البناء المختلفة، بما في ذلك الطباعة ثلاثية الأبعاد للمباني وتركيب الطوب وصب الخرسانة وأعمال اللحام، كل ذلك باستخدام الأنظمة الذكية آلية العمل، بل ويمتد الامر الى عمليات الفحص والتحقق من المواصفات والصيانة. وفي الوقت الذي ضمنت هذه التقنيات الحفاظ على مستوى دقة عالٍ في التنفيذ، وتقليل فرص الأخطاء، فإنها أسهمت في تقليل الاعتماد على العمالة البشرية في بعض الأعمال الشاقة والخطرة خلال عمليات التشييد.
تاريخيا.. بدأ استخدام الروبوتات في قطاع البناء منذ تسعينيات القرن الماضي، لكنها كانت بدايات متواضعة وخجولة. ولم يحدث التطور الحقيقي في هذا الامر إلا خلال السنوات الأخيرة بسبب تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات الصناعية. وهذا ما دفع شركات عالمية إلى العمل الجاد من اجل تطوير روبوتات قادرة على القيام بمهام وأعمال بناء طالما كانت حكرا على اليد العاملة البشرية. ومع تطور التقنيات، نجحت تجارب مبدئية في تشييد منازل كاملة بالاعتماد على تقنيات الطباعة الخرسانية ثلاثية الأبعاد، ليس هذا فحسب، بل تم انجاز المهمة خلال أيام معدودة فقط!
وقد أثبت استخدام هذه التقنيات، في أعمال التشييد والبناء تقديمه مزايا مهمة من شانها ان تحدث نقلة وثورة في القطاع. فمن جانب، يحقق استخدام الروبوتات سرعة فائقة في الإنجاز، حيث تستطيع الروبوتات العمل على مدار الساعة من دون تعب أو توقف أو حتى تأثر بالظروف الجوية المختلفة. وبالطبع يسهم ذلك في تقليص مدد تطوير المشاريع العقارية، ما يعني زيادة الإنتاج بما يستجيب للطلب المتزايد على المشاريع العمرانية.
وبنفس الوقت، توفر الروبوتات قدرا كبيرا من السلامة المهنية وتقليل تعرض العمال للمخاطر الناجمة عن العمل في مواقع البناء، مثل السقوط أو الإصابات او حوادث المعدات الثقيلة.
من جانب اخر، يساعد استخدام الروبوتات في تقليص النفقات من خلال تقليل الهدر في المواد المستخدمة. حيث تعتمد على أنظمة دقيقة لقياس الكميات المطلوبة وتنفيذ الأعمال بدقة عالية.
يضاف إلى ذلك، أن البناء باستخدام الروبوتات أثبت قدرته على تقديم نتائج عالية الجودة في المشاريع الإنشائية، فكما أسلفنا، تعتمد الروبوتات على برامج رقمية دقيقة تقلل من احتمالية الأخطاء البشرية. وهذا ينعكس على جودة البناء ويجعل تنفيذ التصاميم المعمارية المعقدة أسهل من الطرق التقليدية وبكلفة أقل.
هل يعني ذلك أن البناء باستخدام الروبوتات عملية نموذجية ومثالية تماما؟ بالطبع كلا، فعلى الرغم من تلك المميزات، تبقى هناك تحديات متعددة مازالت تحد من الاعتماد على هذه الأنظمة المتطورة، ومن ذلك ارتفاع الكلفة. فعلى الرغم من ان هذه التقنيات تقلل من كلفة البناء، إلا ان الكلفة الأولية لتطوير وشراء الأنظمة الروبوتية لا تزال مرتفعة جدا. وهو ما يعني ان شركات التطوير تحتاج إلى استثمارات أولية كبيرة لتوفير هذه المعدات والتقنيات الحديثة.
الأمر الآخر، تشغيل هذه الأنظمة يتطلب أيضا كوادر بشرية مدربة ومؤهلة على مستوى عال خاصة في البرمجة والصيانة وإدارة الأنظمة الذكية. وهو ما يعني أيضا كلفة كبيرة لتوفير هذه الكوادر.
وبنفس الوقت، هناك تحديات اجتماعية تتمثل في أن هيمنة الروبوتات على القطاع يعني تقليص الاعتماد على اليد البشرية، وهو ما يعني تبعا مشاكل في سوق العمل. وفي الوقت الراهن يؤكد المختصون ان ذلك غير ممكن وأن الأمر شبيه بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، حيث ان الروبوتات لن تلغي دور الإنسان بشكل كامل، بل ستغير طبيعة الوظائف، وستزداد الحاجة إلى الوظائف ذات الطابع التقني والإشرافي. في حين يبقى التحدي قائما بشأن الوظائف اليدوية ذات المهارات الأقل.
وعلى الرغم من التحديات، فإنه من المؤكد أن هذه التقنيات قادمة وبقوة في قطاع البناء والتشييد، خاصة مع توجه الكثير من الدول إلى تبني تقنيات البناء الذكي ضمن استراتيجياتها التنموية لأهميتها في تحقيق أهداف الاستدامة وتقليل الانبعاثات الكربونية. فاستخدام الروبوتات مثلا يسهم في تقليل استهلاك الموارد الأولية والطاقة ويساعد في تنفيذ المشاريع بطريقة أكثر كفاءة بيئيا. لذلك يتوقع الخبراء أن يشهد قطاع البناء والتشييد اعتمادا متناميا خلال السنوات القادمة على الروبوتات بحيث تصبح جزءاً أساسياً من عمليات البناء مستقبلاً، وذلك استجابة للتطورات المتسارعة، وفي مقدمتها تقنيات الذكاء الاصطناعي والطباعة ثلاثية الأبعاد والأنظمة الرقمية. خاصة مع تزايد الحاجة إلى حلول سريعة وفعالة لمواجهة تحديات النمو السكاني والتوسع الحضري. وعلى الرغم من التحديات المرتبطة بالكلفة والتأثير على سوق العمل، فإن ما تقدمه من مميزات يجعلها أحد أهم الاتجاهات المستقبلية في صناعة البناء. فضلا عن ان استمرار التطور التكنولوجي من شأنه ان يسهم في الحد من تلك التحديات، لتصبح الروبوتات لاعبا محورياً في تشكيل مستقبل صناعة البناء والتشييد والعمران حول العالم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك