بلغت مستويات ارتفاع أسعار الذهب عالميا حدودا تاريخية غير مسبوقة وموجات متتابعة من الارتفاعات، مع تكهنات باستمرار هذا الارتفاع بسبب العوامل السياسية والاقتصادية العالمية والتوترات الجيوسياسية، الى جانب شراء البنوك المركزية المستمر للذهب، وتدفقات المستثمرين الباحثين عن ملاذات آمنة، ما يعني ان تواجه الأسواق المالية تحديات كبيرة.
ولكن بنفس الوقت يرى البعض ان الاستثمار في الذهب قرار ذكي كونه يعتبر ملاذًا آمنًا للمستثمرين خاصة في فترات الأزمات الاقتصادية والسوقية وفي أوقات عدم اليقين الاقتصادي والسياسي حين تتراجع الثقة في العملات والأسواق. لذلك يشهد الطلب عليه ارتفاعا كبيرا في فترات التضخم الشديد بشكل خاص مع خوف المستثمرين من التباطؤ الاقتصادي وتراجع القوة الشرائية للعملات، لأن قيمته لا تتآكل كما يحدث للعملات. وهذا الطلب يضاعف من الأسعار.
لذلك يعتبر الكثيرون أن الاستثمار في الذهب عند ارتفاع أسعاره قرار استراتيجي للتحوط الطويل الأجل ضد التضخم والتحديات المختلفة. لذلك يتجه الكثيرون الى شراء الذهب كنوع من الاستثمار الطويل الأجل.
ولكن.. يبقى هناك في السوق ملاذ آمن آخر هو الاستثمار العقاري الذي يعد أيضا بديلا ناجعا وأصولا آمنة وأداة استثمار طويلة الأجل تحافظ على قيمتها، بل تتميز بالزيادة المستمرة في القيمة.
في المقابل، يعتبر القطاع العقاري في كثير من الاقتصادات من الأصول الأكثر ثباتًا وموثوقية لتحقيق عوائد طويلة الأجل، خصوصًا في الأسواق الناشئة أو المناطق ذات الطلب السكاني المتزايد. لكن العقار يواجه أيضًا تحديات مثل ارتفاع أسعار المواد والتشغيل وصعوبة السيولة مقارنة بالذهب.
وهذا ما يطرح سؤالا مهما، أيهما أفضل، الاستثمار في الذهب أم العقار؟
في الواقع، الإجابة عن هذا التساؤل ليست بالسهلة، فالأمر معقد نوعا ما، ويتطلب معرفة مميزات وتحديات كل نوع منهما على حدة.
العوائد
بداية، من أكثر الجوانب التي يركز عليها المستثمرون هو العائد من الاستثمار، وهنا نجد أن الذهب، وعلى الرغم من كونه ملاذا آمنا، فإنه يعتبر استثمار مضاربة بالمقام الأول، ما يعني أن أسعاره تتأثر بشكل مباشر وكبير بالتقلبات العالمية والأوضاع الجيوسياسية وغيرها، بل حتى السياسات النقدية والقوانين. وبنفس الوقت من الممكن أن يقدم الذهب عوائد مرتفعة ولكن في فترة زمنية قصيرة.
بالمقابل، ربما لا يحقق العقار عوائد مرتفعة في فترة قصيرة، الا أن الاستثمار العقاري يتمتع بعوائد مستقرة تمكن المستثمرين من تحقيق دخل متواصل من الإيجارات. بالإضافة إلى ذلك، تميل أسعار العقارات إلى الارتفاع بشكل تدريجي على المدى الطويل.
من هنا يعتبر العقار أصلا منتجا، يقدم ايجارات وارتفاعا في الأسعار، حتى في أسوأ السيناريوهات يبقى العقار قادرًا على توليد تدفقات نقدية. في حين يعتبر الذهب أصلا صامتا. وفي حين أن العائد في الذهب يعتمد على البيع فقط، فإن العائد في العقار مركّب، يعتمد على الإيجارات وعلى النمو في الأسعار والطلب.
وكل ذلك يجعل من العقارات ثروة ثابتة وإيرادا مستمرا مع زيادة القيمة بمرور الوقت.
وكل ذلك يزيد من تعقيد المقارنة بين الاستثمارين، ففي حين يصعد الذهب سعريا بشكل أكثر من العقار الذي يتميز بالبطء في الارتفاع، فإن العقار يرتفع اقتصاديا بشكل أكثر ثبوتا.
السيولة والمخاطر
ومن حيث السيولة، يعتبر الذهب أكثر سيولة من العقارات، حيث يمكن بيعه بسهولة في السوق وفي أي وقت. وهذا ما يجعله خيارًا مناسبًا للمستثمرين الذين يحتاجون إلى سيولة سريعة. في حين أن بيع العقار يتطلب إجراءات أكثر تعقيدا من حجوزات ومعاينة ومفاوضات، وكل ذلك يأخذ وقتًا طويلًا. ما يجعل العقار أقل سيولة مقارنة بالذهب.
جانب آخر يجب عدم إغفاله وهو التكاليف الجانبية لهذا الاستثمار او ذاك، ففي الوقت الذي لا يحتاج الذهب إلى تكاليف صيانة او ادارة مستمرة، او وساطة وسمسرة وغيرها، فإن العقارات تتطلب صيانة دورية وإصلاحات، وفي كثير من الأحيان تخضع لضرائب أكبر.
ولكن ماذا عن طبيعة الفرص والمخاطر لكل منهما؟
عندما ننظر الى الاستثمار في الذهب، نجد انه يبقى أكثر عرضة للمخاطر الناتجة عن تقلبات الأسواق، وقد تشهد الأسعار تراجعا حادا بعد ارتفاعات حادة.
ولا يختلف الامر كثيرا بالنسبة للعقارات التي تحمل أيضا مخاطر مثل التغيرات الاقتصادية والقوانين، ولكن يتميز العقار بأن الطلب عليه يظل ثابتا بل مرتفعًا في معظم الأسواق.
ومن مميزات الاستثمار في الذهب أيضا هو الحماية المباشرة من التضخم بشكل أكبر من العقارات في كثير من الأحيان، فعندما ترتفع الأسعار بشكل كبير، يبقى الذهب في الغالب محافظًا على قيمته. أي ان العوامل التي تؤثر على أسعاره تختلف عن السلع الأخرى.
من هنا تعتبر المخاطر في الذهب سعرية عالية على المدى القصير، فيما تعتبر المخاطر في العقار تشغيلية وإدارية، لكنها أقل تقلبا. ومن السلبيات أيضا ان العقار يتأثر بالاقتصاد المحلي وليس كالذهب، ما يعني أن قيمة العقار قد تتراجع في أوقات الركود الاقتصادي أو إذا انخفض الطلب في المنطقة على المستوى المحلي.
تنوع المحفظة
أضف إلى ذلك، أن الاستثمار في الذهب يمثل تنويعا في المحفظة الاستثمارية، وهذا ما يقلل المخاطر عند تقلبات السوق.
أيضا لا يتطلب الذهب رأس مال كبيرا مثل العقار، وحتى صغار المستثمرين يمكنهم البدء بالاستثمار.
إلا أن ذلك لا يعني صورة وردية للاستثمار في الذهب. فمن الجوانب التي تعيب هذا النوع من الاستثمار هو أنه لا يولد دخلًا دوريًا ثابتا، لأنه لا يتضمن مثلا الحصول على ايجارات شهرية او أو توزيعات أرباح مثل الأسهم والعقارات.
كما أنه يتأثر بتقلبات الأسعار، وعلى الرغم من كونه تحوطا آمنا، فإن السعر يمكن أن يتراجع في فترات استقرار اقتصادي قوي. كما انه اكثر عرضة للتقلبات من العقارات.
فعندما ننظر الى الارتفاع الحالي في أسعار الذهب، نجد انه ليس ارتفاعًا عابرًا أو مضاربة قصيرة الأجل، بل نتيجة لعوامل مركبة، منها تحول البنوك المركزية خلال العامين الماضيين خاصة في آسيا والشرق الأوسط إلى زيادة احتياطاتها من الذهب بدل الاعتماد على الدولار أو السندات الأميركية. ما خلق طلبًا طويل الأمد. كما بدأت الثقة بكثير من العملات تهتز نتيجة التضخم المرتفع وطباعة الأموال وتراجع القوة الشرائية، وهذا ما جعل الذهب أداة حفظ قيمة أكثر من كونه أداة ربح. إلا انه يبقى عرضة للتقلبات الدولية أكثر من العقار كونه أصلا عالميا موحدا.
على الصعيد الاخر، نجد أن العقار ليس أصلًا عالميًا موحدًا، بل أصولا في سوق محلي، وتختلف التأثيرات في هذا القطاع عن غيره، فمثلا يؤدي التضخم في هذا القطاع الى ارتفاع الإيجارات وأسعار الأراضي، مع تآكل القيمة الحقيقية للقروض العقارية بشكل تدريجي، وهذا ما يجعل التضخم في العقارات يعمل لصالح المستثمر العقاري إذا كان مدروسًا، بعكس الحال في الذهب، حيث ان التضخم يعتبر مصدر قلق للمستثمرين في الذهب.
كذلك، لا يعتبر العقار سلعة كمالية، فالطلب الحقيقي على السكن مستمر وفي نمو دائم مع النمو السكاني والتوسع الحضري، في حين يبقى الذهب سلعة كمالية.
الهدف.. هو المعيار
هنا نعود إلى السؤال الأول، أيهما أفضل للاستثمار؟ الذهب أم العقار؟
الخبراء يخلصون على عدد من المميزات لكل طرف. فالذهب يوفر رقمًا أعلى وبشكل أسرع، في حين ان العقار يعطي تدفقًا ماليا مستقرا.
الذهب يعتبر خيارا أفضل في حالات، كونه يتطلب رأس مال صغيرا أو متوسطا، يوفر السيولة السريعة، ملاذا امنا عند الصدمات المالية أو السياسية، لا يتطلب إدارة او متابعة. وبالتالي هو أفضل للتحوط والحماية المؤقتة، أي أن الاستثمار في الذهب في كثير من الاحيان أقرب إلى تأمين مالي منه إلى مشروع ربحي. أي استثمر في الذهب إذا كنت تريد حماية فورية من التضخم وعدم اليقين الاقتصادي، وتبحث عن سيولة عالية وسهولة تنفيذ، ولا تحتاج إلى دخل شهري منتظم. فالذهب جيد للحفاظ على الثروة، لكنه ليس في كل الأوقات جيدا لخلقها.
فيما يعتبر العقار خيارا أذكى إذا كان الهدف من الاستثمار هو بناء دخل مستدام بعيد المدى، مع القدرة على تحمّل تكاليف الإدارة والتشغيل. والتالي هو أفضل لبناء الثروة والدخل الطويل الأجل. لذلك العقار الجيد يُشترى في الأوقات الصعبة لا في أوقات التفاؤل المفرط.
أي استثمر في العقار إذا كنت تهدف إلى بناء دخل ثابت طويل الأجل، ولديك رأس مال كافٍ وقدرة على تحمل التكاليف التشغيلية، وتسعى لتنمية ثروتك عبر الأصول الملموسة.
ومع الارتفاع غير المسبوق في أسعار الذهب إلى مستويات قياسية مع استمرار عدم اليقين الاقتصادي، فإن الذهب يبدو (حاليًا) خيارًا قويًا للمحافظة على رأس المال وتقليل الخسائر في سيناريو التضخم والاضطرابات المالية.
إلا أنه إذا كان الهدف من الاستثمار هو توفير دخل شهري ثابت ونمو طويل الأجل في ثروة حقيقية ملموسة، فإن العقار يوفر ذلك.
وكل ذلك يجعل الإجابة عن السؤال تعتمد على اهداف الشخص وعلى المدى الزمني الذي يريده للاستثمار، وعلى حجم رأس المال والقدرة على الإدارة.
وربما يبقى الخيار الاصوب في الأخير هو تنويع المحفظة المالية بين الذهب والعقارات لمن يستطيع ذلك، بهدف تحقيق التوازن والحماية والأمان، والاستفادة من مميزات كل طرف.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك