لا شك أن العالم اليوم دخل ضمن حقبة من التحولات الضخمة في مجال التكنولوجيا والبحث العلمي؛ يوجه دفتها الذكاء الاصطناعي، باعتباره صار عنصرًا أساسيًا في تشكيل وتطوير العديد من القطاعات، إذ أثبت قدرته على إيجاد حلول مبتكرة لحل مختلف التحديات والمشاكل التي تواجه البشرية.
ذلك ما فتح أمامه إمكانية التحول من مجرد قطاع تقني لأبعد من ذلك بكثير! حيث تمكن من اقتحام الأسواق العالمية، وأصبح بمثابة محرك رئيسي لها، كما أعاد تشكيل النظام المالي العالمي! فمع ولوج عصر الاقتصاد المعرفي الأسواق المالية، صارت قوة الشركات اليوم تقاس بقدرتها على توظيف الخوارزميات الذكية، واستخدام الحوسبة المتقدمة للبروز في ظل البيئة الاقتصادية والجيوسياسية العالمية بالغة التعقيد، إذ أنه استمر في تعزيز مكاسب الأسهم حتى في ظل ارتفاع وتيرة المخاطر الاقتصادية.
وباعتباره لغة عصر، ومحركا اقتصاديا فاعلا، وأداة قوة سياسية ناعمة استطاعت أن تعيد ترتيب العلاقات الدولية، ومنحت النفوذ لمن أجاد توظيفها واستخدامها، أولت العديد من الدول العظمى أهمية بالغة لهذا المجال، وضخت مبالغ مالية طائلة للاستثمار في تطويره بشتى الطرق، وذلك من خلال تهيئة البنية التحتية اللازمة، ودعم مراكز الدراسات والبحوث، إلخ.
وبهدف تعزيز توازن القوى وعدم اقتصار دول معينة على تسيد المجال، وبغية معالجة التحديات الاجتماعية التي قد أنتجها الذكاء الاصطناعي، وبهدف زيادة مساحة المساواة في استخدامه بين مختلف أفراد المجتمع، إلخ، صاغت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) توصياتها المتعلقة بأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، حيث تم اعتماده عام 2021 من قبل 193 دولة، والذي يتطلع الى ضمان نتائج عادلة، ومستدامة، وشاملة، تعتمدها الحكومات في توجيه التكنولوجيا بشكل مسؤول.
ومن هذا المنطلق، تأتي أحد مبادرات (اليونسكو) الرامية الى قياس مدى جاهزية الدول لتبني الذكاء الاصطناعي، وذلك وفقًا للمعاير الدولية المتعارف عليها ضمن تقرير تعده بهذا الشأن، وتأتي هذه المبادرة كدعم للدول الأعضاء.
إذ أصدرت في نوفمبر المنصرم تقريرها الدولي لتقييم جاهزية مملكة البحرين في المجال، كثاني دولة خليجية يتم إصدار هذا التقرير بشأنها، والتي تضمن إشادة بما حققته المملكة من تقدم واعد في هذا المجال التقني، هذا وتطرق التقرير المنشور على موقع الحكومة الالكترونية بشكل كامل؛ إلى نقاط القوة والفجوات وفرص التطوير، بما يتيح تشكيل استراتيجية وطنية مستقبلية شاملة لتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل آمن مسؤول.
وباعتبار ان المملكة متمثلة بحكومتها الموقرة تولي اهتمامًا خاصًا للكفاءات الوطنية العاملة في هذا المجال، وتدعم كافة الجهود الوطنية المبذولة لتعزيز الريادة والابتكار الوطني من مختلف الجهات في القطاعين العام والخاص، وتشجع على التوسع في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي محليًا، وتضع رؤى وتوجهات مستقبلية لاستمرارية رفد القطاع والارتقاء بمخرجاته مع وضع ضوابط لمجابهة مخاطره وتحدياته.
مع الأخذ بالاعتبار انها تتمتع بموقع استراتيجي مميز، مما يجعل منها بوابة حيوية للوصول الى الأسواق الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى تمتعها بسياسة اقتصادية مرنة، وبنية تحتية متقدمة، مما يعزز من مكانتها كمركز تجاري ولوجستي، ويجعلها بيئة جاذبة للاستثمار، لا بد أن تسعى للتوسع في استقطاب المزيد من الاستثمارات العالمية المتمكنة في هذا المجال، بما يتيح توظيف، وتدريب، وتأهيل الكفاءات البحرينية بشكل احترافي أكبر.
إلى جانب ذلك لا بد من البدء في اتخاذ خطوات لافتتاح مركز بحوث ودراسات يعنى بهذا المجال بشكل مباشر، بما يتيح المجال للأدمغة الوطنية المبدعة للتجريب، والابتكار، والإنتاج، ويستقطب الكفاءات العالمية لتدريبهم، كما يقوم بإيفاد كفاءتنا الوطنية للدول المتقدمة في المجال ذاته، وذلك للتعرف على التجارب المتقدمة، ولاكتساب مزيد من الخبرات، ولخوض فترات تدريبية في مراكز متطورة ذات باع في المجال، وللدراسة في جامعاتهم ومن ثم توظيف حصيلتهم العلمية والمعرفية في المركز الوطني في شأن الابتكار والتدريب، بما يعزز مكانة البحرين على خريطة الدول العالمية في المجال ويرسخ مكانتها كمركز دولي بارز.
لا شك أن الذكاء الاصطناعي اليوم هو المستقبل! وان الدول القائم اقتصادها على التنوع الاقتصادي غير المقتصر على الوسائل التقليدية تتمتع باقتصاد قوي ورابح، لاسيما أن الاقتصاد الرقمي اليوم أصبح عنصرا أساسيا في تحريك سوق المال، باعتبار ان الذكاء الاصطناعي صار بمثابة الشريان الرئيسي الذي يغذي كافة القطاعات الأخرى، ومملكة البحرين ببيئتها الجاذبة والمتنوعة، وبكفاءاتها الوطنية الملتزمة، وبدعم حكومتها اللامحدود، قادرة على أن تحجز لنفسها مكانة رائدة عالميًا في هذا المجال وتكون عنصرا فاعلا في الاقتصاد الرقمي العالمي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك