مع بداية العام الجديد، تبرز إعادة الهيكلة الإدارية والتنظيمية كإحدى أهم الأدوات الاقتصادية القادرة على إحداث أثر ملموس ومستدام في كفاءة الإنفاق العام، من دون المساس بجودة الخدمات أو الزخم التنموي. فالمسألة لا تتعلق بخفض المصروفات بحد ذاتها، بل بإعادة توجيهها نحو ما يحقق أعلى عائد اقتصادي واجتماعي، ويعزز من متانة المالية العامة على المدى المتوسط والطويل.
تقليل المصروفات الدورية والمتكررة يشكّل نقطة الانطلاق الطبيعية لأي إصلاح إداري ناجح. مراجعة بنود الإنفاق التشغيلية، توحيد العقود والخدمات المشتركة بين الجهات الحكومية، والانتقال المدروس نحو الحلول الرقمية، جميعها خطوات تسهم في خفض الهدر المالي وتحسين كفاءة الصرف، مع الحفاظ على استمرارية الأداء المؤسسي. هذا النوع من الضبط الذكي للإنفاق يخلق مساحة مالية أوسع يمكن توجيهها للاستثمار في البنية التحتية، وتنمية رأس المال البشري، وتحفيز القطاعات الإنتاجية.
وفي هذا الإطار، تأتي إعادة الهيكلة الوظيفية ورفع إنتاجية الأفراد كعنصر محوري في الإصلاح. التركيز على الكفاءة بدل العدد، وإعادة توزيع الكوادر وفق الاحتياج الفعلي، وربط الأداء بمؤشرات قياس واضحة، كلها أدوات ترفع من إنتاجية الجهاز الحكومي وتقلل من التكاليف غير الضرورية. كما أن إعادة النظر في دور المستشارين، وضبط أعدادهم وتخصصاتهم وفق الحاجة الفعلية، يحقق توازناً بين الاستفادة من الخبرات الخارجية والحفاظ على الانضباط المالي.
من منظور مالي أوسع، فإن إدراج بعض الجهات والوزارات ضمن إطار الميزانية العامة بشكل أكثر تكاملاً، إلى جانب تحصيل الديون المتراكمة وضخها مباشرة في الميزانية، يسهم في تحسين الصورة المالية للدولة وتقليل الضغوط على الدين العام. هذه الإجراءات لا تُعد تقشفية، بل تصحيحية، وتهدف إلى تعزيز الاستدامة المالية ورفع كفاءة إدارة الموارد، وهو ما ينعكس إيجاباً على التصنيف الائتماني وثقة المستثمرين.
وفي الجانب التنموي، تلعب تسهيلات البنية التحتية للعقارات وتخفيض رسوم البناء دوراً مهماً في تحفيز النشاط الاقتصادي. تسريع إجراءات الترخيص، وتخفيض كلفة الإنشاء، وتشجيع الإعمار، يخلق دورة اقتصادية نشطة تشمل قطاعات المقاولات، التمويل، والخدمات المرتبطة، ويعزز من الطلب المحلي وفرص التوظيف. كما أن تسهيل استخراج السجلات التجارية، مع ضبط القوانين لحفظ حقوق المواطنين والمقيمين، يعزز بيئة الأعمال ويشجع المبادرات الاستثمارية، خاصة في القطاعات الصغيرة والمتوسطة.
في المحصلة، فإن إعادة الهيكلة الإدارية ليست هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة استراتيجية لبناء جهاز حكومي أكثر كفاءة، ومالية عامة أكثر مرونة، واقتصاد أكثر قدرة على النمو المستدام. ومع القيادة الحكيمة لجلالة الملك المعظم، والمتابعة الحثيثة لسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، تتجسد هذه الإصلاحات ضمن رؤية متكاملة توازن بين الانضباط المالي، والتنمية الاقتصادية، والاستقرار الاجتماعي، لتواصل مملكة البحرين مسيرتها بثقة نحو مستقبل أكثر كفاءة وازدهاراً.
ماجستير تنفيذي بالإدارة من المملكة المتحدة (EMBA)
عضو بمعهد المهندسين والتكنولوجيا البريطانية العالمية (MIET)

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك