العدد : ١٧٤٥٢ - السبت ٠٣ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٥٢ - السبت ٠٣ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ رجب ١٤٤٧هـ

وقت مستقطع

علي ميرزا

الميدان غير المنصب

هناك‭ ‬فهم‭ ‬ملتبس‭ ‬لدى‭ ‬شريحة‭ ‬تزيد‭ ‬أو‭ ‬تنقص‭ ‬من‭ ‬المتابعين‭ ‬للشأن‭ ‬الرياضي،‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬ترسبات‭ ‬فهم‭ ‬غير‭ ‬ناضج‭ ‬إن‭ ‬صح‭ ‬التعبير،‭ ‬إذ‭ ‬ترى‭ ‬تلك‭ ‬الشريحة‭ ‬عن‭ ‬قناعة‭ ‬راسخة‭ ‬أو‭ ‬تصور‭ ‬ناقص‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬مارس‭ ‬لعبة‭ ‬ما،‭ ‬أو‭ ‬أمضى‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬الملاعب،‭ ‬يمتلك‭ ‬تلقائيا‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحليل‭ ‬الفني‭ ‬والإداري،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تولي‭ ‬قيادة‭ ‬الفرق‭ ‬من‭ ‬مقاعد‭ ‬التدريب،‭ ‬بل‭ ‬يذهب‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فيمنح‭ ‬اللاعب‭ ‬السابق‭ ‬‮«‬حصانة‮»‬‭  ‬لمجرد‭ ‬أنه‭ ‬ارتدى‭ ‬شعار‭ ‬هذه‭ ‬اللعبة‭ ‬أو‭ ‬تلك،‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬نوعية‭ ‬الأداء‭ ‬الذي‭ ‬قدمه،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬نجما‭ ‬يشار‭ ‬إليه‭ ‬بالبنان‭ ‬أم‭ ‬لاعبا‭ ‬كسائر‭ ‬السواد‭ ‬الأعظم‭ ‬من‭ ‬اللاعبين‭.‬

هذا‭ ‬الفهم‭ ‬السائد‭ ‬يغفل‭ ‬حقيقة‭ ‬جوهرية‭ ‬وهي‭: ‬اللاعب‭ ‬شيء،‭ ‬وصاحب‭ ‬الدور‭ ‬الفني‭ ‬أو‭ ‬التحليلي‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬تماما،‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬الممارسة‭ ‬الميدانية‭ ‬تمنح‭ ‬اللاعب‭ ‬خبرة‭ ‬مباشرة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تمنحه‭ ‬بالضرورة‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬تفاصيل‭ ‬اللعبة‭ ‬بزوايا‭ ‬أوسع،‭ ‬أو‭ ‬امتلاك‭ ‬أدوات‭ ‬التحليل،‭ ‬أو‭ ‬فهم‭ ‬علم‭ ‬الإدارة،‭ ‬أو‭ ‬قيادة‭ ‬الفرق‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬المنافسات‭ ‬والنتائج،‭ ‬هذه‭ ‬الأدوار‭ ‬تتطلب‭ ‬مجموعة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬المؤهلات،‭ ‬منها‭ ‬‮«‬الملكة‮»‬‭ ‬الخاصة،‭ ‬والاستعداد‭ ‬الذهني،‭ ‬والتكوين‭ ‬العلمي،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬المعرفة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬استذكار‭ ‬التجارب‭ ‬الشخصية‭.‬

فالتحليل‭ ‬الرياضي،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬وصف‭ ‬للأحداث‭ ‬أو‭ ‬استدعاء‭ ‬لذكريات‭ ‬الزمن‭ ‬الجميل،‭ ‬إنه‭ ‬عملية‭ ‬عقلية‭ ‬معقدة‭ ‬ومركبة‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬القراءة‭ ‬الفنية‭ ‬والتكتيكية‭ ‬والنفسية،‭ ‬وتتطلب‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬المشاهد،‭ ‬وذكاء‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬المعطيات،‭ ‬وأمانة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬الرأي،‭ ‬وقس‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الإدارة‭ ‬الرياضية‭ ‬لا‭ ‬تدار‭ ‬بمنطق‭ ‬‮«‬كنت‭ ‬لاعبا‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬تدار‭ ‬بمنظومة‭ ‬علمية‭ ‬متكاملة‭ ‬تشمل‭ ‬الفهم‭ ‬القانوني‭ ‬والتنظيمي‭ ‬والمالي‭ ‬والتواصلي‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬التاريخ‭ ‬الرياضي‭ ‬يعرض‭ ‬لنا‭ ‬نماذج‭ ‬قليلة‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬اللعب‭ ‬إلى‭ ‬التدريب‭ ‬أو‭ ‬التحليل،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬ليست‭ ‬قاعدة‭ ‬ومقياسا،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬استثناء‭ ‬يؤكد‭ ‬قاعدة‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬الأدوار‭ ‬الجديدة‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬استعدادات‭ ‬فردية‭ ‬خاصة،‭ ‬وإلى‭ ‬سعي‭ ‬أصحابها‭ ‬نحو‭ ‬التأهيل‭ ‬والتعلم،‭ ‬وليس‭ ‬لمجرد‭ ‬كونهم‭ ‬لاعبين‭ ‬سابقين‭.‬

إن‭ ‬أي‭ ‬لعبة‭ ‬رياضية‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬مهارة،‭ ‬بل‭ ‬منظومة‭ ‬علم‭ ‬ومعرفة،‭ ‬وقد‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬أن‭ ‬يتجاوز‭ ‬الجمهور‭ ‬تلك‭ ‬النظرة‭ ‬الرومانسية‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬اللاعب‭ ‬السابق‭ ‬مشروع‭ ‬مدرب‭ ‬أو‭ ‬محلل‭ ‬أو‭ ‬إداري‭ ‬أو‭ ‬قائد،‭ ‬فالرياضة‭ ‬الحديثة‭ ‬أصبحت‭ ‬علما‭ ‬متقدما،‭ ‬والمهام‭ ‬فيها‭ ‬تتطلب‭ ‬تكوينا‭ ‬تخصصيا‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬الموهبة‭ ‬ذاتها‭.‬

إقرأ أيضا لـ"علي ميرزا"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا