وقت مستقطع
علي ميرزا
الميدان غير المنصب
هناك فهم ملتبس لدى شريحة تزيد أو تنقص من المتابعين للشأن الرياضي، يعاني من ترسبات فهم غير ناضج إن صح التعبير، إذ ترى تلك الشريحة عن قناعة راسخة أو تصور ناقص أن كل من مارس لعبة ما، أو أمضى سنوات في الملاعب، يمتلك تلقائيا القدرة على التحليل الفني والإداري، أو حتى تولي قيادة الفرق من مقاعد التدريب، بل يذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، فيمنح اللاعب السابق «حصانة» لمجرد أنه ارتدى شعار هذه اللعبة أو تلك، بصرف النظر عن نوعية الأداء الذي قدمه، سواء كان نجما يشار إليه بالبنان أم لاعبا كسائر السواد الأعظم من اللاعبين.
هذا الفهم السائد يغفل حقيقة جوهرية وهي: اللاعب شيء، وصاحب الدور الفني أو التحليلي شيء آخر تماما، صحيح أن الممارسة الميدانية تمنح اللاعب خبرة مباشرة، لكنها لا تمنحه بالضرورة القدرة على قراءة تفاصيل اللعبة بزوايا أوسع، أو امتلاك أدوات التحليل، أو فهم علم الإدارة، أو قيادة الفرق تحت ضغط المنافسات والنتائج، هذه الأدوار تتطلب مجموعة أخرى من المؤهلات، منها «الملكة» الخاصة، والاستعداد الذهني، والتكوين العلمي، والقدرة على توظيف المعرفة أكثر من استذكار التجارب الشخصية.
فالتحليل الرياضي، على سبيل المثال، ليس مجرد وصف للأحداث أو استدعاء لذكريات الزمن الجميل، إنه عملية عقلية معقدة ومركبة تتداخل فيها القراءة الفنية والتكتيكية والنفسية، وتتطلب قدرة على الربط بين المشاهد، وذكاء في تفسير المعطيات، وأمانة في تقديم الرأي، وقس على ذلك الإدارة الرياضية لا تدار بمنطق «كنت لاعبا»، بل تدار بمنظومة علمية متكاملة تشمل الفهم القانوني والتنظيمي والمالي والتواصلي.
وإذا كان التاريخ الرياضي يعرض لنا نماذج قليلة نجحت في الانتقال من اللعب إلى التدريب أو التحليل، فإن هذه النماذج ليست قاعدة ومقياسا، بقدر ما هو استثناء يؤكد قاعدة أن النجاح في الأدوار الجديدة يعود إلى استعدادات فردية خاصة، وإلى سعي أصحابها نحو التأهيل والتعلم، وليس لمجرد كونهم لاعبين سابقين.
إن أي لعبة رياضية اليوم لم تعد مجرد مهارة، بل منظومة علم ومعرفة، وقد آن الأوان أن يتجاوز الجمهور تلك النظرة الرومانسية التي ترى في اللاعب السابق مشروع مدرب أو محلل أو إداري أو قائد، فالرياضة الحديثة أصبحت علما متقدما، والمهام فيها تتطلب تكوينا تخصصيا لا يقل أهمية عن الموهبة ذاتها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك