العدد : ١٧٥٠٧ - الجمعة ٢٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٧ - الجمعة ٢٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ رمضان ١٤٤٧هـ

وقت مستقطع

علي ميرزا

اختيار صاحب أهله

لم‭ ‬يكن‭ ‬اختيار‭ ‬اتحاد‭ ‬الكرة‭ ‬الطائرة‭ ‬للكابتن‭ ‬يوسف‭ ‬خليفة‭ ‬لقيادة‭ ‬منتخب‭ ‬الناشئين‭ ‬قرارا‭ ‬عاديا‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬الرياضي،‭ ‬بل‭ ‬خطوة‭ ‬لاقت‭ ‬ارتياحا‭ ‬واسعا،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬أسرة‭ ‬اللعبة،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الوسط‭ ‬الرياضي‭ ‬عامة،‭ ‬لأنها‭ ‬ببساطة‭ ‬وضعت‭ ‬الرجل‭ ‬المناسب‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬المناسب‭.‬

الحديث‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬باسم‭ ‬مدرب‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بفكرة‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالكفاءة‭ ‬الوطنية،‭ ‬فيوسف‭ ‬خليفة‭ ‬ليس‭ ‬غريبا‭ ‬على‭ ‬اللعبة،‭ ‬ولا‭ ‬تجربة‭ ‬عابرة‭ ‬تمنح‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المجاملة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬أبناء‭ ‬اللعبة‭ ‬الذين‭ ‬عاشوا‭ ‬تفاصيلها‭ ‬لاعبا‭ ‬ومدربا‭ ‬ومتابعا‭ ‬دقيقا‭ ‬لتفاصيلها‭ ‬محليا‭ ‬ودوليا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬وجوده‭ ‬امتدادا‭ ‬طبيعيا‭ ‬لمسار‭ ‬قضى‭ ‬سنواته‭ ‬داخله‭.‬

في‭ ‬الرياضة،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬المجالات،‭ ‬لا‭ ‬تبنى‭ ‬المشاريع‭ ‬بالاجتهادات‭ ‬المؤقتة،‭ ‬بل‭ ‬بالعقول‭ ‬التي‭ ‬راكمت‭ ‬المعرفة‭ ‬والتجربة،‭ ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬فإن‭ ‬منح‭ ‬الثقة‭ ‬للكفاءات‭ ‬الوطنية‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تكريم‭ ‬معنوي،‭ ‬بل‭ ‬قرار‭ ‬فني‭ ‬استراتيجي،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬ابن‭ ‬اللعبة‭ ‬يعرف‭ ‬بيئتها،‭ ‬ويفهم‭ ‬خاماتها‭ ‬البشرية،‭ ‬ويدرك‭ ‬تفاصيلها‭ ‬الدقيقة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬قراءة‭ ‬نظرية‭.‬

المشكلة‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الألعاب‭ ‬ليست‭ ‬نقص‭ ‬المواهب،‭ ‬بل‭ ‬سوء‭ ‬استثمار‭ ‬الخبرة،‭ ‬لدينا‭ ‬أسماء‭ ‬صنعت‭ ‬تاريخا‭ ‬داخل‭ ‬الملاعب،‭ ‬لكنها‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬حبيسة‭ ‬بيوتها،‭ ‬وكأن‭ ‬الخبرة‭ ‬تنتهي‭ ‬بانتهاء‭ ‬المشاركة‭ ‬كلاعب‭ ‬أو‭ ‬بمرحلة‭ ‬تدريبية‭ ‬محدودة،‭ ‬بينما‭ ‬الواقع‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تبدأ‭ ‬بعد‭ ‬تراكم‭ ‬التجربة،‭ ‬لا‭ ‬قبلها‭.‬

ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬وجود‭ ‬أمثال‭ ‬يوسف‭ ‬خليفة‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬المسؤولية‭ ‬الفنية‭ ‬يفتح‭ ‬باب‭ ‬تحويل‭ ‬الخبرة‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬عمل،‭ ‬فمدرب‭ ‬مر‭ ‬بمختلف‭ ‬المراحل‭ ‬العمرية،‭ ‬واحتك‭ ‬بمستويات‭ ‬متعددة،‭ ‬وتابع‭ ‬المدارس‭ ‬الفنية‭ ‬المختلفة،‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬المعرفة‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الحصة‭ ‬التدريبية‭ ‬فقط‭.‬

المنتخبات‭ ‬العمرية‭ ‬تحديدا‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬مدربا‭ ‬يحقق‭ ‬نتائج‭ ‬سريعة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تحتاج‭ ‬مربيا‭ ‬فنيا‭ ‬يبني‭ ‬اللاعب،‭ ‬وهو‭ ‬دور‭ ‬لا‭ ‬يتقنه‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬يعرف‭ ‬مراحل‭ ‬التكوين،‭ ‬ويملك‭ ‬الصبر‭ ‬على‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬الفارق‭ ‬الكبير‭ ‬مستقبلا‭.‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬الرسالة‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬منتخب‭ ‬الناشئين،‭ ‬بل‭ ‬تتجاوزها‭ ‬إلى‭ ‬فلسفة‭ ‬العمل‭ ‬الرياضي،‭ ‬فالكفاءات‭ ‬الوطنية‭ ‬ليست‭ ‬خيارا‭ ‬احتياطيا،‭ ‬بل‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الحقيقي‭ ‬للرياضة‭.‬

فالمدرب‭ ‬الوطني‭ ‬حين‭ ‬يُمنح‭ ‬الثقة‭ ‬لا‭ ‬يمنحها‭ ‬لنفسه‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬لجيل‭ ‬كامل‭ ‬يرى‭ ‬أمامه‭ ‬نموذجا‭ ‬يمكن‭ ‬الوصول‭ ‬إليه،‭ ‬ويشعر‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬مفتوح‭ ‬لمن‭ ‬يعمل‭ ‬ويجتهد،‭ ‬ولكن‭ ‬حين‭ ‬تهمش‭ ‬الخبرات،‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نخسر‭ ‬أسماء‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬نخسر‭ ‬ذاكرة‭ ‬اللعبة‭ ‬وتراكمها‭ ‬المعرفي‭.‬

لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬اسم‭ ‬يوسف‭ ‬خليفة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬على‭ ‬الفكرة‭ ‬والمتمثلة‭ ‬بأن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الكفاءة‭ ‬الوطنية‭ ‬ليس‭ ‬مجاملة‭ ‬ولكنه‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

إقرأ أيضا لـ"علي ميرزا"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا