يعد الأول من ديسمبر يومًا للاحتفاء بالمرأة البحرينية، وهو يوم يجسد مسيرة ممتدة من العطاء والإنجاز؛ ففي كل عام تنشر الصحف الوطنية قراءات جديدة لهذه المسيرة وعرض ما تحقق للمرأة البحرينية من مكاسب وتطورات لا يخلو منها أي عام حتى أصبحت نموذجًا للتقدم والتمكين والعطاء ومثالاً يحتذى به وتجربة جديرة بالدراسة لفهم أسباب نجاحها وتميزها.
ويتزامن احتفال هذا العام مع فوز مملكة البحرين بعضويتين دوليتين بارزتين: الأولى العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن للفترة (2026-2027) والثانية: العضوية في المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة للفترة (2026-2028)، ويشكل هذا الفوز المزدوج فرصة مهمة لإيصال التجربة البحرينية في تمكين المرأة إلى منصة دولية أوسع وجعل صوتها جزءًا من صياغة الحلول العالمية.
ولفهم الأسس التي مكنت المرأة البحرينية من بلوغ هذه المكانة لا بد من الوقوف على الركائز التي صنعت هذا النموذج؛ فقد جاء هذا الإنجاز ثمرة رؤية حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، الذي أكد منذ انطلاق المشروع الإصلاحي أن المرأة شريك أساسي في نهضة البحرين، وقد نص كل من ميثاق العمل الوطني والدستور البحريني على مشروعية حقوق المرأة البحرينية وأهمية تحقيق مبدأ المساواة، الأمر الذي عزز البيئة التشريعية الداعمة لها.
وانطلاقًا من هذه الرؤية صدرت الإرادة الملكية بتأسيس المجلس الأعلى للمرأة برئاسة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة جلالة الملك المعظم ليضطلع منذ عام 2001 حتى الآن بدور محوري في عملية إدماج احتياجات المرأة في الخطط الحكومية ووضع الخطط الوطنية للنهوض بالمرأة، وأسهمت هذه الجهود في تقدم مملكة البحرين في مختلف المؤشرات العالمية ذات الصلة بالمشاركة الاقتصادية والسياسية والتعليمية.
وترجمت هذه السياسات إلى آليات تنفيذية واضحة، من أبرزها: إنشاء وحدات تكافؤ الفرص في الوزارات والمؤسسات الحكومية، واعتماد مؤشرات وطنية لقياس واقع المرأة ومتابعة التقدم المحقق، وهو ما ضمن استمرارية هذا النجاح وتطوره.
وعلى أرض الواقع انعكست هذه الجهود في ارتفاع تمثيل المرأة في القطاع الحكومي ليصل إلى 60% وفي القطاع الخاص إلى 36% إلى جانب توليها العديد من المناصب القيادية في مجلسي النواب والشورى والسلطة القضائية والسلك العسكري.
كما برز حضور المرأة البحرينية في العمل الأهلي والتطوعي، وأسهمت في قيادة مبادرات مجتمعية نوعية تركت أثرًا إيجابيًا في المجتمع. أما على الصعيد الدولي فإن العضوية المزدوجة لمملكة البحرين اليوم تمنحها فرصة تاريخية لتسليط الضوء على هذه التجربة ونقلها إلى ساحة العمل الدولي. وتجدر الإشارة إلى أن تمكين المرأة البحرينية عالميًا ليس وليد اللحظة؛ فقد مثل انتخاب سمو الشيخة هيا بنت راشد آل خليفة عام 2006 لرئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة أول تجربة لامرأة عربية مسلمة في هذا المنصب الرفيع، ما يعكس الإرث الريادي للمرأة البحرينية في العمل الأممي. كما تواصل المرأة البحرينية تمثيل بلادها بجدارة في السلك الدبلوماسي وتخرج الكفاءات النسائية في أكاديمية محمد بن مبارك آل خليفة للدراسات الدبلوماسية، حيث تشكل النساء نصف عدد الخريجين.
ومن هذا المنطلق، لم يعد تمكين المرأة سياسة وطنية فحسب، بل بات جزءًا من الهوية البحرينية ومن مسار الدولة في التنمية والدبلوماسية، وتلتقي هذه الرؤية مع توجه مملكة البحرين القائم على نشر ثقافة السلام والتسامح والتعايش، وهي المبادئ التي تتقاطع مع مضامين قرار مجلس الأمن 1325 لعام 2000م المعني بالمرأة والسلام والأمن.
ويمكن للبحرين من خلال عضويتها في مجلس الامن وعضويتها في المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة المسؤول عن تفعيل قرار مجلس الأمن 1325 المساهمة في تفعيل الركائز الرئيسة للقرار الأممي وهي:
أولاً: المشاركة، من خلال الدفع نحو زيادة مشاركة النساء في عمليات السلام وصنع القرار الأمني، وقد قدمت البحرين نموذجًا ناجحًا في تمثيل المرأة في مواقع القيادة.
ثانيًا: الحماية، من خلال دعم وتطوير التشريعات الدولية لحماية المرأة في النزاعات، مستندة من الخبرة الوطنية في صياغة السياسات الداعمة للمرأة.
ثالثًا: الوقاية، من خلال إدماج منظور النوع الاجتماعي في استراتيجيات منع النزاع والاستفادة من دور المرأة البحرينية في الأمن المجتمعي.
رابعًا: الإغاثة والانعاش، من خلال ضمان حصول النساء في مناطق النزاع على المساعدات إلى جانب دعم اشراك المرأة في جهود إعادة الإعمار، وهو مجال تمتلك فيه مملكة البحرين سجلاً مشرفًا عبر المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية.
وبذلك من خلال هاتين العضويتين تدخل مملكة البحرين الأمم المتحدة ولديها رصيد قوي يرتكز على تاريخ راسخ لتمكين المرأة تحمل في طياته رسالة للسلام والتعايش، مستهدفة جعل تلك التجربة نموذجًا يحتذى كمساهمة فاعلة في بناء مستقبل أكثر أمنًا وسلامًا للعالم.
{ باحثة في دراسات المرأة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك