حين يُشعر القانون المرأة بالأمان، تبدأ الحكاية الحقيقية؛ فقصة المرأة البحرينية ليست حكاية عن التمكين فقط، إنها رحلة وعي يتجدد كلما تبدل القانون أو اتسعت الرؤية. ما كسبته النساء حتى اليوم لم يكن في المناصب والوظائف وحدها، بل في أن يجدن لأنفسهن مكانا داخل النصوص، وأن يتحول حضورهن من وعد إلى واقع يُعاش.
لم يعد إنجاز المرأة البحرينية بحاجة إلى استعراض؛ فوجودها في مواقع العمل والقيادة صار أمرا طبيعيا في المجتمع، وما يلفت النظر اليوم هو كيف استطاعت تحويل هذا الوجود إلى أثر يومي في حياة الناس.
القوانين البحرينية قطعت شوطا مهما في بناء التوازن بين حقوق المرأة ومسؤولياتها، وخصوصا مع صدور قانون الأسرة رقم (19) لسنة 2017 الذي جمع بين المذهبين في إطار واحد يحترم الخصوصية المذهبية. لكن الحياة الأسرية اليوم ليست كما كانت، والمرأة باتت شريكة فعلية في المسؤولية الاقتصادية والاجتماعية، ما يستدعي مراجعة بعض النصوص لتواكب هذا التحول.
من واقع متابعتي لقضايا المرأة البحرينية هناك ملفات مازالت بحاجة إلى مراجعة هادئة ومسؤولة؛ من بينها تحديد سن الزواج بما يحمي الفتيات من الاستعجال في قرارات مصيرية، وتنظيم الحقوق المالية المشتركة بين الزوجين بما يضمن الإنصاف عند الخلاف، وفتح أفق أرحب لأبناء الأم البحرينية المتزوجة من غير بحريني في نيل حقوقهم، إضافة إلى مراجعة أحكام الحضانة لتُبنى على مصلحة الطفل، لا على النزاع بين الأبوين.
وفي هذا السياق، تبقى قضية النساء المعلقات في المحاكم الشرعية من أكثر القضايا وجعا؛ نساء لا هُن متزوجات ولا مطلقات، ينتظرن حكما يحسم مصيرهن، فتطول الإجراءات وتتداخل المسارات، ويتحول الانتظار إلى معاناة لا تنتهي. إنها ليست مسألة قانونية فحسب، بل اختبارا لإنسانية الاجراءات ومدى قربها من نبض الناس.
هذه القضايا تمس الأسرة بأكملها، لأنها تكشف مدى فاعلية النصوص في مواجهة تعقيدات الواقع، ومدى قدرة القوانين المعمول بها على إيجاد حلول متوازنة تحترم الشرع وتواكب العصر.
وفي أصل كل حديث عن التمكين تظل العدالة هي الأساس الذي تقوم عليه القوانين. والعدالة لا تعني المساواة المطلقة، فالرجل والمرأة يختلفان في الخِلقة والدور، لكنها تقتضي أن يحصل كل طرف على حقه بإنصاف، وأن يكون الاختلاف بينهما تكاملا لا تناقضا. حين تُنصف المرأة في بيتها، يترسخ حضورها في المجتمع بثقة وطمأنينة، لأن القانون الحقيقي هو الذي يمنحها الأمان في ممارسة أدوارها كلها: أما، وزوجة، وموظفة، ومواطنة.
حين أتحدث عن العدالة، أستحضر أمي -رحمها الله- التي علّمتني معناها قبل أن أدرسه. كانت تعدل بحب، وتنصف بقلب، وتُثبت أن العدالة لا تُكتب في القوانين فقط، بل تُغرس في البيوت أولا. وتلك القيم التي غُرست في البيوت وجدت طريقها لاحقا إلى المؤسسات التي حملت همّ المرأة البحرينية، فترجمتها إلى سياسات وبرامج تمس حياتها اليومية.
لقد كان للمجلس الأعلى للمرأة، برعاية صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، أثرٌ بارز في ترسيخ هذا النهج من خلال برامجه ومبادراته التي دعمت المرأة العاملة، وساندت الأسر المنتجة، ودفعت نحو شراكات مؤسسية تُترجم التمكين إلى واقع ملموس.
وفي موازاة ذلك، برز دور الجمعيات النسائية والاتحاد النسائي البحريني في مد الجسور بين القضايا اليومية للنساء والجهات الرسمية، بما خلق بيئة تشاركية ناضجة تتكامل فيها الخبرة الميدانية مع الرؤية الوطنية.
ما نحتاج إليه اليوم ليس مزيدا من البرامج، بل تفعيلا أعمق لما بدأ بالفعل؛ فالمحاكم الأسرية في البحرين وفّرت خدمات التوفيق والإرشاد، لكنها تستطيع أن تتوسع في ذلك لتكون أقرب إلى بيت يُستمع فيه للناس لا مكانا للإجراءات فقط. وعندما تُعزز الاستشارة النفسية والاجتماعية داخل مسار القضايا، لا على هامشها، يمكن أن تتغير نتائج كثيرة؛ فالمرأة التي تجد دعما قانونيا وإنسانيا واضحا لا تشعر بالوحدة أمام القانون، ويقترب العدل عندها من معناه الحقيقي.
من بيت آمن وقانونٍ منصف تبدأ الطريق نحو رؤية البحرين 2050، حيث يقاس التقدم بقدرة المجتمع على حماية الإنسان قبل أي شيء آخر؛ فالقوانين التي تصون الأسرة وترسخ العدالة هي الركيزة التي يقوم عليها أي تطور حقيقي.
بمناسبة يوم المرأة البحرينية، نحتفي بمسيرة طويلة من الإصرار الهادئ والإنجاز الصامت. لكن الاحتفاء الحقيقي لا يكتمل إلا حين تجد كل امرأة أمانها في قانون يحميها قبل أن يحاسبها، وعدالة تصل إليها قبل أن تضطر إلى البحث عنها. ما بُني حتى اليوم يستحق التقدير، وما ننتظره غدا يستحق العمل. فالمرأة البحرينية ليست في حاجة إلى وعود جديدة، بل إلى واقع يترجم ما تتطلع إليه من طموحات وآمال.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك