العدد : ١٧٤١٧ - السبت ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٨ جمادى الآخر ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤١٧ - السبت ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٨ جمادى الآخر ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

المرأة البحرينية.. شريكة في كتابة القانون والحياة

بقلم: نبيلة رجب

السبت ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٥ - 02:00

حين‭ ‬يُشعر‭ ‬القانون‭ ‬المرأة‭ ‬بالأمان،‭ ‬تبدأ‭ ‬الحكاية‭ ‬الحقيقية؛‭ ‬فقصة‭ ‬المرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬ليست‭ ‬حكاية‭ ‬عن‭ ‬التمكين‭ ‬فقط،‭ ‬إنها‭ ‬رحلة‭ ‬وعي‭ ‬يتجدد‭ ‬كلما‭ ‬تبدل‭ ‬القانون‭ ‬أو‭ ‬اتسعت‭ ‬الرؤية‭. ‬ما‭ ‬كسبته‭ ‬النساء‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬المناصب‭ ‬والوظائف‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يجدن‭ ‬لأنفسهن‭ ‬مكانا‭ ‬داخل‭ ‬النصوص،‭ ‬وأن‭ ‬يتحول‭ ‬حضورهن‭ ‬من‭ ‬وعد‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬يُعاش‭.‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬إنجاز‭ ‬المرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬استعراض؛‭ ‬فوجودها‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬العمل‭ ‬والقيادة‭ ‬صار‭ ‬أمرا‭ ‬طبيعيا‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬وما‭ ‬يلفت‭ ‬النظر‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬كيف‭ ‬استطاعت‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬الوجود‭ ‬إلى‭ ‬أثر‭ ‬يومي‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭.‬

القوانين‭ ‬البحرينية‭ ‬قطعت‭ ‬شوطا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬حقوق‭ ‬المرأة‭ ‬ومسؤولياتها،‭ ‬وخصوصا‭ ‬مع‭ ‬صدور‭ ‬قانون‭ ‬الأسرة‭ ‬رقم‭ (‬19‭) ‬لسنة‭ ‬2017‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬بين‭ ‬المذهبين‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬واحد‭ ‬يحترم‭ ‬الخصوصية‭ ‬المذهبية‭. ‬لكن‭ ‬الحياة‭ ‬الأسرية‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬كما‭ ‬كانت،‭ ‬والمرأة‭ ‬باتت‭ ‬شريكة‭ ‬فعلية‭ ‬في‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬مراجعة‭ ‬بعض‭ ‬النصوص‭ ‬لتواكب‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭.‬

من‭ ‬واقع‭ ‬متابعتي‭ ‬لقضايا‭ ‬المرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬هناك‭ ‬ملفات‭ ‬مازالت‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬هادئة‭ ‬ومسؤولة؛‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬تحديد‭ ‬سن‭ ‬الزواج‭ ‬بما‭ ‬يحمي‭ ‬الفتيات‭ ‬من‭ ‬الاستعجال‭ ‬في‭ ‬قرارات‭ ‬مصيرية،‭ ‬وتنظيم‭ ‬الحقوق‭ ‬المالية‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬الإنصاف‭ ‬عند‭ ‬الخلاف،‭ ‬وفتح‭ ‬أفق‭ ‬أرحب‭ ‬لأبناء‭ ‬الأم‭ ‬البحرينية‭ ‬المتزوجة‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬بحريني‭ ‬في‭ ‬نيل‭ ‬حقوقهم،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬أحكام‭ ‬الحضانة‭ ‬لتُبنى‭ ‬على‭ ‬مصلحة‭ ‬الطفل،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬النزاع‭ ‬بين‭ ‬الأبوين‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبقى‭ ‬قضية‭ ‬النساء‭ ‬المعلقات‭ ‬في‭ ‬المحاكم‭ ‬الشرعية‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬القضايا‭ ‬وجعا؛‭ ‬نساء‭ ‬لا‭ ‬هُن‭ ‬متزوجات‭ ‬ولا‭ ‬مطلقات،‭ ‬ينتظرن‭ ‬حكما‭ ‬يحسم‭ ‬مصيرهن،‭ ‬فتطول‭ ‬الإجراءات‭ ‬وتتداخل‭ ‬المسارات،‭ ‬ويتحول‭ ‬الانتظار‭ ‬إلى‭ ‬معاناة‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭. ‬إنها‭ ‬ليست‭ ‬مسألة‭ ‬قانونية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬اختبارا‭ ‬لإنسانية‭ ‬الاجراءات‭ ‬ومدى‭ ‬قربها‭ ‬من‭ ‬نبض‭ ‬الناس‭.‬

هذه‭ ‬القضايا‭ ‬تمس‭ ‬الأسرة‭ ‬بأكملها،‭ ‬لأنها‭ ‬تكشف‭ ‬مدى‭ ‬فاعلية‭ ‬النصوص‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تعقيدات‭ ‬الواقع،‭ ‬ومدى‭ ‬قدرة‭ ‬القوانين‭ ‬المعمول‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬إيجاد‭ ‬حلول‭ ‬متوازنة‭ ‬تحترم‭ ‬الشرع‭ ‬وتواكب‭ ‬العصر‭.‬

وفي‭ ‬أصل‭ ‬كل‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬التمكين‭ ‬تظل‭ ‬العدالة‭ ‬هي‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬تقوم‭ ‬عليه‭ ‬القوانين‭. ‬والعدالة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬المساواة‭ ‬المطلقة،‭ ‬فالرجل‭ ‬والمرأة‭ ‬يختلفان‭ ‬في‭ ‬الخِلقة‭ ‬والدور،‭ ‬لكنها‭ ‬تقتضي‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬على‭ ‬حقه‭ ‬بإنصاف،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬الاختلاف‭ ‬بينهما‭ ‬تكاملا‭ ‬لا‭ ‬تناقضا‭. ‬حين‭ ‬تُنصف‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬بيتها،‭ ‬يترسخ‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬بثقة‭ ‬وطمأنينة،‭ ‬لأن‭ ‬القانون‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يمنحها‭ ‬الأمان‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬أدوارها‭ ‬كلها‭: ‬أما،‭ ‬وزوجة،‭ ‬وموظفة،‭ ‬ومواطنة‭.‬

حين‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬العدالة،‭ ‬أستحضر‭ ‬أمي‭ -‬رحمها‭ ‬الله‭- ‬التي‭ ‬علّمتني‭ ‬معناها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أدرسه‭. ‬كانت‭ ‬تعدل‭ ‬بحب،‭ ‬وتنصف‭ ‬بقلب،‭ ‬وتُثبت‭ ‬أن‭ ‬العدالة‭ ‬لا‭ ‬تُكتب‭ ‬في‭ ‬القوانين‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تُغرس‭ ‬في‭ ‬البيوت‭ ‬أولا‭. ‬وتلك‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬غُرست‭ ‬في‭ ‬البيوت‭ ‬وجدت‭ ‬طريقها‭ ‬لاحقا‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬حملت‭ ‬همّ‭ ‬المرأة‭ ‬البحرينية،‭ ‬فترجمتها‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬وبرامج‭ ‬تمس‭ ‬حياتها‭ ‬اليومية‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬للمجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للمرأة،‭ ‬برعاية‭ ‬صاحبة‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأميرة‭ ‬سبيكة‭ ‬بنت‭ ‬إبراهيم‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬أثرٌ‭ ‬بارز‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬برامجه‭ ‬ومبادراته‭ ‬التي‭ ‬دعمت‭ ‬المرأة‭ ‬العاملة،‭ ‬وساندت‭ ‬الأسر‭ ‬المنتجة،‭ ‬ودفعت‭ ‬نحو‭ ‬شراكات‭ ‬مؤسسية‭ ‬تُترجم‭ ‬التمكين‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬ملموس‭.‬

وفي‭ ‬موازاة‭ ‬ذلك،‭ ‬برز‭ ‬دور‭ ‬الجمعيات‭ ‬النسائية‭ ‬والاتحاد‭ ‬النسائي‭ ‬البحريني‭ ‬في‭ ‬مد‭ ‬الجسور‭ ‬بين‭ ‬القضايا‭ ‬اليومية‭ ‬للنساء‭ ‬والجهات‭ ‬الرسمية،‭ ‬بما‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬تشاركية‭ ‬ناضجة‭ ‬تتكامل‭ ‬فيها‭ ‬الخبرة‭ ‬الميدانية‭ ‬مع‭ ‬الرؤية‭ ‬الوطنية‭.‬

ما‭ ‬نحتاج‭ ‬إليه‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬البرامج،‭ ‬بل‭ ‬تفعيلا‭ ‬أعمق‭ ‬لما‭ ‬بدأ‭ ‬بالفعل؛‭ ‬فالمحاكم‭ ‬الأسرية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬وفّرت‭ ‬خدمات‭ ‬التوفيق‭ ‬والإرشاد،‭ ‬لكنها‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تتوسع‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬لتكون‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬يُستمع‭ ‬فيه‭ ‬للناس‭ ‬لا‭ ‬مكانا‭ ‬للإجراءات‭ ‬فقط‭. ‬وعندما‭ ‬تُعزز‭ ‬الاستشارة‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬داخل‭ ‬مسار‭ ‬القضايا،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬هامشها،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتغير‭ ‬نتائج‭ ‬كثيرة؛‭ ‬فالمرأة‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬دعما‭ ‬قانونيا‭ ‬وإنسانيا‭ ‬واضحا‭ ‬لا‭ ‬تشعر‭ ‬بالوحدة‭ ‬أمام‭ ‬القانون،‭ ‬ويقترب‭ ‬العدل‭ ‬عندها‭ ‬من‭ ‬معناه‭ ‬الحقيقي‭.‬

من‭ ‬بيت‭ ‬آمن‭ ‬وقانونٍ‭ ‬منصف‭ ‬تبدأ‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬رؤية‭ ‬البحرين‭ ‬2050،‭ ‬حيث‭ ‬يقاس‭ ‬التقدم‭ ‬بقدرة‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬آخر؛‭ ‬فالقوانين‭ ‬التي‭ ‬تصون‭ ‬الأسرة‭ ‬وترسخ‭ ‬العدالة‭ ‬هي‭ ‬الركيزة‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬أي‭ ‬تطور‭ ‬حقيقي‭.‬

بمناسبة‭ ‬يوم‭ ‬المرأة‭ ‬البحرينية،‭ ‬نحتفي‭ ‬بمسيرة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الإصرار‭ ‬الهادئ‭ ‬والإنجاز‭ ‬الصامت‭. ‬لكن‭ ‬الاحتفاء‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬تجد‭ ‬كل‭ ‬امرأة‭ ‬أمانها‭ ‬في‭ ‬قانون‭ ‬يحميها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يحاسبها،‭ ‬وعدالة‭ ‬تصل‭ ‬إليها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تضطر‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عنها‭. ‬ما‭ ‬بُني‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬يستحق‭ ‬التقدير،‭ ‬وما‭ ‬ننتظره‭ ‬غدا‭ ‬يستحق‭ ‬العمل‭. ‬فالمرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬وعود‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬يترجم‭ ‬ما‭ ‬تتطلع‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬طموحات‭ ‬وآمال‭.‬

 

rajabnabeela@gmail‭.‬com

‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا