على مدى ثلاثة أيام وخلال الفترة من 18-20 نوفمبر 2025م، قام صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية الشقيقة، بزيارة وُصِفَت بالـ«تاريخية» للولايات المتحدة الأمريكية، التقى خلالها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس مجلس النواب الأمريكي مايك جونسون، فضلاً عن لقائه عددا من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيَّيْن، وعدد من رجال الأعمال خلال منتدى الاستثمار الأمريكي – السعودي.
الزيارة لم تكن عادية بالنظر إلى اللقاءات الرسمية والتصريحات المهمة لسمو ولي العهد السعودي حول عددٍ من القضايا التي عكست مضامين السياسات الخارجية والاقتصادية للمملكة، وتطلعاتها نحو المستقبل ضمن رؤية المملكة 2023م، وفي هذا السياق قال سموه: «نحن لا نخلق فرصاً وهميةً لإرضاء أمريكا أو إرضاء الرئيس ترامب، إنها فرصٌ حقيقية»، مستشهداً في ذلك برقائق الذكاء الاصطناعي، حيث قال: «إن المملكة العربية السعودية لديها طلبٌ هائل في هذا المجال، وأن الاتفاقية مع واشنطن ستوفر فرصاً تلبّي احتياجات السعودية»، وهي كلماتٌ أكدت قناعة النخبة السعودية بتشابك المصالح بشكلٍ غير مسبوق، وضرورة تعظيم الفائدة من التحولات التي يشهدها العالم، خصوصاً في مجالٍ واعدٍ مثل الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن رؤية الرئيس ترامب ذاته لتلك الزيارة، التي وصفها بأنها: « أكثر من مجرد لقاء، وتهدف إلى تكريم السعودية كحليفٍ أساسي للولايات المتحدة في المنطقة».
ويعكس تحليل مضامين البيان الختامي للزيارة حقيقةً مؤداها أن القضايا التي تم الاتفاق بشأنها تؤكد الطابع الاستراتيجي للعلاقة بين الولايات المتحدة كقوةٍ عظمى، والمملكة العربية السعودية كشريكٍ إقليميٍّ مهم. فالزيارة تجاوزت البُعد الاقتصادي رغم أهميته، فهناك قناعة سعودية بأهمية توظيف الفرص النافعة للاقتصاد السعودي، إذ شهدت الزيارة توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين الجانبين بقيمة 270 مليار دولار، وكذلك توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي، والإطار الاستراتيجي للتعاون في تأمين سلاسل إمدادات اليورانيوم والمعادن، والتعاون في مجالات التعليم والتدريب، وغيرها من الاتفاقيات.
ومع أهمية النتائج الاقتصادية، في تقديري أن الزيارة أسفرت عن ثلاث نتائج مهمة للغاية على صعيد الأمن والدفاع؛ أولها: توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي بين الجانبين؛ وثانيها: الإعلان المشترك لاكتمال المفاوضات بشأن التعاون بين البلدين في مجال الطاقة النووية المدنية؛ وثالثها: منح الولايات المتحدة المملكة العربية السعودية صفة حليفٍ رئيسي من خارج حلف الناتو، لتكون الدولة الخليجية الرابعة التي تحصل على هذه الصفة، ووفقاً لذلك، سوف تُعطى الأولوية للمملكة لشراء الأسلحة الأمريكية وكذلك للحصول على التعاون العسكري. هذه النتائج المهمة تتوازى مع جهود السعودية في توطين الصناعات العسكرية، التي بلغت 24.89% في نهاية عام 2024م، وسوف تنعكس في نهاية المطاف على جهود تحقيق مفهوم توازن القوى الإقليمي، وهو حجر الزاوية في معادلة أمن الخليج العربي.
وفي تصوري، لم تكن الزيارة مُنشِئةً للشراكة الاستراتيجية بين البلدين، بل كانت كاشفةً لأبعادها ومساراتها المستقبلية، حيث كانت السعودية عبر تاريخها شريكاً إقليمياً مهماً للولايات المتحدة، فقد انضمت إلى التحالفات التي أسستها الإدارات الأمريكية المتعاقبة لمواجهة التهديدات الإقليمية، ومنها: التحالف الدولي لأمن وحماية الملاحة البحرية وضمان سلامة الممرات، الذي أعلنه الرئيس ترامب خلال ولايته الأولى في عام 2019م، وانضمام السعودية إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش في عام 2014م، بالإضافة إلى مشاركة القوات البحرية الأمريكية إلى جانب نظيرتها السعودية في عددٍ من المناورات البحرية التي تستهدف تعزيز قدرات القوات البحرية، والتدريب على التعامل مع الكوارث البحرية.
كانت قضايا الأمن الإقليمي حاضرةً وبقوة على أجندة اجتماعات الجانبين، انطلاقاً من حقيقة مفادها أن أمن الخليج العربي يرتبط على نحوٍ وثيق بالأمن الإقليمي، لذلك جاء حديث سمو ولي العهد السعودي بشكلٍ مباشر مع الرئيس الأمريكي عن ضرورة حل الصراع في السودان، وهو ما وجد استجابةً وقتية لدى الرئيس دونالد ترامب، بالإضافة إلى تأكيد سمو ولي العهد أهمية إيجاد مسارٍ واضحٍ لحل الدولتين لتحقيق التعايش بسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتأكيد أهمية التوصل إلى اتفاقٍ بين الولايات المتحدة وإيران حول الملف النووي، وأن السعودية سوف تبذل قصارى جهدها في هذا الشأن، وكذلك لحل القضية الفلسطينية.
الزيارة قدمت الكثير من الإجابات عن التساؤلات العديدة، ليس فقط حول مستقبل العلاقات السعودية-الأمريكية، بل منظومة الأمن الإقليمي برمّتها، وكان واضحاً أن أحد أهم متطلبات تحقيق هذا الأمن هو إقامة الدولة الفلسطينية، والتوصل إلى اتفاقٍ حول البرنامج النووي الإيراني، ونزع فتيل الصراعات الإقليمية الراهنة؛ وهي متطلباتٌ تعكس التداخل بين الأمن الإقليمي ونظيره العالمي من ناحية، وأن تنفيذ الاستراتيجيات الأمريكية في المنطقة لن يتم من دون شريكٍ إقليميٍّ موثوق من ناحيةٍ ثانية، وهو ما أكدته نتائج هذه الزيارة التاريخية.
وعلى الصعيدين الخليجي والإقليمي، تؤكد هذه الزيارة مجدداً – والتي لم يفصلها عن جولة ترامب الخليجية سوى بضعة أشهر خلال العام الحالي – على أن أمن الخليج العربي ما زال محوراً للسياسات الأمريكية في المنطقة، وأنه رغم اختلاف سُبُل تنفيذ هذه السياسات، تظل القناعة راسخة بأن أمن العالم يرتبط بأمن الخليج العربي ومحيطه الإقليمي.
{ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز «دراسات»

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك