تعد زيارة ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، لواشنطن في نوفمبر 2025، واحدة من أبرز المحطات في العلاقات بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية. هذه الزيارة حملت في طياتها كثيرا من الدلالات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تعكس مدى تطور العلاقات بين البلدين في إطار تحولات جيوسياسية عالمية. وفي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تعزيز شراكتها مع دول الخليج العربي، بما في ذلك السعودية، تشكل هذه الزيارة فرصة مهمة لبحث قضايا حيوية مثل التعاون الأمني، تعزيز العلاقات الاقتصادية، وإمكانية حل القضايا السياسية المعقدة مثل القضية الفلسطينية.
اختار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، المملكة العربية السعودية كأول وجهة له خارجية بعد انتخابه لولاية ثانية في مايو 2025، وفي نوفمبر من نفس العام، عاد الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، إلى واشنطن في أول زيارة له للبيت الأبيض منذ مارس 2018.
وفي تعليقها على الزيارة، أشارت راشيل برونسون، نائبة الرئيس السابقة للدراسات في مجلس شيكاغو للشؤون العالمية ومستشارة أولى حاليًا في «مجلة علماء الذرة»، إلى سعيها لتعميق العلاقات الإيجابية بين الولايات المتحدة والسعودية، وهي نفس الفترة التي تناولها برايان كاتوليس، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، والذي وصف العلاقات الأمريكية السعودية بأنها «حجر الزاوية» في سياسة ترامب بالشرق الأوسط.
وتوقع روبرت موجيلنيكي، الباحث المقيم الأول في معهد دول الخليج العربية، أن الذكاء الاصطناعي سيكون محور التعاون الاقتصادي بين البلدين، مع ملاحظة التقدم الكبير في هذا المجال. كما أشار إلى أن التوسع في الاتفاقيات في مجالات المعادن والطاقة والأعمال الحيوية قد رفع حجم الاستثمارات الأمريكية المخطط لها في السعودية إلى أكثر من تريليون دولار.
من جهة أخرى، فإن تعزيز التعاون الأمني بين البلدين، مع تصنيف السعودية حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة خارج حلف شمال الأطلسي، بالإضافة إلى دول خليجية أخرى مثل البحرين وقطر، سيمنح الطرفين آليات تعاون عسكرية واسعة، بما في ذلك موافقة واشنطن المنتظرة على بيع طائرات إف-35 المتقدمة.
وفي سياق تعزيز العلاقات الاقتصادية والأمنية، لفتت برونسون إلى أن بعض جوانب جدول أعمال الزيارة تطلبت «دبلوماسية كبيرة»، خاصة في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لغزة. وقد أشار الرئيس ترامب في تصريحاته إلى ضرورة تطبيع العلاقات بين الرياض وإسرائيل، ولكن مايكل راتني، السفير الأمريكي السابق في الرياض، حذر من أن هذا الموضوع سيكون نقطة خلاف، حيث رفض ولي العهد السعودي بشدة الدعوات الأمريكية، مؤكدًا ضرورة وجود «مسار واضح» لتقرير المصير الفلسطيني.
وفي تحليل الزيارة، قالت منى يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن الزيارة تمثل «تحولًا ملحوظًا» في العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والسعودية، فيما أضاف دانيال بينايم، زميل مشارك في معهد الشرق الأوسط، أن هذه الزيارة تعكس كيف أصبح الرئيس الأمريكي يرى دول الخليج شركاء رئيسيين في قضايا متنوعة مثل الوساطة في النزاعات والتكنولوجيا. كما أشار برونسون إلى «العلاقة الشخصية القوية» بين ترامب وولي العهد في ظل تحولات جيوسياسية في الشرق الأوسط، وهو ما أكده ترامب بقوله: «كنا دائمًا على نفس الجانب في كل قضية».
كما أسفرت زيارة ترامب السابقة إلى الخليج عن اتفاق دفاعي مع الرياض بقيمة 142 مليار دولار، وكتب راتني قبل زيارة ولي العهد أن «الأولوية» كانت اتفاقية دفاع ثنائية لا تتطلب تصديقًا من مجلس الشيوخ الأمريكي. وأضاف أن السعوديين يسعون إلى ترتيبات «أكثر ديمومة» لضمان الالتزام من أي إدارة أمريكية قادمة.
وبناءً على هذه الطلبات، صنف ترامب المملكة العربية السعودية كأحد الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة خارج حلف الناتو، مما يعزز التعاون الأمني مع دول مثل أستراليا وكوريا الجنوبية والبرازيل بالإضافة إلى دول الخليج مثل البحرين وقطر. وأوضح دانيال ب. شابيرو، نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق لشؤون الشرق الأوسط، أن هذا التصنيف هو دليل على تركيز الولايات المتحدة على العلاقات الأمريكية السعودية. ومع ذلك، أشارت تريسا غينوف، نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق لشؤون الأمن الدولي، إلى أن هذا التصنيف يمثل «لمسة رمزية» من الرئيس الأمريكي للإشارة إلى تطور العلاقات، حيث إن الرياض قد استفادت بالفعل من هذا التصنيف بما يتماشى مع مصالحها الأمنية والاستراتيجية.
مع ديفيد ماكوفسكي، الأستاذ المساعد في دراسات الشرق الأوسط بكلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، الذي كتب عن كيفية أن أي اتفاقية يتم توقيعها بين ترامب وولي العهد في نوفمبر 2025 كانت تهدف دائمًا إلى أن تكون «حجر الأساس» لمعاهدة دفاعية مستقبلية أقوى، يرى أن قرار البيت الأبيض بالموافقة على تصدير طائرات مقاتلة متطورة من طراز إف-35 إلى السعودية يعد دليلاً أكثر أهمية على التعاون الأمني طويل الأمد بين البلدين.
وفي هذا السياق، أشار إريك نافارو، مدير البرامج العسكرية والاستراتيجية في منتدى الشرق الأوسط في الولايات المتحدة، إلى أن القيادة السعودية كانت تسعى سنوات إلى الانضمام إلى «النادي الحصري» للدول التي تشغل طائرات الجيل الخامس. واعتبر أن الاتفاق بين الولايات المتحدة والسعودية هو «إعلان التوافق والطموحات والتوجه المستقبلي». علاوة على تعزيز العلاقات الأمنية، كان من الواضح أن زيارة ولي العهد تهدف أيضًا إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية المزدهرة بين الولايات المتحدة والسعودية، وهو ما تحقق من خلال تعهدات استثمار متبادلة تجاوزت مئات المليارات من الدولارات.
وفي 19 نوفمبر 2025، انعقد منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي، الذي أطلق العديد من الاتفاقيات التي تم التوصل إليها خلال زيارة ترامب في مايو من نفس العام. وتوصلت السعودية وأمريكا إلى مجموعة واسعة من الترتيبات الجديدة، بما في ذلك 17 اتفاقية منفصلة بين شركة أرامكو السعودية وشركات أمريكية، والتي بلغت قيمتها الإجمالية المحتملة أكثر من 30 مليار دولار، وفقًا لما ذكرته رويترز. من أهم مجالات التعاون الاقتصادي كان هناك اهتمام مشترك في المعادن الأرضية النادرة والذكاء الاصطناعي.
أما فيما يتعلق بالمعادن الأرضية النادرة، أشار غريسلين باسكاران، مدير برنامج أمن المعادن الحرجة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إلى أن المملكة العربية السعودية «تعتبر موطنًا لأكثر رواسب العناصر الأرضية النادرة قيمة في العالم»، وفي ظل جهود إدارة ترامب لمواجهة الصين في هذا السوق العالمي، فإن الاتفاقيات التي تم التوصل إليها في واشنطن في منتصف نوفمبر كانت خطوة كبيرة للأمام في العلاقات الثنائية بين البلدين، خصوصًا فيما يتعلق بالمعادن. على سبيل المثال، التزمت شركة «إم بي ماتيريالز» المملوكة لوزارة الدفاع الأمريكية ببناء مصفاة للمعادن الأرضية النادرة في السعودية، بالتعاون مع شركة «معادن» السعودية.
في مجال الذكاء الاصطناعي، وعلى الرغم من أن تفاصيل مذكرة التفاهم التي وقعها الجانبان الأمريكي والسعودي لم تُكشف بالكامل، إلا أنه من المتوقع أن تشمل الاتفاقية «بيع حزمة من شرائح الذكاء الاصطناعي المتقدمة» إلى المملكة العربية السعودية، وهو ما أشار البيت الأبيض إلى أنه جارٍ تنفيذه بالفعل. وتعتبر هذه الخطوة جزءًا من الاستثمارات المتزايدة بين شركات التكنولوجيا الأمريكية والسعودية. على سبيل المثال، تعهد مشروع «هوميـن» السعودي باستثمار 900 مليون دولار في شركة «لوما» للذكاء الاصطناعي في كاليفورنيا. بالإضافة إلى ذلك، تم إعلان شراكات جديدة لإنشاء مراكز بيانات بالتعاون مع شركات أمريكية مثل «أي إم دي» و «سيسكو سيستمز»، فضلاً عن توسيع الشراكة مع أمازون لتوفير 150,000 مسرع ذكاء اصطناعي في الرياض.
وبالإضافة إلى المعادن النادرة والذكاء الاصطناعي، أقر المراقبون الغربيون بأهمية التعاون في مجال الطاقة النووية. حيث أكدت جينيفر جوردون، رئيسة سياسة الطاقة النووية في مركز الطاقة العالمي التابع للمجلس الأطلسي، أن واشنطن تبنت «نهجًا أكثر براجماتية» في هذا المجال، واستشهدت بالإعلان المشترك عن استكمال المفاوضات الخاصة بالتعاون في الطاقة النووية المدنية باعتباره «مقدمة محتملة» لاتفاقية رسمية بموجب قانون الطاقة الذرية الأمريكي لعام 1954.
فيما يتعلق بآمال ترامب في موافقة الرياض على الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم، وهو ما رفضه الباحثون الغربيون، أشار جوناثان بانيكوف، مدير مبادرة سكوكروفت لأمن الشرق الأوسط، إلى أن الوفد السعودي لن «يرحب بإضفاء الطابع الرسمي على العلاقات»، وسيسعى بدلاً من ذلك إلى «تأييد أكثر وضوحًا» لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة. في هذا السياق، تساءلت كريستين سميث ديوان، الباحثة في معهد الدراسات الاستراتيجية، عن «السؤال الوحيد» الذي كان من المتوقع أن يطرحه الرئيس الأمريكي، وهو الحصول على تأكيد من السعودية بشأن القضية الفلسطينية، حيث أكد ولي العهد السعودي ضرورة وجود «مسار واضح» نحو تقرير المصير الفلسطيني لإنهاء الصراع في غزة بشكل كامل.
من جانبه، قيّمت الدكتورة سنام فاكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في معهد تشاتام هاوس، كيف أن السعودية تدرك «نفوذها الكبير» على الولايات المتحدة، وبالتالي لن تتخلى عن هذا النفوذ «دون حل مستدام للقضية الفلسطينية»، وهو ما تجلى في الهجوم الإسرائيلي على قطر في سبتمبر 2025. وفي هذا السياق، خلص كريستيان كوتس أولريشسن، وهو زميل أول غير مقيم في المركز العربي بواشنطن العاصمة، إلى أن زيارة ولي العهد لواشنطن، والاتفاقيات العديدة التي تم توقيعها في مجالات الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا، قد أسهمت في «استعادة الزخم» في العلاقات الأمريكية السعودية بعد «صيف من الصراع الإقليمي».
فيما يتعلق بالأمن المتبادل، يعتبر كثيرون أن الترقيات السعودية إلى «حليف رئيسي خارج حلف الناتو» تمثل خطوة نحو اتفاقية دفاعية أكبر وأوسع. في هذا السياق، يوفر تصدير طائرات إف-35 المتقدمة إلى الرياض تعزيزًا كبيرًا للقدرات الأمنية للمملكة. وفي المجال الاقتصادي، أوضح باسكاران أن استمرار التعاون في التوسع بشكل ملحوظ، مع التركيز على المعادن الحيوية والذكاء الاصطناعي، يعكس «مرحلة جديدة» من العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
ختامًا، تمثل زيارة ولي العهد السعودي لواشنطن خطوة مهمة في تعزيز العلاقات الثنائية بين السعودية والولايات المتحدة. وعلى الرغم من النجاحات التي تحققت في عديد من المجالات الاقتصادية والأمنية، فإن القضية الفلسطينية تظل التحدي الأكبر في العلاقات بين الطرفين. ومع ذلك، فإن تطور التعاون بين البلدين في مجالات التكنولوجيا والطاقة والمعادن الحيوية، من المتوقع أن يكون له أثر طويل الأمد على العلاقات بين الرياض وواشنطن، ويدفعها نحو مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي والاقتصادي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك