وقت مستقطع
علي ميرزا
مدرب متفرغ للمعدين
نقل لي أحد حكامنا الدوليين عن تجربة عاشها في إحدى البطولات العالمية للكرة الطائرة، وقال إنه رأى منتخب البرازيل يرافقه أربعة عشر مدربا ضمن الجهاز الفني، ووصلني بأنه في بطولة العالم التي اختتمت مؤخرا في الفلبين كان الطاقم الفني لمنتخب اليابان يتألف من سبعة عشر فردا.
شخصيا لم أستغرب هذه الأرقام التي قد تبدو للكثيرين كبيرة للوهلة الأولى، غير أنها في الحقيقة تعكس فكرا متقدما وأسلوبا علميا واضحا لدى هذه المنتخبات وأمثالها التي تؤمن وتعمل بمبدأ التخصص في إطاره الدقيق.
فالمقولة التي تشير إلى أننا في عصر التخصص، مقولة صحيحة، ليس في الرياضة فقط، بل في كل مجالات الحياة، إذ لم يعد النجاح ممكنا بالعشوائية أو بالجهود الفردية العامة، بل من خلال توزيع المهام وتحديد الأدوار بشكل احترافي يضمن التكامل والتطور.
وانطلاقا من هذا الفهم، أرى شخصيا أن تتجه أنديتنا إلى استحداث مدرب متخصص لصانعي الألعاب (المعدين) في فرق الكرة الطائرة، فهذه الفئة من اللاعبين لا تعد مجرد عنصر في التشكيلة، بل يفترض أن تمثل العقل المدبر والمهندس الحقيقي لأسلوب اللعب، فالإعداد وصناعة اللعب ليست مهارة بسيطة يمكن تعليمها ضمن تمرين عابر أو فقرة قصيرة في الحصة التدريبية، بل هي فن مركب يجمع بين الفهم التكتيكي، والمهارة الفنية، وسرعة القرار، وهو ما يستدعي أن يتولى تدريب المعدين شخص مؤهل، يمتلك خبرة ميدانية، ويمتاز بقدرة تحليلية وفكر تدريبي متخصص. ولا يكفي أن يكون هذا المدرب «لاعبا سابقا» في هذا المركز، بل يجب أن يدعم خبرته بدراسات أكاديمية ودورات متخصصة، ليكون قادرا على تطوير المواهب وصقل مهاراتها بشكل علمي ومنهجي.
أما أن نترك الأمر على ما هو عليه، بحيث يتكفل المدرب العام بتدريب المعدين إلى جانب بقية اللاعبين، خصوصا إذا لم يكن معدا في الأصل، فهذا يعني أننا نحرم لاعبينا من أسرار هذه المهمة الدقيقة، ونحد من إمكاناتهم في التطور الحقيقي.
قد يعترض البعض من الإداريين بحجة أن تخصيص مدرب للمعدين يشكل عبئا ماليا إضافيا على الأندية غير مستعدة له، خصوصا في ظل الضغوط المالية التي تعاني منها، وهذا رأي مفهوم ويحترم، لكنه ينتمي إلى منطق الإنفاق اللحظي لا منطق الاستثمار الرياضي، فالتخصص ليس ترفا وكماليا، بل استثمارا في المستقبل. والمال الذي ينفق اليوم على مدرب متخصص هو في الحقيقة تأمين لمستقبل الفريق، وضمان لبناء قاعدة صلبة من اللاعبين القادرين على تمثيل النادي والمنتخب بمستوى رفيع.
في النهاية، إذا أردنا أن نحترم عملنا ونؤسس لثقافة احترافية حقيقية في منظومتنا الرياضية، فعلينا أن نؤمن بالتخصص وترجمة على أرض الواقع، لأن مركز المعد بكل ما يحمله من فكر وابتكار هو المحرك الاستراتيجي للفريق والعقل المفكر داخل الملعب، ومن غير المنطقي أن نهمش هذا الدور أو نتركه للصدفة أو الاجتهادات الفردية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك