في عالم التصميم، حيث تتداخل الفنون وتذوب الحدود بين ما يُرى وما يُسمع، تبرز الموسيقى كواحدة من أعمق مصادر الإلهام وأكثرها تأثيرًا في تشكيل رؤى المصممين، خصوصًا في فن تصميم المجوهرات. فهي ليست مجرد خلفية صوتية ترافق عملية الإبداع، بل قوة روحية تحرّك الخيال وتنساب في تفاصيل التصميم كأنغام تُترجم إلى ذهب وأحجار كريمة.
وقد أثار إعجابي تصريح لأحد المصممين البارزين في دار مجوهرات راقية «كل حجر كريم يدخل في تصميم المجوهرات له نغمة، وكل انحناءة في الذهب توازي حركة آلة وترية. نحن لا نصمّم فقط لنُبهر العين، بل لنستحضر شعوراً موسيقياً يلامس القلب.”
يبدأ الإلهام الموسيقي في تصميم المجوهرات غالبًا من طريقة تفكير المصمم في الإيقاع والتناغم. فكما تبنى المقطوعات الموسيقية على إيقاعات دقيقة وتكرارات موزونة، تتكون تصاميم المجوهرات من أنماط متكررة و توازنات بصرية، وتفاصيل تحاكي في حركتها مرونة الجمل الموسيقية.
ويمكن تشبيه الأحجار الكريمة بالنوتات، حيث يتم اختيار كل حجر وفقًا لمكانه ودوره في التكوين النهائي، تمامًا كما تُختار كل نغمة بعناية ضمن المقطوعة. كذلك، فإن توزيع الأحجام، واللمعان، والألوان في قطعة المجوهرات يعادل توزيع الطبقات الصوتية في الأوركسترا، حيث تتآلف الأصوات دون أن تطغى أحداها على الأخرى.
تُستمد الخطوط والانحناءات في بعض تصاميم المجوهرات من البنية الفيزيائية للآلات الموسيقية كالكمان أو البيانو، لكنها نادرًا ما تُترجم بشكل مباشر كرموز مرئية. بل تُعاد صياغتها بأسلوب تجريدي يعكس روح الصوت لا هيكل الآلة، والإيقاع لا الشكل، ليولد التصميم كتجسيد بصري لحركة النغم وانسياب الموسيقى.
نوع آخر من الإلهام الموسيقي في المجوهرات يرتكز على استحضار المزاج العاطفي أو الدرامي لمقطوعات كلاسيكية أو أعمال موسيقية محددة. فتصميم مستوحى من مقطوعة لبيتهوفن ، قد يأتي بخطوط قوية، حادة، متصادمة أحيانًا، في محاكاة للإيقاع التصاعدي والدرامي للمقطوعة.بينما المستوحى من شوبان ، قد يعتمد تصميمًا أكثر ليونة، بانحناءات حالمة وألوان شفافة ناعمة، تعكس الحساسية العالية والشفافية الرومانسية. ولا يقتصر استلهام الموسيقى على الأعمال الكلاسيكية، بل يمتد أيضًا إلى موسيقى الجاز وحتى الإيقاعات المعاصرة و الفولكلورية. مما يفتح أفقًا متنوعاَ أمام المصمم بحسب ذائقته، ويغذي تصاميمه بطاقة متفردة.
هناك عدة طرق فنية يمكن للمصممين اعتمادها لترجمة الموسيقى إلى مجوهرات، منها التناغم اللوني حيث يتم اختيار ألوان الأحجار لتجسيد الشعور الموسيقي، كأن يُستخدم الأزرق لتمثيل موسيقى حالمة، أو الأحمر لتجسيد مقطوعة نارية ، وكأن كل لون ينطق بذبذبة تعادل ما تبثه النغمة.
كما ويمكن للمصممين الاعتماد على التكرار المنتظم للأحجار لتقليد الإيقاع ، كما تُكرر النوتات في التدوين الموسيقي. أو توزيع الأحجار على شكل موجات، مثل الموجات الصوتية. ومن الممكن ان تتضمن التصاميم عناصر قابلة للتحرك مثل السلاسل المتدلية أو القطع المفصلية لتعكس ديناميكية الموسيقى، بحيث “تتحرك” القطعة وكأنها ترقص مع من يرتديها.
في النهاية، تُعد المجوهرات المستوحاة من الموسيقى ترجمة شاعرية لواحدة من أقدم طرق التعبير الإنساني. وهي سمفونيات صامتة تُلبس على المعصم تتدلى من الأذن، لكنها تتحدث و تُولد تفاعل حسي صادق، يجعل المصمم أشبه بمايسترو يعيد صياغة اللحن في قالب من الذهب والضوء.
هل ترى بأن هناك نقطة التقاء بين الموسيقى والمجوهرات ؟ شاركونا بآرائكم ونتطلع إلى مقترحاتكم للمواضيع القادمة والاجابة على تساؤلاتكم على البريد الالكتروني
seemajewelsbh@gmail.com
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك