العدد : ١٦٨٩٤ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٩٤ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

لا تحرقوا المليارات وأعصابي

تحرقون‭ ‬12‭ ‬مليار‭ ‬ريال‭ ‬سنوياً‭ ‬يا‭ ‬مفترين‭ ‬وأبو‭ ‬الجعافر‭ ‬‮«‬في‭ ‬عرض‮»‬‭ ‬12‭ ‬ألف‭ ‬ريال؟‭ ‬وبدون‭ ‬تأنيب‭ ‬ضمير؟‭ ‬لن‭ ‬أنسى‭ ‬أبدا‭ ‬كيف‭ ‬قام‭ ‬المصرف‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬قطر‭ ‬بحرق‭ ‬العملات‭ ‬الورقية‭ ‬القديمة‭ ‬مرتين‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬15‭ ‬سنة،‭ ‬مليارات‭ ‬الريالات‭ ‬الممتلئة‭ ‬عافية‭ ‬وقدرة‭ ‬شرائية‭ ‬صارت‭ ‬رمادا،‭ ‬فامتنعت‭ ‬عن‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬الكورنيش‭ ‬بمدينة‭ ‬الدوحة‭ ‬عدة‭ ‬سنوات،‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬المصرف‭ ‬المركزي‭ ‬يطلّ‭ ‬عليه،‭ ‬وكلما‭ ‬مررت‭ ‬به‭ ‬تذكرت‭ ‬المليارات‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬للإبادة‭ ‬حرقاً،‭ ‬فتحترق‭ ‬أعصابي‭!‬

فما‭ ‬بالك‭ ‬عندما‭ ‬تقرأ‭ ‬معطيات‭ ‬تقرير‭ ‬الجمعية‭ ‬الخيرية‭ ‬للتوعية‭ ‬بأضرار‭ ‬التدخين‭ ‬والمخدرات‭ ‬في‭ ‬مكة‭ ‬المكرمة‭ ‬والتي‭ ‬تفيد‭ ‬بأن‭ ‬السعوديين‭ ‬يستهلكون‭ ‬تبغاً‭ ‬قيمته‭ ‬12‭ ‬مليار‭ ‬ريال‭ ‬كل‭ ‬سنة؟‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬الذين‭ ‬حرقوا‭ ‬آلاف‭ ‬الملايين‭ ‬تلك‭ ‬من‭ ‬المساطيل‭ ‬لقلنا‭ ‬‮«‬مفهومة‭ ‬بسبب‭ ‬غياب‭ ‬العقل‭ ‬والوعي‮»‬،‭ ‬ولكنهم‭ ‬مثلي‭ ‬ومثلك‭ ‬يتمتعون‭ ‬بكامل‭ ‬قواهم‭ ‬العقلية‭ ‬بل‭ ‬منهم‭ ‬نابهون‭ ‬ومتفوقون‭ ‬وعباقرة‭ ‬ومهنيون‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الرفيعة‭.‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬للذين‭ ‬يحرقون‭ ‬تلك‭ ‬المليارات‭ ‬حس‭ ‬إنساني‭ ‬ولو‭ ‬بنسبة‭ ‬5‭% ‬فإنني‭ ‬أضعهم‭ ‬على‭ ‬المحك‭ ‬التالي‭: ‬أنا‭ ‬شخص‭ ‬غلبان‭ ‬وغريب‭ ‬ديار‭ ‬وغريب‭ ‬أهل،‭ ‬ومحدود‭ ‬الموارد‭ ‬وبلا‭ ‬ضمان‭ ‬للتقاعد‭ ‬أو‭ ‬الشيخوخة،‭ ‬بدليل‭ ‬أنني‭ ‬هاجرت‭ ‬من‭ ‬بلدي‭ ‬الذي‭ ‬أحبه‭ ‬كثيراً‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬30‭ ‬سنة،‭ ‬وعشت‭ ‬بينكم‭ ‬يا‭ ‬حارقي‭ ‬المليارات‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬السنوات‭! ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الصحافة‭ ‬السعودية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬قدمتني‭ ‬الى‭ ‬القراء‭ ‬العرب‭ ‬بحكم‭ ‬أنها‭ ‬مسقط‭ ‬رأسي‭ ‬الصحفي‭. ‬طيب‭ ‬ما‭ ‬قولكم‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منكم‭ ‬بإعطائي‭ ‬ريالاً‭ ‬واحداً‭ ‬في‭ ‬الشهر‭ ‬من‭ ‬مخصصاته‭ ‬للسجائر‭ ‬لمدة‭ ‬عشرة‭ ‬أشهر،‭ ‬ولنفترض‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬مليوني‭ ‬مدخن،‭ ‬وإذا‭ ‬أعطاني‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬ريالاً‭ ‬في‭ ‬الشهر‭ ‬صار‭ ‬عندي‭ ‬عشرون‭ ‬مليون‭ ‬ريال‭ ‬في‭ ‬عشرة‭ ‬أشهر‭. ‬أستطيع‭ ‬بمبلغ‭ ‬كهذا‭ ‬أن‭ ‬أفتح‭ ‬كلية‭ ‬هندسة‭ ‬ومعهداً‭ ‬مهنياً‭. ‬وأستطيع‭ ‬أن‭ ‬أكوّن‭ ‬جيشاً‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬الجراد‭ ‬والذباب،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أكله‭ (‬الجراد‭) ‬عملا‭ ‬بنصيحة‭ ‬‮«‬الفاضي‭ ‬اللي‭ ‬عمل‭ ‬قاضي‮»‬‭! ‬بصراحة‭ ‬فإن‭ ‬حرق‭ ‬12‭ ‬مليار‭ ‬ريال‭ ‬علناً‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬والبيوت‭ ‬والأماكن‭ ‬العامة‭ ‬أمر‭ ‬مخالف‭ ‬للقانون‭ ‬الانساني‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬السكوت‭ ‬عنه،‭ ‬ولكن‭ ‬الأمر‭ ‬المثير‭ ‬للريبة‭ ‬هو‭ ‬سكوت‭ ‬الحكومات‭ ‬عن‭ ‬إهدار‭ ‬المليارات‭ ‬على‭ ‬التبغ‭! ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الحكومة‭ -‬أي‭ ‬حكومة‭- ‬تزعم‭ ‬أنها‭ ‬معنية‭ ‬بتوفير‭ ‬الرعاية‭ ‬والحماية‭ ‬والأمن‭ ‬للمواطنين‭ ‬فلماذا‭ ‬تتغاضى‭ ‬عن‭ ‬إحراقهم‭ ‬للعملات‭ ‬الوطنية؟‭ ‬ولماذا‭ ‬تسكت‭ ‬عنهم‭ ‬وهم‭ ‬يدمرون‭ ‬صحتهم‭ ‬ومواردهم‭ ‬المالية؟‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تتجرأ‭ ‬حكومة‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬البسيطة‭ ‬فتصدر‭ ‬قانوناً‭ ‬يحرّم‭ ‬ويجرّم‭ ‬التدخين‭ ‬استيراداً‭ ‬وتصنيعاً‭ ‬واستهلاكاً؟‭ ‬متى‭ ‬سنقرأ‭ ‬خبراً‭ ‬يقول‭: ‬السلطات‭ ‬الأمنية‭ ‬تعتقل‭ ‬الصحفي‭ ‬السعودي‭ ‬المعروف‭ ‬تركمان‭ ‬عدنان‭ ‬الغامدي‭ (‬اسم‭ ‬مفبرك‭) ‬بعد‭ ‬ضبطه‭ ‬وهو‭ ‬يدخن‭ ‬في‭ ‬مخبأ‭ ‬سرّي‭ ‬في‭ ‬جدة؟‭ ‬أو‭ ‬إن‭ ‬السفير‭ ‬الفلاني‭ ‬في‭ ‬سويسرا‭ ‬يبذل‭ ‬مساعي‭ ‬حثيثة‭ ‬للإفراج‭ ‬عن‭ ‬عبيد‭ ‬بن‭ ‬زيد‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬اعتقاله‭ ‬بعد‭ ‬اكتشاف‭ ‬سيجار‭ ‬كوبي‭ ‬مغشوش‭ ‬كان‭ ‬يخبئه‭ ‬في‭ ‬جيب‭ ‬سري‭ ‬في‭ ‬حقيبة‭ ‬ملابسه؟

وما‭ ‬هو‭ ‬أدهى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يورده‭ ‬تقرير‭ ‬الجمعية‭ ‬الخيرية‭ ‬الآنفة‭ ‬الذكر‭ ‬عن‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬التدخين‭ ‬بين‭ ‬النساء‭! ‬لماذا‭ ‬يا‭ ‬بنات‭ ‬الناس؟‭ ‬ويفترض‭ ‬أنكن‭ ‬أعقل‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬في‭ ‬المسائل‭ ‬السلوكية‭ ‬وأقل‭ ‬ميلاً‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬إلى‭ ‬إلحاق‭ ‬الأذى‭ ‬بأنفسكن‭. ‬كان‭ ‬التدخين‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة‭ ‬لعنة‭ ‬ذكورية‭ ‬فلماذا‭ ‬لا‭ ‬تقلدن‭ ‬الرجال‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ضارّ‭ ‬مثل‭ ‬التدخين‭ ‬والسهر‭ ‬والصرمحة‭ ‬والتسكع؟‭ ‬كل‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬باتت‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬أعراض‭ ‬تفكك‭ ‬الأسرة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬بات‭ ‬الرجال‭ ‬يتنصلون‭ ‬من‭ ‬مهمة‭ ‬رعاية‭ ‬العيال‭ ‬بالحجة‭ ‬الواهية‭ ‬بأنهم‭ ‬‮«‬مو‭ ‬فاضين‮»‬‭ ‬ومشغولون‭ ‬بتوفير‭ ‬القوت‭.. ‬والأمل‭ ‬معقود‭ ‬عليكن‭ ‬يا‭ ‬أخواتنا‭ ‬ويا‭ ‬بناتنا‭ ‬كي‭ ‬تمنعن‭ ‬ظهور‭ ‬أجيال‭ ‬‮«‬الشتات‮»‬‭ ‬داخل‭ ‬أوطاننا‭ ‬فحافظن‭ ‬على‭ ‬عافيتكن‭ ‬لأنكن‭ ‬منبع‭ ‬الحب‭ ‬والحنان،‭ ‬ولا‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬طفلاً‭ ‬سيفهم‭ ‬أنه‭ ‬محبوب‭ ‬لو‭ ‬نادته‭ ‬أمه‭: ‬تعال‭ ‬يا‭ ‬كح‭ ‬كح‭ ‬حبي‭... ‬كح‭ ‬كح‭ ‬حبيبي‭.. ‬خاخاخا‭.. ‬توف‭.‬

بالمناسبة‭ ‬هذه‭ ‬أقوال‭ ‬شخص‭ ‬كان‭ ‬مدخنا‭ ‬محترفا‭ ‬ثم‭ ‬اعتزل‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا