العدد : ١٦٨٨٧ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١١ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٨٧ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١١ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

رحمة الله عليك يا أبي

بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬تنشط‭ ‬جينات‭ ‬السادية‭ ‬في‭ ‬نفسي،‭ ‬فأتعمد‭ ‬التنكيد‭ ‬على‭ ‬القراء‭ ‬ولو‭ ‬بحكايات‭ ‬اطلعوا‭ ‬عليها‭ ‬قبلي،‭ ‬وإنصافا‭ ‬لنفسي‭ ‬فليس‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬سادية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬محاولة‭ ‬للفضفضة،‭ ‬فعندما‭ ‬أكون‭ ‬غاضبا‭ ‬أو‭ ‬حزينا،‭ ‬فإن‭ ‬التحدث‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬حول‭ ‬الموضوع‭ ‬المثير‭ ‬للغضب‭ ‬أو‭ ‬الحزن‭ ‬يخفف‭ ‬عني‭ ‬معاناتي‭: ‬نبدأ‭ ‬بالمواطن‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬اكتشفت‭ ‬الشرطة‭ ‬أن‭ ‬لديه‭ ‬بنتا‭ ‬من‭ ‬زوجة‭ ‬سابقة‭ (‬طلقها‭) ‬ظلت‭ ‬محبوسة‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬مظلمة‭ ‬طوال‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭. ‬وكانت‭ ‬عند‭ ‬اكتشاف‭ ‬الشرطة‭ ‬لأمرها‭ ‬تبلغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬12‭ ‬سنة‭ ‬ودخلت‭ ‬السجن‭ ‬بقرار‭ ‬من‭ ‬والدها‭ ‬وزوجته‭ ‬الثانية‭ ‬وعمرها‭ ‬سبع‭ ‬سنوات‭.‬

نقلت‭ ‬الشرطة‭ ‬الطفلة‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى،‭ ‬واكتشفوا‭ ‬أن‭ ‬نموها‭ ‬الجسدي‭ ‬والعقلي‭ ‬توقف‭ ‬تماما‭ ‬بسبب‭ ‬سوء‭ ‬التغذية‭ ‬وعدم‭ ‬الحركة‭ ‬وفقر‭ ‬الدم‭ ‬وافتقار‭ ‬جسمها‭ ‬لفيتامين‭ ‬دي‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬التعرض‭ ‬لأشعة‭ ‬الشمس،‭ ‬والأسوأ‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الطفلة‭ ‬صارت‭ ‬تخاف‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اعتادت‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬المنفرد‭ ‬في‭ ‬الظلام‭.. ‬ولماذا‭ ‬فعل‭ ‬السيد‭ (‬السيئ‭) ‬أحمد‭ ‬ذلك‭ ‬ببنته؟‭ ‬‮«‬زهج‮»‬‭ ‬منها‭ ‬ويريد‭ ‬التفرغ‭ ‬للزوجة‭ ‬الجديدة‭ ‬ولا‭ ‬يريد‭ ‬ما‭ ‬يذكره‭ ‬بالمرأة‭ ‬التي‭ ‬طلقها‭.. ‬هذا‭ ‬أب‭ ‬أم‭ ‬كلب؟‭! ‬حتى‭ ‬الكلبة‭ ‬مستعدة‭ ‬للموت‭ ‬دفاعا‭ ‬عن‭ ‬صغارها،‭ ‬وهذا‭ ‬الأب‭ ‬الكلب‭ ‬مهنته‭: ‬طبيب،‭ ‬واسمه‭ ‬فيه‭ ‬حروف‭ ‬واو‭ ‬وزاء‭ ‬وراء‭ (‬سبحان‭ ‬الله‭ ‬فهي‭ ‬حروف‭ ‬‮«‬وزر‮»‬‭). ‬المهم‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬بين‭ ‬القراء‭ ‬من‭ ‬يعرفه،‭ ‬ثم‭ ‬خرج‭ ‬وزر‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬السجن‭ ‬حيا،‭ ‬وكنت‭ ‬بدوري‭ ‬حيا،‭ ‬أرجو‭ ‬أن‭ ‬يبلغني‭ ‬بمكان‭ ‬وجوده‭. ‬وسأفعل‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬وسعي‭ ‬لاختطافه‭ ‬وحبسه‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬مظلمة‭ ‬خمسة‭ ‬أيام‭ (‬وليس‭ ‬سنوات‭) ‬فقط‭ ‬لا‭ ‬يأكل‭ ‬خلالها‭ ‬سوى‭ ‬البرسيم،‭ ‬وبعدها‭ ‬هو‭ ‬وشطارته‭ ‬ليتعالج‭ ‬من‭ ‬الآثار‭ ‬النفسية‭ ‬والعضوية‭. ‬

وفي‭ ‬الهند‭ ‬قتل‭ ‬رجل‭ ‬طفلته‭ ‬البالغة‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬5‭ ‬سنوات‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اتهمها‭ ‬بأنها‭ ‬سرقت‭ ‬منه‭ ‬مبلغا‭ ‬يساوي‭ ‬نحو‭ ‬دولار‭ ‬وربع‭ ‬الدولار‭!! ‬هذا‭ ‬مبلغ‭ ‬كبير‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المعدم‭ ‬الفقير‭ ‬ولكن‭ ‬أن‭ ‬يعتقد‭ ‬أب‭ ‬أن‭ ‬مليونا‭ ‬وربع‭ ‬المليون‭ ‬دولار‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬طفله‭ ‬فهذا‭ ‬ليس‭ ‬أبا‭ ‬بل‭ ‬كلبا‭. ‬

وفي‭ ‬شبرا‭ ‬الخيمة‭ ‬بالقاهرة‭ ‬عاد‭ ‬الأب‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬‮«‬كمساري‮»‬‭ ‬في‭ ‬الحافلات‭ ‬العامة،‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬ليلا‭ ‬وخلع‭ ‬ملابس‭ ‬العمل‭ ‬وراح‭ ‬في‭ ‬نوم‭ ‬عميق‭ ‬وفي‭ ‬الصباح‭ ‬ارتدى‭ ‬ملابسه‭ ‬وتفقد‭ ‬جيوبه‭ ‬واكتشف‭ ‬فقدان‭ ‬19‭ ‬جنيها‭ ‬من‭ ‬مجموع‭ ‬50‭ ‬جنيها‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬جيبه،‭ ‬وعلى‭ ‬الفور‭ ‬افترض‭ ‬أن‭ ‬ولده‭ ‬الوحيد‭ ‬ابن‭ ‬الخمس‭ ‬سنوات‭ ‬سرق‭ ‬ذلك‭ ‬المبلغ،‭ ‬فأمسك‭ ‬به‭ ‬وربط‭ ‬يديه‭ ‬وساقيه‭ ‬على‭ ‬سرير‭ ‬حديدي‭ ‬وأتى‭ ‬بخرطوم‭ ‬توصيل‭ ‬الغاز‭: ‬الدماء‭ ‬تسيل‭ ‬والولد‭ ‬يصرخ‭ ‬والأب‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬ضربه،‭ ‬ثم‭ ‬توقف‭ ‬نزف‭ ‬الدم‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الولد‭ ‬يصرخ‭ ‬والأب‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬الضرب‭.. ‬حاولت‭ ‬ابنته‭ ‬هاجر‭ ‬التوسل‭ ‬إليه‭ ‬ليرأف‭ ‬بأخيها‭ ‬فقال‭ ‬لها‭: ‬لو‭ ‬شفتك‭ ‬قدامي‭ ‬حتنضربي‭ ‬زيه‭.. ‬فهربت‭ ‬المسكينة‭ ‬وبعدها‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬أخاها‭ ‬مات‭.. ‬ابن‭ ‬آدم‭.. ‬طفل‭ ‬أرخص‭ ‬من‭ ‬19‭ ‬جنيه؟‭! ‬لا‭ ‬حول‭ ‬ولا‭ ‬قوة‭ ‬إلا‭ ‬بالله‭.‬

أذكر‭ ‬على‭ ‬عهد‭ ‬الصبا‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مصاريف‭ ‬شخصية‭ ‬إلا‭ ‬نحو‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬لشراء‭ ‬الباسطة‭ (‬البقلاوة‭) ‬أو‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬السينما،‭ ‬وكان‭ ‬شقيقي‭ ‬الأصغر‭ ‬محجوب‭ ‬‮«‬شقيا‮»‬،‭ ‬وجريئا،‭ ‬فإذا‭ ‬رفض‭ ‬والدي‭ ‬طلبا‭ ‬له‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمال‭ ‬انتظر‭ ‬حتى‭ ‬يبدأ‭ ‬والدي‭ ‬الصلاة‭ ‬فيدخل‭ ‬يده‭ ‬في‭ ‬جيب‭ ‬جلبابه،‭ ‬ويسحب‭ ‬منه‭ ‬خمسة‭ ‬قروش‭.. ‬وكان‭ ‬أبي‭ ‬يدمدم‭ ‬إححححح‭ ‬ممممم،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقطع‭ ‬صلاته‭ ‬وبكل‭ ‬بجاحة‭ ‬يصيح‭ ‬محجوب‭: ‬الخشوع‭ ‬في‭ ‬الصلاة‭ ‬يا‭ ‬أبوي،‭ ‬وكانت‭ ‬الـ5‭ ‬قروش‭ ‬وقتها‭ ‬تغطي‭ ‬لوازم‭ ‬وجبة‭ ‬غداء‭ ‬لعائلة‭ ‬كاملة،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬محجوب‭ ‬كرر‭ ‬عمليات‭ ‬السطو‭ ‬الإجرامية‭ ‬تلك‭ ‬عشرات‭ ‬المرات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬والدي‭ ‬لم‭ ‬يرفع‭ ‬يده‭ ‬عليه‭ ‬قط‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يوبخه‭ ‬ويذكره‭ ‬بأن‭ ‬مستقبله‭ ‬‮«‬زي‭ ‬الزفت‮»‬‭. ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كان‭ ‬والدي‭ ‬فيه‭ ‬بلا‭ ‬عمل‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصيب‭ ‬بشلل‭ ‬جزئي‭ ‬نتيجة‭ ‬لجلطة،‭ ‬وكانت‭ ‬مصادر‭ ‬دخله‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬عائد‭ ‬إيجار‭ ‬مبان‭ ‬‮«‬تعبانة‮»‬‭ ‬وكان‭ ‬يعولنا‭ ‬شقيقي‭ ‬الأكبر‭ ‬عابدين‭.‬

كان‭ ‬والدي‭ ‬بدوام‭ ‬كامل،‭ ‬وكانت‭ ‬ثروته‭ ‬الحقيقية‭ ‬نحن‭ ‬عياله‭ ‬وحسا‭ ‬إنسانيا‭ ‬وغريزة‭ ‬الأبوة‭ ‬الصادقة‭! ‬رحم‭ ‬الله‭ ‬عباس‭ ‬سيد‭ ‬أحمد‭ .‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا