العدد : ١٦٨٦٣ - الجمعة ٢٤ مايو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٦٣ - الجمعة ٢٤ مايو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤٥هـ

قضايا و آراء

الأبعاد الاجتماعية والصحية والاقتصادية للصيام (1)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون {

الخميس ٣٠ مارس ٢٠٢٣ - 02:00

وأنا‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬كتاب‭ ‬مميز‭ ‬يغطي‭ ‬الأبعاد‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والصحية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬للصيام‭ ‬بأسلوب‭ ‬عصري،‭ ‬لأعرضه‭ ‬لقراء‭ ‬صحيفتنا‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك،‭ ‬اتصلت‭ ‬بأخي‭ ‬وزميلي‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الشريعة‭ ‬بالجامعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬بالمدينة‭ ‬المنورة‭ ‬فضيلة‭ ‬العالم‭ ‬الشيخ‭ ‬الجليل‭ ‬الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬عبدالكريم‭ ‬بن‭ ‬صنيتان‭ ‬العمري،‭ ‬طالبا‭ ‬العون‭ ‬والمشورة،‭ ‬وفيما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬كتب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬نشر‭ ‬عشرات‭ ‬الكتب‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الشريعة‭ ‬المتعددة،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬المتميزين‭ ‬باعتدالهم‭ ‬ووسطيتهم،‭ ‬وثرائهم‭ ‬الفكري،‭ ‬وروحهم‭ ‬التربوية‭ ‬العالية‭. ‬فلبى‭ ‬طلبي‭ ‬بتزويدي‭ ‬بنسخة‭ ‬إلكترونية‭ ‬من‭ ‬كتابه‭ ‬الموسوم‭ ‬‮«‬من‭ ‬أسرار‭ ‬الصيام‭ ‬وحكمه‮»‬‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬المآثر‭ ‬للنشر‭ ‬والتوزيع‭ ‬بالمدينة‭ ‬المنورة‭ ‬عام‭ ‬1427‭ ‬للهجرة‭. ‬

وبعد‭ ‬قراءة‭ ‬متأنية‭ ‬للكتاب‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬مضامينه‭ ‬ما‭ ‬أبحث‭ ‬عنه‭ ‬وأكثر،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬إني‭ ‬أعتقد‭ ‬بأن‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬يطلع‭ ‬عليه‭ ‬شبابنا‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬ليعرفوا‭ ‬حقيقة‭ ‬الصيام‭ ‬وفضائله‭ ‬وأبعاده‭ ‬المتعددة،‭ ‬وليدركوا‭ ‬أن‭ ‬الصيام‭ ‬ليس‭ ‬فريضة‭ ‬دينية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬أيضا‭ ‬مدرسة‭ ‬تربوية‭ ‬وقيمة‭ ‬اجتماعية‭ ‬عليا،‭ ‬وأسلوب‭ ‬وقائي‭ ‬وعلاجي‭ ‬للروح‭ ‬والنفس‭ ‬والبدن،‭ ‬وآلية‭ ‬ديناميكية‭ ‬لتفعيل‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأفراد‭ ‬والدولة،‭ ‬وهو‭ ‬رحمة‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬جل‭ ‬في‭ ‬علاه‭ ‬للأمة‭ ‬الإسلامية‭. ‬نسأل‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬القيم‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬حسنات‭ ‬مؤلفه‭ ‬القدير‭. ‬

ولأهمية‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬فسنقوم‭ ‬بعون‭ ‬الله‭ ‬وتوفيقه‭ ‬باستعراض‭ ‬وتحليل‭ ‬فصوله،‭ ‬وإبراز‭ ‬الأبعاد‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والصحية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬للصيام‭. ‬

يحتوي‭ ‬الكتاب‭ ‬على‭ ‬مائة‭ ‬وعشرين‭ ‬صفحة،‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬مقدمة‭ ‬وأربعة‭ ‬عشر‭ ‬فصلا‭. ‬أوضح‭ ‬المؤلف‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الكتاب‭ ‬أن‭ ‬الصيام‭ ‬يضخ‭ ‬للمسلمين‭ ‬جرعات‭ ‬تعليمية‭ ‬نافعة،‭ ‬ودروسا‭ ‬تثقيفية‭ ‬جامعة،‭ ‬تفي‭ ‬بحاجات‭ ‬النفس‭ ‬البشرية‭ ‬وتلبي‭ ‬متطلباتها‭ ‬العديدة،‭ ‬بما‭ ‬يزرع‭ ‬السعادة‭ ‬والسرور‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الصائمين‭ ‬ويقوم‭ ‬سلوكهم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬انحراف،‭ ‬وهو‭ ‬مصدر‭ ‬مهم‭ ‬لتنقية‭ ‬النفس‭ ‬البشرية‭ ‬مما‭ ‬علق‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬شكوك‭ ‬وانحراف‭ ‬وجشع‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬ممارسات‭ ‬سلوكية‭ ‬مرفوضة،‭ ‬خلال‭ ‬أشهر‭ ‬السنة‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬فهو‭ ‬فرصة‭ ‬ثمينة‭ ‬لكبح‭ ‬الشهوات‭ ‬وتجاوز‭ ‬الذنوب‭ ‬والأخطاء‭ ‬والتوبة‭ ‬والاستغفار‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬الطريق‭ ‬السوي‭ ‬الذي‭ ‬فطرنا‭ ‬الله‭ ‬عليه،‭ ‬وهو‭ ‬بمثابة‭ ‬محطة‭ ‬تربوية‭ ‬وروحية‭ ‬ليحاسب‭ ‬المقصر‭ ‬نفسه،‭ ‬ويعلن‭ ‬توبته،‭ ‬ويسعى‭ ‬إلى‭ ‬إصلاح‭ ‬حاله،‭ ‬ويرشد‭ ‬انطلاقته‭ ‬في‭ ‬الحياة‭.‬

وجاء‭ ‬الفصل‭ ‬الأول‭ ‬المعنون‭ ‬بـ«استقبال‭ ‬شهر‭ ‬الصيام‮»‬،‭ ‬ليبين‭ ‬كيف‭ ‬يستقبل‭ ‬المسلمون‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك‭ ‬كضيف‭ ‬عزيز،‭ ‬ووافد‭ ‬كريم،‭ ‬تضيء‭ ‬أوقاته‭ ‬بالطاعات‭ ‬والتقرب‭ ‬إلى‭ ‬الله،‭ ‬وصفاء‭ ‬القلوب،‭ ‬ومحو‭ ‬أدرانها،‭ ‬وذكر‭ ‬الأهل‭ ‬والأصحاب‭ ‬والأقرباء،‭ ‬والبر‭ ‬والإحسان‭ ‬ومساعدة‭ ‬الفقراء‭ ‬والمحتاجين،‭ ‬وذلك‭ ‬نمط‭ ‬مؤثر‭ ‬من‭ ‬أنماط‭ ‬توزيع‭ ‬الثروة‭ ‬بين‭ ‬المسلمين،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬تحمل‭ ‬المشقة‭ ‬والصعاب،‭ ‬والصبر،‭ ‬والإكثار‭ ‬من‭ ‬طلب‭ ‬الرحمة‭ ‬والمغفرة‭. ‬وفي‭ ‬استقبال‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬كان‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬محمد‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬يبشر‭ ‬أصحابه‭ ‬بالقول‭ ‬‮«‬أتاكم‭ ‬رمضان‭ ‬سيد‭ ‬الشهور،‭ ‬فمرحبا‭ ‬به‭ ‬وأهلا،‭ ‬جاء‭ ‬شهر‭ ‬الصيام‭ ‬والبركات،‭ ‬فأكرم‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬زائر‭ ‬هو‭ ‬آت‮»‬‭. ‬ويوضح‭ ‬نبينا‭ ‬الكريم‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬بالقول‭: ‬‮«‬لو‭ ‬يعلم‭ ‬العباد‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬رمضان،‭ ‬لتمنت‭ ‬أمتي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رمضان‭ ‬السنة‭ ‬كلها‮»‬‭. ‬كما‭ ‬قال‭ ‬عليه‭ ‬أفضل‭ ‬الصلاة‭ ‬وأتم‭ ‬التسليم‭: ‬‮«‬إذا‭ ‬جاء‭ ‬رمضان‭ ‬فتحت‭ ‬أبواب‭ ‬الجنة‭ ‬وغلقت‭ ‬أبواب‭ ‬النار،‭ ‬وصفدت‭ ‬الشياطين‮»‬‭. ‬اللهم‭ ‬ارزقنا‭ ‬الجد‭ ‬والاجتهاد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬المبارك‭ ‬واعف‭ ‬عنا‭ ‬واغفر‭ ‬لنا‭ ‬وارض‭ ‬عنا‭ ‬واجعلنا‭ ‬ممن‭ ‬يفوز‭ ‬بثواب‭ ‬الشهر‭ ‬الكريم‭.‬

وحمل‭ ‬الفصل‭ ‬الثاني‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬الصيام‭ ‬والتيسير‮»‬،‭ ‬موضحا‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬سمات‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬وسائر‭ ‬تكاليفها‭ ‬وعبادتها‭ ‬مراعاة‭ ‬اليسر‭ ‬وعدم‭ ‬الحرج‭ ‬ورفع‭ ‬المشقة،‭ ‬والبعد‭ ‬عن‭ ‬العسر‭ ‬والضيق،‭ ‬فقد‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬المائدة‭: (‬ما‭ ‬يريد‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬عليكم‭ ‬من‭ ‬حرج‭) (‬آية‭:‬6‭). ‬وقال‭ ‬تعالى‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬البقرة‭: (‬يريد‭ ‬الله‭ ‬بكم‭ ‬اليسر‭ ‬ولا‭ ‬يريد‭ ‬بكم‭ ‬العسر‭) (‬آية‭: ‬185‭). ‬لذا‭ ‬لم‭ ‬يوجب‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬على‭ ‬المسلمين‭ ‬الصيام‭ ‬إلا‭ ‬لشهر‭ ‬واحد،‭ ‬رحمة‭ ‬بالعباد‭ ‬وتخفيفا‭ ‬عليهم،‭ ‬ووضع‭ ‬لهم‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الرخص،‭ ‬كالمرض،‭ ‬والسفر،‭ ‬والحيض‭ ‬عند‭ ‬النساء،‭ ‬والمرأة‭ ‬الحامل‭ ‬والمرضع‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقوى‭ ‬على‭ ‬الصيام‭ ‬أو‭ ‬تخاف‭ ‬على‭ ‬رضيعها،‭ ‬فقد‭ ‬جاز‭ ‬لها‭ ‬الإفطار،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يحاسب‭ ‬الله‭ ‬جل‭ ‬في‭ ‬علاه‭ ‬الذي‭ ‬يأكل‭ ‬أو‭ ‬يشرب‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬وهو‭ ‬ناس‭ ‬أنه‭ ‬صائم‭ ‬ولا‭ ‬قضاء‭ ‬عليه،‭ ‬وجوانب‭ ‬عديدة‭ ‬أخرى‭ ‬تظهر‭ ‬سماحة‭ ‬ديننا‭ ‬الإسلامي‭ ‬ويسره‭. ‬وللموضوع‭ ‬بقية‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬قادم‭ ‬إن‭ ‬شاء‭ ‬الله‭. ‬

 

{ أكاديمي‭ ‬وخبير‭ ‬اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا