بالرغم من أن أفق انتهاء الاعتداءات الإيرانية على دولنا الخليجية لا يزال غير مؤكد بل ومعقداً، فإن التجربة أو المحنة التي عشناها ونعيشها في هذه الفترة العصيبة لا تجعلنا على يقين من أفق العلاقة المستقبلية مع المعتدي علينا.
ومن المؤكد اليوم أن المسارات غير واضحة، حيث تتأرجح بين مسارات دبلوماسية غير فاعلة وتصعيد عسكري غير مسبوق؛ فبالرغم من أن دولنا قد سعت بجد وإخلاص خلال الأشهر الماضية للتهدئة والدعوة إلى السلام والتعاون وإبعاد الحرب عن المنطقة المرهقة أصلا من حروب غيرها التي فرضت عليها عبر العقود الماضية، فإن الهجمات الصاروخية الإيرانية وهجمات الطائرات المسيرة قد استهدفت دولنا بشكل عشوائي وآثم.
وبناءً على المعطيات الراهنة وفي وضوء استمرار الاعتداءات على بلداننا، فإن الأفق المستقبلي يمكن أن يتجه نحو مسارين على الأقل:
أولا: مسار تصعيدي إيراني يمكن أن يرتفع ويزداد خطورة كلما تعرضت القيادات الإيرانية إلى مزيد من الضغوط العسكرية والاقتصادية في المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص. ومن الواضح كما تشير إلى ذلك عديد من التحاليل للخبراء بأن استمرار هذه الاعتداءات على دول الخليج العربية قد يقود مستقبلا إلى تقويض الحياد الخليجي في هذا الصراع الذي يلحق بدول الخليج أضرارا فادحة على كل المستويات. خاصة مع استمرا إيران في دعم واستخدام المليشيات المنتشرة في اليمن والعراق ولبنان بوجه خاصة، إضافة إلى تحريك الطابور الخامس الذي يلعب دورا سلبيا في بعض دولنا للأسف.
ثانيا: المسار الدبلوماسي الذي من المفترض أن ينهي الحرب قريبا وتوقف إيران عن اعتداءاتها على دول الخليج العربية مثلما وعد بذلك رئيسها مؤخرا في كلمته المسجلة. ولكننا لاحظنا بأن هذا التوجه يعكس وجود موقفين داخل القيادات الإيرانية، موقف يجنح للسلام مع دولنا وموقف متطرف يسعى إلى الحرب ومواصلة الاعتداءات. فمن ناحية نجد تأكيدات قادة إيران لأهمية العلاقة مع دول الخليج العربية ولكننا وجدنا، في الواقع الميداني ما يخالف ذلك تماما أن هذه التفاهمات بين إيران ودول الخليج رغم أهميتها فإنها لم تمنع الاعتداءات عندما بدأت هذه الحرب. وذلك بسبب ثقافة ازدواجية القرار الإيراني، ومن المؤكد أن هناك مؤشرات على انقسام داخل السلطة الإيرانية، حيث يُنظر إلى اعتذار الرئيس الإيراني بزشكيان عن الهجمات العدوانية على بلداننا الخليجية كدليل على فجوة بين الحكومة والجناح العسكري– الديني المتطرف، وخاصة ما يسمى بالحرس الثوري، مما يقلل من فرص الوصول إلى «وقف دائم» للاعتداءات في الوقت الراهن.
ولا شك أن الأزمة الحالية وتداعياتها العسكرية والأمنية والاقتصادية بينت بما لا يدع المجال للشك، بأن على دول مجلس التعاون أن تعيد النظر في سياساتها الحالية على الأقل على صعيد الدفاع تحديدا، لتشكل قوة خليجية ضاربة رادعة لأي عدوان. ويمكن أن تكون هذه الأزمة فرصة حقيقية لإعادة تفعيل «درع الجزيرة» وبناء منظومة دفاعية موحدة لمواجهة التهديدات الصاروخية الإيرانية المتزايدة، مع حاجة دولنا إلى إعادة النظر في تحالفاتها الدفاعية لبناء توازن ردع يحد من الاعتداءات الإيرانية.
سوف يبقى التهديد الإيراني قائما على المدى القريب والمتوسط ولذلك فإن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في حاجة ماسة إلى مراجعة السياسات الدفاعية وتوحيدها وتعزيزها وتنويع التحالفات ومصادر السلاح في ذات الوقت.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك