العدد : ١٧٥١٩ - الأربعاء ١١ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٩ - الأربعاء ١١ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

وزير الحرب الأمريكي وكتابه عن الحملة الصليبية الأمريكية

بقلم: د. أحمد رفيق عوض

الأربعاء ١١ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

وزير‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكي،‭ ‬المسكون‭ ‬بالحروب‭ ‬المقدسة،‭ ‬المهووس‭ ‬بإنجاز‭ ‬المهمات‭ ‬الرسولية،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يخجل‭ ‬من‭ ‬إعلان‭ ‬انتمائه‭ ‬لتيار‭ ‬المسيحية‭ ‬البيضاء‭ ‬النقية‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الهيكل‭ ‬الثالث‭ ‬هدفاً‭ ‬نهائياً‭ ‬لها،‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬امتداداً‭ ‬لذلك‭ ‬الملك‭ ‬الصليبي‭ ‬‮«‬المتقشّف‮»‬‭ ‬غودفري‭ ‬الذي‭ ‬أقام‭ ‬مملكة‭ ‬القدس‭ ‬اللاتينية‭ ‬على‭ ‬جثث‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬والمسيحيين‭ ‬وحتى‭ ‬اليهود،‭ ‬ففي‭ ‬تصوره‭ ‬أن‭ ‬الدم‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬شيئاً‭ ‬أمام‭ ‬تحقيق‭ ‬النبوءات،‭ ‬والضحايا‭ ‬مجرد‭ ‬أرقام‭ ‬أو‭ ‬خسائر‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬منها‭ ‬لتحقيق‭ ‬المعجزات‭ ‬الإلهية‭. ‬

هذه‭ ‬هي‭ ‬بعض‭ ‬أفكار‭ ‬وزير‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكي‭ ‬بيت‭ ‬هيجسيث‭ ‬ولذلك‭ ‬فهو‭ ‬يستعيد‭ ‬الحروب‭ ‬الصليبية،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬كتبه‭ ‬الفظيعة‭ ‬الشعبوية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬نقش‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬جسده‭ ‬ليذكِّر‭ ‬نفسه‭ ‬صباح‭ ‬مساء‭ ‬بأنه‭ ‬جندي‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬غودفري‭ ‬المتقشّف‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬مملكته‭ ‬بعشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭.‬

إن‭ ‬الخطورة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الوزير‭ ‬الذي‭ ‬تحوّل‭ ‬في‭ ‬عهده‭ ‬اسم‭ ‬وزارته‭ ‬من‭ ‬الدفاع‭ ‬إلى‭ ‬الحرب،‭ ‬يأتي‭ ‬تعبيراً‭ ‬صارخاً‭ ‬وصاعقاً‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الروح‭ ‬الدينية‭ ‬المهووسة‭ ‬التي‭ ‬تهب‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬متعددة،‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬مهمتها‭ ‬هو‭ ‬التعجيل‭ ‬بالآخرة‭ ‬ودفع‭ ‬السيد‭ ‬المسيح‭ ‬إلى‭ ‬النزول‭ ‬والبدء‭ ‬بمعركة‭ ‬النهاية‭ ‬وإقامة‭ ‬الهيكل،‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬تلك‭ ‬الأوهام‭ ‬العجيبة‭ ‬الغريبة،‭ ‬وكأن‭  ‬السيد‭ ‬المسيح‭ ‬عندما‭ ‬يعود‭ ‬سيعمل‭ ‬حسب‭ ‬أجندات‭ ‬المهووسين،‭ ‬وكأن‭ ‬المسيح‭ ‬سينزل‭ ‬ليقتل‭ ‬لا‭ ‬لينشر‭ ‬العدل‭ ‬والرحمة‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬الحماسة‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬يُظهرها‭ ‬هذا‭ ‬الوزير‭ ‬تشبه‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬رئيسه‭ ‬وما‭ ‬يقوله‭ ‬أعضاء‭ ‬في‭ ‬الكونجرس‭ ‬ووعاظ‭ ‬في‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬وفي‭ ‬الإعلام‭ ‬حول‭ ‬إنزال‭ ‬المسيح‭ ‬بجهودٍ‭ ‬بشرية‭ ‬خالصة‭ ‬وليس‭ ‬بإرادة‭ ‬إلهية،‭ ‬هذه‭ ‬الروح‭ ‬الدينية‭ ‬تبدو‭ ‬كتبرير‭ ‬للأطماع‭ ‬الاستعمارية‭ ‬أو‭ ‬تقوية‭ ‬لها‭ ‬وتعميقاً‭ ‬لضرورتها،‭ ‬وهذه‭ ‬الروح‭ ‬الدينية‭ ‬لا‭ ‬تلغي‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الاستعمار‭ ‬والتوسع‭ ‬والسيطرة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تماماً،‭ ‬فهذه‭ ‬الروح‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬التبرير‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬والدافعية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أُخرى‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬الروح‭ ‬الدينية،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يُعبِّر‭ ‬عنها‭ ‬الوشم‭ ‬على‭ ‬ذراع‭ ‬الوزير‭ ‬إياه،‭ ‬هي‭ ‬تعبير‭ ‬كما‭ ‬يعتقدون‭ ‬عن‭ ‬إرادة‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬ورعايتها،‭ ‬وبالمناسبة،‭ ‬فإن‭ ‬حركة‭ ‬الاكتشاف‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬بِدء‭ ‬الاستعمار،‭ ‬ترافقت‭ ‬مع‭ ‬حماسة‭ ‬دينية‭ ‬ملتهبة‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬والنفوذ،‭ ‬كان‭ ‬المستعمر‭ ‬في‭ ‬حينها‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تبرير‭ ‬أخلاقي‭ ‬أو‭ ‬ديني‭ ‬للقتل‭ ‬والاستعمار‭ ‬والسرقة،‭ ‬فتطوع‭ ‬النص‭ ‬الديني‭ ‬ليخدم‭ ‬أهدافه‭ ‬تماماً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬كل‭ ‬السلطات‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬التاريخ‭ ‬كله‭.‬

هذا‭ ‬الوزير‭ ‬المحارب‭ ‬هو‭ ‬ابن‭ ‬حضارة‭ ‬تبدأ‭ ‬بالتهاوي‭ ‬والتآكل،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مقولاتها‭ ‬القديمة‭ ‬تكفي‭ ‬ولا‭ ‬عملتها‭ ‬ولا‭ ‬مؤسساتها‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬قوتها‭ ‬المذهلة،‭ ‬الروح‭ ‬الدينية‭ ‬وحدها‭ ‬هي‭ ‬الكفيلة‭ ‬باستعادة‭ ‬روح‭ ‬ذلك‭ ‬الصليبي‭ ‬الذي‭ ‬حارب‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬ليلاحق‭ ‬خيط‭ ‬دخان‭.‬

‭ ‬وزير‭ ‬الحرب‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬يُخفِ‭ ‬إطلاقاً‭ ‬عداءه‭ ‬للإسلام،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كتبه‭ ‬السطحية‭ ‬والغارقة‭ ‬في‭ ‬الأوهام،‭ ‬ويكفي‭ ‬أن‭ ‬نقرأ‭ ‬ما‭ ‬ترجمه‭ ‬الكاتب‭ ‬المصري‭ ‬حسن‭ ‬قطامش‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬الثاني‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الحملة‭ ‬الصليبية‭ ‬الأمريكية‭: ‬كفاحنا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬البقاء‭ ‬أحراراً‮»‬‭ ‬للوزير‭ ‬إياه،‭ ‬لنرى‭ ‬كمية‭ ‬الجهل‭ ‬والحقد‭ ‬معاً،‭ ‬فهو‭ ‬يعتبر‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬‮«‬الإسلاموية‮»‬‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬الأكثر‭ ‬تهديداً‭ ‬للحرية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ولهذا،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬مواجهتها‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬ثقافياً‭ ‬وسياسياً‭ ‬وعسكرياً‭.‬

وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بإسرائيل،‭ ‬فهو‭ ‬يؤيدها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أفعالها‭ ‬وممارساتها،‭ ‬باعتبارها‭ ‬دولة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬ومن‭ ‬حقها‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬به،‭ ‬وعلى‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬فهو‭ ‬يعارض‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭ ‬ويدعم‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬أوتي‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬الإجراءات‭ ‬الوقائية‭ ‬والعقابية‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬هذا‭ ‬جزء‭ ‬مما‭ ‬ترجمه‭ ‬الكاتب‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬الثاني‭ ‬عشر‭ ‬فقط،‭ ‬فلك‭ ‬أن‭ ‬تتخيل‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يحتويه‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭.‬

‭ ‬هذا‭ ‬الوزير‭ ‬–أخيرا–‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬السادسة‭ ‬والأربعين،‭ ‬بهذه‭ ‬العقلية‭ ‬وهذا‭ ‬التوجه‭ ‬الذي‭ ‬يتحدث‭ ‬بلغة‭ ‬غطرسة‭ ‬وزهو،‭ ‬ويتصرف‭ ‬وكأنه‭ ‬كونت‭ ‬صليبي‭ ‬قديم،‭ ‬لم‭ ‬ينتبه‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬الصليبي‭ ‬–على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬توحشه‭ ‬وانعزاله–‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬أن‭ ‬يصمد،‭ ‬فقد‭ ‬تهاوى‭ ‬على‭ ‬فترات‭ ‬متقاربة،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬آخر‭ ‬جنود‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬فروا‭ ‬عُراة‭ ‬حُفاة‭ ‬من‭ ‬عكا،‭ ‬ولا‭ ‬أبالغ‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أبداً‭.‬

 

{ رئيس‭ ‬مركز‭ ‬الدراسات

‭ ‬المستقبلية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬القدس‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا