العدد : ١٧٥١٩ - الأربعاء ١١ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٩ - الأربعاء ١١ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

كشف حقيقة أسطورة التوازن الاستراتيجي الإيراني

بقلم: د. أحمد عبد ربه

الأربعاء ١١ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

هناك‭ ‬أطروحة‭ ‬سياسية‭ ‬جرى‭ ‬ترويجها‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬السياسة‭ ‬والإعلام‭ ‬العربي،‭ ‬وخصوصا‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬غزة،‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬إيران‭ ‬تمثل‭ ‬توازنا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬إسرائيل‭. ‬هذه‭ ‬المقولة،‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬المسلَّمة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الخطابات‭ ‬السياسية‭ ‬الإقليمية،‭ ‬تتطلب‭ ‬قراءة‭ ‬تحليلية‭ ‬هادئة‭ ‬ومراجعة‭ ‬نقدية‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬مفاهيم‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭. ‬

في‭ ‬أدبيات‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية،‭ ‬التوازن‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬ليس‭ ‬شعارا‭ ‬عاطفيا‭ ‬ولا‭ ‬موقفا‭ ‬أيديولوجيا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬معادلة‭ ‬قوة‭ ‬دقيقة‭ ‬وواضحة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تقارب‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬القدرات‭ ‬الشاملة،‭ ‬بحيث‭ ‬يمتلك‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬القدرة‭ ‬الفعلية‭ ‬على‭ ‬ردع‭ ‬الآخر‭ ‬ومنعه‭ ‬من‭ ‬فرض‭ ‬إرادته‭ ‬بالقوة‭. ‬عند‭ ‬تطبيق‭ ‬هذا‭ ‬المعيار‭ ‬الأكاديمي‭ ‬والعملي،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬الرادع‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬بين‭ ‬طهران‭ ‬وتل‭ ‬أبيب‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬المراحل‭ ‬منذ‭ ‬قيام‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬وحتى‭ ‬اللحظة‭.‬

علي‭ ‬الصعيد‭ ‬العملي،‭ ‬حافظت‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬موقعها‭ ‬كقوة‭ ‬عسكرية‭ ‬تمتلك‭ ‬تفوقا‭ ‬نوعيا‭ ‬ملحوظا‭ ‬في‭ ‬الإقليم،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬سلاح‭ ‬الجو،‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬الدقيقة،‭ ‬والقدرات‭ ‬الاستخباراتية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬شبكة‭ ‬الدعم‭ ‬الدولي‭ ‬التي‭ ‬حظيت‭ ‬بها‭ ‬دائما‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬اتسمت‭ ‬التفاعلات‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬بعلاقة‭ ‬غير‭ ‬متكافئة‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الأخير،‭ ‬قامت‭ ‬الدولة‭ ‬العبرية‭ ‬بتنفيذ‭ ‬مئات‭ ‬الضربات‭ ‬الجوية‭ ‬داخل‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭ ‬استهدفت‭ ‬بنى‭ ‬تحتية‭ ‬ومواقع‭ ‬تابعة‭ ‬للحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني‭ ‬و«حزب‭ ‬الله‮»‬‭. ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬استمرت‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تُقابل‭ ‬بتأسيس‭ ‬معادلة‭ ‬ردع‭ ‬حاسمة‭ ‬توقفها‭. ‬وتوازى‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬عمليات‭ ‬استهداف‭ ‬أمني‭ ‬دقيقة‭ ‬داخل‭ ‬العمق‭ ‬الإيراني‭ ‬نفسه،‭ ‬وهجمات‭ ‬سيبرانية‭ ‬معقدة‭ ‬طالت‭ ‬منشآت‭ ‬حيوية‭ ‬في‭ ‬طهران‭. ‬من‭ ‬منظور‭ ‬التحليل‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬فإن‭ ‬استمرار‭ ‬طرف‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬ضربات‭ ‬ممنهجة‭ ‬للطرف‭ ‬الآخر‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يواجه‭ ‬بردع‭ ‬يوقف‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تضمينه‭ ‬في‭ ‬خانة‭ (‬التوازن‭)!‬

في‭ ‬الواقع،‭ ‬تجنبت‭ ‬طهران‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬عسكرية‭ ‬نظامية‭ ‬ومباشرة‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬مفضلة‭ ‬تبني‭ ‬استراتيجية‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع‭ ‬عبر‭ ‬ساحات‭ ‬عربية‭ ‬مفتوحة،‭ ‬وتحديدا‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬وسوريا‭ ‬واليمن،‭ ‬وأحيانا‭ ‬العراق‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المقاربة‭ ‬التحليلية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نقل‭ ‬خطوط‭ ‬الاشتباك‭ ‬إلى‭ ‬أراضٍ‭ ‬عربية‭ ‬لا‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬توازن‭ ‬إقليمي‭ ‬مستدام،‭ ‬بل‭ ‬يؤدي‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬استنزاف‭ ‬مؤسسي‭ ‬واجتماعي‭ ‬لهذه‭ ‬الدول‭.‬

حين‭ ‬تتحول‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬ساحة‭ ‬لتبادل‭ ‬الرسائل‭ ‬الأمنية‭ ‬والعسكرية‭ ‬بين‭ ‬طهران‭ ‬وتل‭ ‬أبيب،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تصبح‭ ‬أقوى،‭ ‬بل‭ ‬تفقد‭ ‬سيادتها‭ ‬وتصبح‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬وانقساما‭.‬

لعل‭ ‬الحالة‭ ‬السورية‭ ‬تقدم‭ ‬النموذج‭ ‬الأكثر‭ ‬وضوحا‭ ‬وقسوة‭ ‬لهذا‭ ‬التفكك‭ ‬والانقسام‭. ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬وحتى‭ ‬اليوم،‭ ‬تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬الموثوقة‭ ‬إلى‭ ‬حقائق‭ ‬ديموجرافية‭ ‬واقتصادية‭ ‬صادمة‭. ‬فقد‭ ‬تجاوز‭ ‬عدد‭ ‬الضحايا‭ ‬500‭ ‬ألف‭ ‬شخص،‭ ‬بينهم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬230‭ ‬ألف‭ ‬مدني‭ ‬وفقا‭ ‬لتوثيقات‭ ‬الشبكة‭ ‬السورية‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭. ‬وعلي‭ ‬صعيد‭ ‬موجات‭ ‬اللجوء،‭ ‬تخطى‭ ‬عدد‭ ‬اللاجئين‭ ‬خارج‭ ‬البلاد‭ ‬حاجز‭ ‬الستة‭ ‬ملايين‭ ‬لاجئ،‭ ‬بينما‭ ‬يقارب‭ ‬عدد‭ ‬النازحين‭ ‬داخليا‭ ‬ستة‭ ‬ملايين‭ ‬آخرين‭. ‬نحن‭ ‬هنا‭ ‬لسنا‭ ‬أمام‭ ‬مجرد‭ ‬أرقام‭ ‬إحصائية،‭ ‬بل‭ ‬أمام‭ ‬تشخيص‭ ‬لانهيار‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬دولة‭ ‬ومجتمع‭ ‬تمزق‭ ‬بالكامل‭.‬

لقد‭ ‬بدأ‭ ‬التدخل‭ ‬الإيراني‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬مبكرا،‭ ‬وتصاعد‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬مع‭ ‬الدخول‭ ‬العلني‭ ‬لحزب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬المعارك‭ ‬عام‭ ‬2013‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬القصير‭ ‬وحدها‭ ‬سقط‭ ‬مئات‭ ‬الضحايا‭ ‬ونزح‭ ‬آلاف‭ ‬السكان‭ ‬المحليين‭. ‬توالت‭ ‬بعدها‭ ‬مشاهد‭ ‬الحصار‭ ‬القاسي‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مثل‭ ‬الزبداني‭ ‬ومضايا،‭ ‬حيث‭ ‬وثقت‭ ‬تقارير‭ ‬دولية‭ ‬حالات‭ ‬تجويع‭ ‬للمدنيين‭ ‬ونقصا‭ ‬حادا‭ ‬في‭ ‬الأدوية‭. ‬وفي‭ ‬حلب‭ ‬عام‭ ‬2016‭ ‬أفضت‭ ‬المعارك‭ ‬إلى‭ ‬تهجير‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬أحياء‭ ‬كاملة،‭ ‬وسط‭ ‬تقارير‭ ‬حقوقية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬إعدامات‭ ‬ميدانية‭ ‬واعتقالات‭ ‬واسعة‭. ‬هذه‭ ‬التحركات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مواجهة‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬بل‭ ‬انخراطا‭ ‬مباشرا‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬أهلية‭ ‬عمقت‭ ‬الطابع‭ ‬الطائفي‭ ‬للصراع‭ ‬في‭ ‬سوريا‭.‬

وتكتمل‭ ‬الصورة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬الكلفة‭ ‬الاقتصادية‭. ‬فبحسب‭ ‬تقديرات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬تجاوزت‭ ‬الخسائر‭ ‬الاقتصادية‭ ‬السورية‭ ‬400‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭. ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الأساسية‭ ‬تعرضت‭ ‬لدمار‭ ‬هائل،‭ ‬حيث‭ ‬انهارت‭ ‬شبكات‭ ‬الكهرباء‭ ‬والمياه‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬واسعة،‭ ‬وخرجت‭ ‬آلاف‭ ‬المدارس‭ ‬والمستشفيات‭ ‬عن‭ ‬الخدمة،‭ ‬لينشأ‭ ‬جيل‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حرب‭ ‬مفتوحة‭. ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات،‭ ‬يبرز‭ ‬تساؤل‭ ‬مشروع‭: ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬هو‭ ‬خلق‭ ‬توازن‭ ‬إقليمي،‭ ‬فكيف‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬تحويل‭ ‬دولة‭ ‬مركزية‭ ‬في‭ ‬المشرق‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬مدمرة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬خارجي‭ ‬للبقاء؟‭ ‬ولصالح‭ ‬من؟‭!‬

النموذج‭ ‬العراقي‭ ‬يقدم‭ ‬زاوية‭ ‬أخرى‭ ‬لفهم‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭. ‬فبعد‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬صعدت‭ ‬فصائل‭ ‬مسلحة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بطهران‭ ‬لتصبح‭ ‬جزءا‭ ‬نافذا‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬الأمني‭ ‬والسياسي‭. ‬فقد‭ ‬وثقت‭ ‬تقارير‭ ‬متعددة‭ ‬عمليات‭ ‬قتل‭ ‬خارج‭ ‬إطار‭ ‬القانون‭ ‬وانتهاكات‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬طائفي‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الصراع‭ ‬الداخلي‭. ‬النتيجة‭ ‬كانت‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ ‬لم‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التفاعلات‭ ‬أقوى،‭ ‬بل‭ ‬استمرت‭ ‬في‭ ‬معاناتها‭ ‬من‭ ‬ازدواجية‭ ‬السلاح‭ ‬وتعدد‭ ‬مراكز‭ ‬القرار‭. ‬هذه‭ ‬السياسة،‭ ‬منطقيا،‭ ‬لم‭ ‬تؤدِّ‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬قوة‭ ‬عربية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬موازنة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬الداخل‭.‬

وفي‭ ‬اليمن،‭ ‬تحول‭ ‬دعم‭ ‬الحوثيين‭ ‬إلى‭ ‬عنصر‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬ممتدة‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2015‭ ‬وقد‭ ‬وصفت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الأزمة‭ ‬اليمنية‭ ‬بأنها‭ ‬من‭ ‬أسوأ‭ ‬الأزمات‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬حيث‭ ‬بات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬مليون‭ ‬إنسان‭ ‬بحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬إلى‭ ‬مساعدات‭ ‬إنسانية‭ ‬عاجلة‭. ‬البنية‭ ‬الصحية‭ ‬والتعليمية‭ ‬شبه‭ ‬منهارة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬واسعة،‭ ‬والاقتصاد‭ ‬تراجع‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭. ‬مجددا،‭ ‬نجد‭ ‬بلدا‭ ‬عربيا‭ ‬يدفع‭ ‬الثمن‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬صراع‭ ‬إقليمي‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬قراره‭ ‬بالكامل‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬فإن‭ ‬امتلاك‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬لقرار‭ ‬السلم‭ ‬والحرب‭ ‬خارج‭ ‬إطار‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬أدخل‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬من‭ ‬التهديد‭ ‬الدائم‭. ‬الانعكاسات‭ ‬امتدت‭ ‬لتضرب‭ ‬أسس‭ ‬الاقتصاد‭ ‬اللبناني‭ ‬الذي‭ ‬فقدت‭ ‬عملته‭ ‬الوطنية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تسعين‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬قيمتها‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭. ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬انهار،‭ ‬وارتفعت‭ ‬معدلات‭ ‬الفقر‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭. ‬لبنان‭ ‬لم‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬ردع‭ ‬مستقرة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬بل‭ ‬إلي‭ ‬دولة‭ ‬منهكة‭ ‬داخليا‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬شلل‭ ‬سياسي‭ ‬واقتصادي‭ ‬وأمني‭!‬

قد‭ ‬يقول‭ ‬البعض‭ ‬إن‭ ‬استنزاف‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مسؤولية‭ ‬إيران‭ ‬وحدها،‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬أننا‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬نقوم‭ ‬بإحصاء‭ ‬حقوقي‭ ‬للمتسببين‭ ‬في‭ ‬انهيار‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬لأنهم‭ ‬كثر‭ ‬بالفعل،‭ ‬بل‭ ‬نجيب‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬واضح‭: ‬هل‭ ‬سياسة‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬أدت‭ ‬إلي‭ ‬خلق‭ ‬توازن‭ ‬استراتيجي‭ ‬أم‭ ‬إلى‭ ‬تأسيس‭ ‬وتعميق‭ ‬عدم‭ ‬التوازن‭ ‬هذا؟

غالبا‭ ‬ما‭ ‬يجادل‭ ‬أنصار‭ ‬فكرة‭ ‬التوازن‭ ‬بأن‭ ‬مجرد‭ ‬وجود‭ ‬محور‭ ‬مسلح‭ ‬يربك‭ ‬إسرائيل‭ ‬ويمنعها‭ ‬من‭ ‬الانفراد‭ ‬بالمنطقة‭ ‬كافٍ‭. ‬لكن‭ ‬الوقائع‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬إسرائيل‭ ‬واصلت‭ ‬توسيع‭ ‬هامش‭ ‬حركتها؛‭ ‬فنفذت‭ ‬ضرباتها‭ ‬حين‭ ‬أرادت،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬سياسات‭ ‬إيران‭ ‬وغموض‭ ‬أهداف‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬من‭ ‬الأسباب‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬تصاعد‭ ‬مخاوف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬من‭ ‬التهديد‭ ‬الإيراني‭ ‬المستمر‭.‬

إذن،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لطرف‭ ‬أن‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تفجير‭ ‬بلدان‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬واحدة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى‭ ‬قرابة‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬ثم‭ ‬يطلب‭ ‬منا‭ ‬تصديق‭ ‬أنه‭ ‬معادل‭ ‬استراتيجي‭ ‬لإسرائيل‭! ‬هذه‭ ‬دعاية‭ ‬واهية،‭ ‬وللأسف‭ ‬انطلت‭ ‬على‭ ‬كثيرين‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭.‬

إن‭ ‬التوازن‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬عبر‭ ‬مليشيات‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬ولا‭ ‬عبر‭ ‬تعبئة‭ ‬مذهبية‭ ‬عمقت‭ ‬الانقسام،‭ ‬ولا‭ ‬عبر‭ ‬تحويل‭ ‬عواصم‭ ‬عربية‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬نفوذ‭ ‬متنازعة،‭ ‬ولا‭ ‬عبر‭ ‬ارتكاب‭ ‬مجازر‭ ‬وحشية‭ ‬بحق‭ ‬المدنيين‭ ‬ــ‭ ‬وهي‭ ‬جرائم‭ ‬لا‭ ‬تسقط‭ ‬بالتقادم‭ ‬لمن‭ ‬ينسى‭! ‬التوازن‭ ‬يتطلب‭ ‬تقوية‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬نفسها‭: ‬بناء‭ ‬جيوش‭ ‬وطنية‭ ‬محترفة،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬مستقرة،‭ ‬واقتصاد‭ ‬منتج،‭ ‬ومجتمع‭ ‬متماسك‭ ‬لا‭ ‬منقسم‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بأية‭ ‬حال‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬شن‭ ‬أي‭ ‬حرب‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬لأن‭ ‬إشعال‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬يمثل‭ ‬خطرا‭ ‬كبيرا‭ ‬وقد‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬كارثة‭ ‬أوسع‭. ‬لكن‭ ‬الموقف‭ ‬المبدئي‭ ‬الرافض‭ ‬للحرب‭ ‬لا‭ ‬يفرض‭ ‬علينا‭ ‬تبني‭ ‬سردية‭ ‬خاطئة‭ ‬عن‭ ‬الماضي‭.  ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نرفض‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬نرفض‭ ‬تزييف‭ ‬المفاهيم‭! ‬الحرب‭ ‬للأسف‭ ‬بدأت،‭ ‬ولا‭ ‬يملك‭ ‬أحد‭ ‬منا‭ ‬إيقافها‭ ‬عبر‭ ‬شعارات‭ ‬أو‭ ‬مقالات‭ ‬أو‭ ‬تحليلات،‭ ‬لكن‭ ‬المهم‭ ‬دائما‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬الوعي‭ ‬حاضرا‭ ‬بخطورة‭ ‬اعتبار‭ ‬سياسات‭ ‬نظام‭ ‬ديني‭ ‬طائفي‭ ‬مسارا‭ ‬لتحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬المزعوم‭!‬

في‭ ‬قاموس‭ ‬بناء‭ ‬الدول،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تسمية‭ ‬التفكك‭ ‬توازنا‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تسمية‭ ‬السياسة‭ ‬الطائفية‭ ‬ردعا،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬مليشيات‭ ‬مسلحة‭ ‬بديلا‭ ‬عن‭ ‬دول‭ ‬مستقرة‭ ‬وقوية‭. ‬إذا‭ ‬أردنا‭ ‬توازنا‭ ‬حقيقيا‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬فلا‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬عبر‭ ‬شعارات‭ ‬عاطفية،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬مشروع‭ ‬عربي‭ ‬واضح‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتقوية‭ ‬الداخل،‭ ‬واستعادة‭ ‬القرار‭ ‬السيادي‭. ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬شعارات‭ ‬سياسية‭ ‬جذابة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تصمد‭ ‬أمام‭ ‬الواقع‭.‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬

بجامعة‭ ‬دنفر‭ ‬الأمريكية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا