هناك أطروحة سياسية جرى ترويجها سنوات طويلة في أروقة السياسة والإعلام العربي، وخصوصا بعد حرب غزة، تقول إن إيران تمثل توازنا استراتيجيا في مواجهة إسرائيل. هذه المقولة، التي تحولت إلى ما يشبه المسلَّمة في بعض الخطابات السياسية الإقليمية، تتطلب قراءة تحليلية هادئة ومراجعة نقدية في ضوء مفاهيم العلاقات الدولية.
في أدبيات العلوم السياسية، التوازن الاستراتيجي ليس شعارا عاطفيا ولا موقفا أيديولوجيا، بل هو معادلة قوة دقيقة وواضحة، تقوم على تقارب حقيقي في القدرات الشاملة، بحيث يمتلك كل طرف القدرة الفعلية على ردع الآخر ومنعه من فرض إرادته بالقوة. عند تطبيق هذا المعيار الأكاديمي والعملي، نجد أن هذا التوازن الرادع لم يتحقق بين طهران وتل أبيب في أي مرحلة من المراحل منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 وحتى اللحظة.
علي الصعيد العملي، حافظت إسرائيل على موقعها كقوة عسكرية تمتلك تفوقا نوعيا ملحوظا في الإقليم، لا سيما في مجالات سلاح الجو، والتكنولوجيا الدقيقة، والقدرات الاستخباراتية، فضلا عن شبكة الدعم الدولي التي حظيت بها دائما من أوروبا والولايات المتحدة.
في المقابل، اتسمت التفاعلات بين الطرفين بعلاقة غير متكافئة. على سبيل المثال، خلال العقد الأخير، قامت الدولة العبرية بتنفيذ مئات الضربات الجوية داخل الأراضي السورية استهدفت بنى تحتية ومواقع تابعة للحرس الثوري الإيراني و«حزب الله». هذه العمليات العسكرية استمرت سنوات طويلة دون أن تُقابل بتأسيس معادلة ردع حاسمة توقفها. وتوازى ذلك مع عمليات استهداف أمني دقيقة داخل العمق الإيراني نفسه، وهجمات سيبرانية معقدة طالت منشآت حيوية في طهران. من منظور التحليل الاستراتيجي، فإن استمرار طرف في توجيه ضربات ممنهجة للطرف الآخر دون أن يواجه بردع يوقف هذه الهجمات لا يمكن تضمينه في خانة (التوازن)!
في الواقع، تجنبت طهران الدخول في مواجهة عسكرية نظامية ومباشرة مع إسرائيل، مفضلة تبني استراتيجية إدارة الصراع عبر ساحات عربية مفتوحة، وتحديدا في لبنان وسوريا واليمن، وأحيانا العراق. إلا أن المقاربة التحليلية تشير إلى أن نقل خطوط الاشتباك إلى أراضٍ عربية لا يسهم في خلق توازن إقليمي مستدام، بل يؤدي بالضرورة إلى استنزاف مؤسسي واجتماعي لهذه الدول.
حين تتحول دولة عربية إلى مجرد ساحة لتبادل الرسائل الأمنية والعسكرية بين طهران وتل أبيب، فإنها لا تصبح أقوى، بل تفقد سيادتها وتصبح أكثر هشاشة وانقساما.
لعل الحالة السورية تقدم النموذج الأكثر وضوحا وقسوة لهذا التفكك والانقسام. منذ عام 2011 وحتى اليوم، تشير تقديرات المنظمات الدولية الموثوقة إلى حقائق ديموجرافية واقتصادية صادمة. فقد تجاوز عدد الضحايا 500 ألف شخص، بينهم أكثر من 230 ألف مدني وفقا لتوثيقات الشبكة السورية لحقوق الإنسان. وعلي صعيد موجات اللجوء، تخطى عدد اللاجئين خارج البلاد حاجز الستة ملايين لاجئ، بينما يقارب عدد النازحين داخليا ستة ملايين آخرين. نحن هنا لسنا أمام مجرد أرقام إحصائية، بل أمام تشخيص لانهيار كامل في بنية دولة ومجتمع تمزق بالكامل.
لقد بدأ التدخل الإيراني المباشر في سوريا مبكرا، وتصاعد بشكل ملحوظ مع الدخول العلني لحزب الله في المعارك عام 2013 في معركة القصير وحدها سقط مئات الضحايا ونزح آلاف السكان المحليين. توالت بعدها مشاهد الحصار القاسي في مناطق مثل الزبداني ومضايا، حيث وثقت تقارير دولية حالات تجويع للمدنيين ونقصا حادا في الأدوية. وفي حلب عام 2016 أفضت المعارك إلى تهجير عشرات الآلاف من سكان أحياء كاملة، وسط تقارير حقوقية تشير إلى إعدامات ميدانية واعتقالات واسعة. هذه التحركات لم تكن مواجهة مع إسرائيل، بل انخراطا مباشرا في حرب أهلية عمقت الطابع الطائفي للصراع في سوريا.
وتكتمل الصورة بالنظر إلى الكلفة الاقتصادية. فبحسب تقديرات الأمم المتحدة، تجاوزت الخسائر الاقتصادية السورية 400 مليار دولار. البنية التحتية الأساسية تعرضت لدمار هائل، حيث انهارت شبكات الكهرباء والمياه في مناطق واسعة، وخرجت آلاف المدارس والمستشفيات عن الخدمة، لينشأ جيل كامل في ظل حرب مفتوحة. أمام هذه المعطيات، يبرز تساؤل مشروع: إذا كان الهدف هو خلق توازن إقليمي، فكيف يمكن تفسير تحويل دولة مركزية في المشرق إلى ساحة مدمرة تعتمد على دعم خارجي للبقاء؟ ولصالح من؟!
النموذج العراقي يقدم زاوية أخرى لفهم هذه الظاهرة. فبعد عام 2003 صعدت فصائل مسلحة مرتبطة بطهران لتصبح جزءا نافذا من المشهد الأمني والسياسي. فقد وثقت تقارير متعددة عمليات قتل خارج إطار القانون وانتهاكات ذات طابع طائفي في سياق الصراع الداخلي. النتيجة كانت أن الدولة العراقية لم تخرج من هذه التفاعلات أقوى، بل استمرت في معاناتها من ازدواجية السلاح وتعدد مراكز القرار. هذه السياسة، منطقيا، لم تؤدِّ إلى بناء قوة عربية قادرة على موازنة إسرائيل، بل إلى إضعاف الدولة الوطنية من الداخل.
وفي اليمن، تحول دعم الحوثيين إلى عنصر رئيسي في حرب ممتدة منذ عام 2015 وقد وصفت الأمم المتحدة الأزمة اليمنية بأنها من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث بات أكثر من عشرين مليون إنسان بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية عاجلة. البنية الصحية والتعليمية شبه منهارة في مناطق واسعة، والاقتصاد تراجع بشكل حاد. مجددا، نجد بلدا عربيا يدفع الثمن في إطار صراع إقليمي لا يملك قراره بالكامل.
أما في لبنان، فإن امتلاك «حزب الله» لقرار السلم والحرب خارج إطار مؤسسات الدولة أدخل البلاد في دائرة من التهديد الدائم. الانعكاسات امتدت لتضرب أسس الاقتصاد اللبناني الذي فقدت عملته الوطنية أكثر من تسعين في المائة من قيمتها خلال سنوات قليلة. القطاع المصرفي انهار، وارتفعت معدلات الفقر بشكل غير مسبوق. لبنان لم يتحول إلى قوة ردع مستقرة في مواجهة إسرائيل، بل إلي دولة منهكة داخليا تعاني من شلل سياسي واقتصادي وأمني!
قد يقول البعض إن استنزاف هذه الدول لم يكن مسؤولية إيران وحدها، ، لكن علينا أن نتذكر أننا هنا لا نقوم بإحصاء حقوقي للمتسببين في انهيار هذه الدول لأنهم كثر بالفعل، بل نجيب عن سؤال واضح: هل سياسة النظام الإيراني أدت إلي خلق توازن استراتيجي أم إلى تأسيس وتعميق عدم التوازن هذا؟
غالبا ما يجادل أنصار فكرة التوازن بأن مجرد وجود محور مسلح يربك إسرائيل ويمنعها من الانفراد بالمنطقة كافٍ. لكن الوقائع تقول إن إسرائيل واصلت توسيع هامش حركتها؛ فنفذت ضرباتها حين أرادت، كما كانت سياسات إيران وغموض أهداف البرنامج النووي من الأسباب الرئيسية في تصاعد مخاوف دول الخليج من التهديد الإيراني المستمر.
إذن، لا يمكن لطرف أن يسهم في تفجير بلدان المنطقة العربية واحدة تلو الأخرى قرابة نصف قرن من الزمان ثم يطلب منا تصديق أنه معادل استراتيجي لإسرائيل! هذه دعاية واهية، وللأسف انطلت على كثيرين في عالمنا العربي.
إن التوازن الحقيقي لا يُبنى عبر مليشيات عابرة للحدود، ولا عبر تعبئة مذهبية عمقت الانقسام، ولا عبر تحويل عواصم عربية إلى ساحات نفوذ متنازعة، ولا عبر ارتكاب مجازر وحشية بحق المدنيين ــ وهي جرائم لا تسقط بالتقادم لمن ينسى! التوازن يتطلب تقوية الدول العربية نفسها: بناء جيوش وطنية محترفة، ومؤسسات مستقرة، واقتصاد منتج، ومجتمع متماسك لا منقسم.
إن هذا الطرح لا يعني بأية حال الموافقة على شن أي حرب خارج نطاق القانون الدولي في المنطقة. لأن إشعال الحرب في المنطقة يمثل خطرا كبيرا وقد يقود إلى كارثة أوسع. لكن الموقف المبدئي الرافض للحرب لا يفرض علينا تبني سردية خاطئة عن الماضي. إذ يمكن أن نرفض هذه الحرب وفي الوقت نفسه نرفض تزييف المفاهيم! الحرب للأسف بدأت، ولا يملك أحد منا إيقافها عبر شعارات أو مقالات أو تحليلات، لكن المهم دائما أن يبقى الوعي حاضرا بخطورة اعتبار سياسات نظام ديني طائفي مسارا لتحقيق التوازن الاستراتيجي المزعوم!
في قاموس بناء الدول، لا يمكن تسمية التفكك توازنا. لا يمكن تسمية السياسة الطائفية ردعا، ولا يمكن اعتبار مليشيات مسلحة بديلا عن دول مستقرة وقوية. إذا أردنا توازنا حقيقيا في المنطقة، فلا يكون ذلك عبر شعارات عاطفية، بل عبر مشروع عربي واضح يقوم على بناء الدولة الوطنية، وتقوية الداخل، واستعادة القرار السيادي. غير ذلك ليس سوى شعارات سياسية جذابة، لكنها لا تصمد أمام الواقع.
{ أستاذ في العلاقات الدولية
بجامعة دنفر الأمريكية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك