العدد : ١٦٨٨٧ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١١ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٨٧ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١١ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

لماذا رشوة هنا وكوميشن هناك؟

في‭ ‬مسح‭ ‬استطلاعي‭ ‬أجرته‭ ‬منظمة‭ ‬الشفافية‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬تسع‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العاربة‭ ‬والمستعربة‭ ‬قبل‭ ‬أعوام‭ ‬قليلة،‭ ‬جاء‭ ‬أن‭ ‬61%‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬بلادهم‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬الفساد،‭ ‬ويقيني‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الـ39%‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يوافقوا‭ ‬الغالبية‭ ‬الرأي،‭ ‬إما‭ ‬ضالعون‭ ‬في‭ ‬الفساد،‭ ‬أو‭ ‬ضائعون‭ ‬ولا‭ ‬يميزون‭ ‬بين‭ ‬الفساد‭ ‬والرشاد،‭ ‬أو‭ ‬أصحاب‭ ‬عيال،‭ ‬و«العيال‭ ‬مبخلة‭ ‬ومجبنة‮»‬،‭ ‬وعموما‭ ‬فنحن‭ ‬نخاف‭ ‬من‭ ‬إبداء‭ ‬الرأي‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬فيها‭ ‬إيراد‭ ‬الأسماء‭. ‬

ومعظم‭ ‬حكوماتنا‭ ‬ترفض‭ ‬‮«‬الشفافية‮»‬،‭ ‬لأنها‭ ‬محافظة،‭ ‬وتستاء‭ ‬من‭ ‬‮«‬الشفافية‮»‬‭ ‬في‭ ‬ملابس‭ ‬الراقصات‭ ‬والمطربات،‭ ‬فكيف‭ ‬تريدون‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تتشفشف»؟‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬كبار‭ ‬المتنفذين‭ ‬عندنا،‭ ‬يغلقون‭ ‬الأبواب‭ ‬والنوافذ‭ ‬والستائر‭ ‬على‭ ‬أنفسهم‭ ‬كلما‭ ‬أرادوا‭ ‬تغيير‭ ‬آرائهم،‭ ‬ولأنهم‭ ‬يفعلون‭ ‬ذلك‭ ‬كثيرا‭ ‬فإن‭ ‬أعداء‭ ‬الوطن،‭ ‬يتهمونهم‭ ‬بالعيش‭ ‬في‭ ‬أبراج‭ ‬عاجية‭. ‬أي‭ ‬عاجية‭ ‬الله‭ ‬يهدينا‭ ‬وإياكم،‭ ‬والعاج‭ ‬أبيض‭ ‬وهم‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬غرف‭ ‬سوداء‭ ‬مظلمة‭ ‬لا‭ ‬تدخلها‭ ‬شمس‭ ‬الصباح،‭ ‬ولا‭ ‬شمس‭ ‬العصر‭ ‬الذي‭ ‬هم‭ ‬فيه‭ ‬في‭ ‬خُسر،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فالشفافية‭ ‬‮«‬عيب‮»‬،‭ ‬ونحن‭ ‬قوم‭ ‬نرفض‭ ‬كشف‭ ‬الحال‭ ‬الذي‭ ‬يغني‭ ‬عن‭ ‬السؤال،‭ ‬ومنظمة‭ ‬الشفافية‭ ‬تنظر‭ ‬إلينا‭ ‬‮«‬من‭ ‬فوق‮»‬،‭ ‬وترى‭ ‬رجالنا‭ ‬بجلابيب‭ ‬طويلة،‭ ‬ونساءنا‭ ‬بعباءات‭ ‬من‭ ‬الرأس‭ ‬إلى‭ ‬التراب،‭ ‬فتحسب‭ ‬أن‭ ‬تحت‭ ‬السواهي‭ ‬دواهي،‭ ‬وأن‭ ‬غالبيتنا‭ ‬ماء‭ ‬تحت‭ ‬تبن‭.‬

أخذ‭ ‬آخر‭ ‬تقرير‭ ‬لتلك‭ ‬المنظمة‭ ‬علينا،‭ ‬أن‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ثلاثة‭ ‬منا،‭ ‬دفع‭ ‬مبلغا‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬لمسؤول‭ ‬حكومي‭ ‬صغير‭ ‬أو‭ ‬كبير،‭ ‬لقضاء‭ ‬أمر‭ ‬ما،‭ ‬واعتبروا‭ ‬ذلك‭ ‬رشوة،‭ ‬بينما‭ ‬نحن‭ ‬نسمي‭ ‬مثل‭ ‬ذلك‭ ‬المبلغ‭ ‬‮«‬إكرامية‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬كلمة‭ ‬فيها‭ ‬عناصر‭ ‬الكرم‭ ‬والتكريم،‭ ‬وأهل‭ ‬الغرب‭ ‬يشربون‭ ‬الخمر‭ ‬في‭ ‬الحانات،‭ ‬ثم‭ ‬يقدمون‭ ‬للنادل‭/ ‬الجرسون‭ ‬مبلغا‭ ‬ماليا‭ ‬إضافيا‭ ‬فوق‭ ‬سعر‭ ‬الخمر‭ ‬الذي‭ ‬يطفحونه،‭ ‬ويعتقدون‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬قمة‭ ‬الذوق‭ ‬والتهذيب‭. ‬يا‭ ‬أولاد‭ ‬الذين،‭ ‬النادل‭ ‬يقدم‭ ‬لكم‭ ‬سائلا‭ ‬يذهب‭ ‬العقل‭ ‬والعافية،‭ ‬وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬شربه‭ ‬الى‭ ‬ارتكاب‭ ‬جريمة،‭ ‬فلماذا‭ ‬تكافئونه‭ ‬على‭ ‬ذلك؟‭ ‬ولماذا‭ ‬تسمون‭ ‬ما‭ ‬تقدمونه‭ ‬للنادل‭ ‬‮«‬تيب‭ ‬tip‮»‬‭/ ‬بقشيش،‭ ‬وما‭ ‬نقدمه‭ ‬نحن‭ ‬لموظف‭ ‬حكومي‭ ‬رشوة؟‭ ‬أليس‭ ‬التيب‭ ‬والإكرامية‭ ‬نظير‭ ‬خدمة‭ ‬ما؟‭ ‬ثم‭ ‬أنكم‭ ‬تدفعون‭ ‬التيب‭ ‬نظير‭ ‬خدمة‭ ‬استفدتم‭ ‬منها‭ ‬سلفا،‭ ‬ونحن‭ ‬ندفع‭ ‬الإكرامية‭ ‬كعربون‭ ‬لنيل‭ ‬خدمة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق،‭ ‬فمن‭ ‬منا‭ ‬الأعقل؟

وحكوماتنا‭ ‬خيرية،‭ ‬ولها‭ ‬جهود‭ ‬مقدرة‭ ‬لحل‭ ‬مشكلة‭ ‬البطالة،‭ ‬ولهذا‭ ‬تسند‭ ‬مهام‭ ‬الوظيفة‭ ‬الواحدة‭ ‬لنحو‭ ‬عشرة‭ ‬أشخاص،‭ ‬ولا‭ ‬يقوم‭ ‬بتلك‭ ‬المهام‭ ‬سوى‭ ‬اثنين‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة‭ ‬منهم،‭ ‬فما‭ ‬البأس‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يتقاضى‭ ‬من‭ ‬يقومون‭ ‬بتصريف‭ ‬الأمور‭ ‬حوافز‭ ‬إضافية‭ ‬من‭ ‬الجماهير؟‭ ‬سأعطيكم‭ ‬مثالا‭: ‬يا‭ ‬جماعة‭ ‬الحرية‭ ‬والشفافية‭ ‬والرفاهية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬لماذا‭ ‬تتعمدون‭ ‬الإساءة‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬حكوماتنا؟‭ ‬دعونا‭ ‬نستعرض‭ ‬سطرا‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬إنجازاتكم‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2003‭: ‬ألستم‭ ‬من‭ ‬أتى‭ ‬بنوري‭ ‬المالكي‭ ‬رئيسا‭ ‬لحكومة‭ ‬العراق‭ ‬ولايتين؟‭ ‬فماذا‭ ‬عمل‭ ‬سوى‭ ‬زعزعة‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬في‭ ‬بلاده؟‭ ‬طبعا‭ ‬سيجد‭ ‬الأوروبيون‭ ‬والأمريكان‭ ‬له‭ ‬الأعذار،‭ ‬ويقولون‭ ‬إنه‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬اضطراب‭ ‬نفسي‭ ‬سبب‭ ‬له‭ ‬ازدواجية‭ ‬في‭ ‬الولاء‭ (‬عواطفه‭ ‬موزعة‭ ‬بين‭ ‬بغداد‭ ‬وطهران‭)‬،‭ ‬وازدواج‭ ‬الشخصية،‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬جواد‮»‬‭ ‬قبل‭ ‬وصوله‭ ‬الى‭ ‬كرسي‭ ‬الحكم،‭ ‬ثم‭ ‬صار‭ ‬‮«‬نوري‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تسلم‭ ‬مقاليد‭ ‬السلطة،‭ ‬ولماذا‭ ‬نوري‭ ‬بالتحديد؟‭ ‬عليك‭ ‬نور‭... ‬لأنه‭ ‬اسم‭ ‬يوحي‭ ‬بحسن‭ ‬الفأل‭ ‬والأمل‭.‬

وجواد‭/ ‬نوري‭ ‬المالكي‭ ‬هذا،‭ ‬شكل‭ ‬جيشا‭ ‬ضخما،‭ ‬ولم‭ ‬ير‭ ‬بأسا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يضم‭ ‬الجيش‭ ‬150,000‭ ‬من‭ ‬الجنود‭ ‬الأشباح‭: ‬عساكر‭ ‬على‭ ‬الورق،‭ ‬يتقاضى‭ ‬رواتبهم‭ ‬‮«‬وكيلهم‮»‬،‭ ‬ولهذا‭ ‬قرر‭ ‬الجنود‭ ‬الحقيقيون‭ ‬أنهم‭ ‬يظلمون‭ ‬أنفسهم‭ ‬وعائلاتهم‭ ‬إذا‭ ‬اشتركوا‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬قتالية‭ ‬ضد‭ ‬داعش،‭ ‬فافتدوا‭ ‬أرواحهم‭ ‬بالدبابات‭ ‬والراجمات‭ ‬والذخائر‭ ‬التي‭ ‬سلموها‭ ‬لداعش،‭ ‬وقرأت‭ ‬تقرير‭ ‬منظمة‭ ‬الشفافية‭ ‬الدولية‭ ‬للأعوام‭ ‬2013‭ ‬و2014‭ ‬و2015‭ ‬ولم‭ ‬أجد‭ ‬فيها‭ ‬ذكرا‭ ‬لنوري‭ ‬التعيس‭ ‬هذا،‭ ‬ولكنها‭ ‬تحدثت‭ ‬عاما‭ ‬تلو‭ ‬عام‭ ‬عن‭ ‬الفساد‭ ‬المؤسسي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا،‭ ‬لأن‭ ‬موظفين‭ ‬صغارا‭ ‬يتقاضون‭ ‬إكراميات‭ ‬نظير‭ ‬خدمات‭ ‬جليلة‭ ‬يقدمونها‭ ‬للمواطن،‭ ‬ولأن‭ ‬موظفين‭ ‬كبارا‭ ‬يتقاضون‭ ‬عمولات‭ ‬نظير‭ ‬تنفيذ‭ ‬مشاريع‭ ‬لخدمة‭ ‬المواطن،‭ ‬فلماذا‭ ‬عمولات‭ ‬جماعتنا‭ ‬‮«‬رشوة‮»‬‭ ‬وعمولات‭ ‬الغربيين‭ ‬‮«‬كوميشن»؟

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا