العدد : ١٦٥٠٦ - الجمعة ٠٢ يونيو ٢٠٢٣ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٥٠٦ - الجمعة ٠٢ يونيو ٢٠٢٣ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤٤هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

[email protected]

أي صنف من البشر هؤلاء؟

‮«‬قل‭ ‬أعوذ‭ ‬برب‭ ‬الفلق‭ ‬من‭ ‬شر‭ ‬ما‭ ‬خلق‮»‬،‭ ‬رجل‭ ‬مسلم‭ ‬تجاوز‭ ‬السبعين‭ ‬شكا‭ ‬ابنه‭ ‬للقضاء‭ ‬ووقف‭ ‬أمام‭ ‬المحكمة‭ ‬ليقول‭ ‬إنه‭ ‬طاعن‭ ‬في‭ ‬السن،‭ ‬وليس‭ ‬لديه‭ ‬من‭ ‬الذرية‭ ‬سوى‭ ‬ذلك‭ ‬الابن‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬ينفق‭ ‬عليه،‭ ‬وعند‭ ‬مثول‭ ‬الابن‭ ‬أمام‭ ‬المحكمة‭ ‬احتضنه‭ ‬الأب‭ ‬باكياً‭: ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬منك‭ ‬مليماً‭ ‬واحداً،‭ ‬يكفيني‭ ‬أنني‭ ‬رأيتك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أموت‭. ‬يا‭ ‬سيدي‭ ‬القاضي‭ ‬أنا‭ ‬رجل‭ ‬ميسور‭ ‬الحال،‭ ‬ولا‭ ‬حاجة‭ ‬بي‭ ‬إلى‭ ‬نقود‭ ‬ولدي،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هناك‭ ‬هو‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أره‭ ‬طوال‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬واتصلت‭ ‬به‭ ‬مرارا‭ ‬عبر‭ ‬الهاتف‭ ‬والرسائل‭ ‬البريدية‭ ‬والوسطاء،‭ ‬كي‭ ‬أراه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أموت،‭ ‬ولما‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬منه‭ ‬استجابة،‭ ‬لجأت‭ ‬إلى‭ ‬حيلة‭ ‬طلب‭ ‬نفقة‭ ‬منه‭ ‬كي‭ ‬يتسنى‭ ‬لي‭ ‬رؤيته‭ ‬ولو‭ ‬لمرة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬المحكمة‭. ‬دمعت‭ ‬عينا‭ ‬القاضي‭ ‬وبكى‭ ‬حاجب‭ ‬المحكمة‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬شهد‭ ‬تلك‭ ‬الواقعة،‭ ‬وبموجب‭ ‬القانون‭ ‬فقد‭ ‬شطب‭ ‬القاضي‭ ‬القضية‭ ‬وهو‭ ‬يهز‭ ‬رأسه،‭ ‬ليس‭ ‬استنكارا‭ ‬لمسلك‭ ‬الابن‭ ‬الشائن‭ ‬الذي‭ ‬قاطع‭ ‬أباه‭ ‬الكهل،‭ ‬ولكن‭ ‬لأن‭ ‬القانون‭ ‬حمار‭ ‬ولا‭ ‬يسمح‭ ‬له‭ ‬بسجن‭ ‬ذلك‭ ‬الابن‭ ‬العاق‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬يصفعه‭ ‬أو‭ ‬يبصق‭ ‬على‭ ‬وجهه‭ ‬القميء‭.‬

الإنسان‭ ‬السوي‭ ‬قد‭ ‬يتكبد‭ ‬مشاق‭ ‬ونفقات‭ ‬السفر‭ ‬لرؤية‭ ‬صديق‭ ‬أو‭ ‬زميل‭ ‬دراسة‭ ‬أو‭ ‬عمل‭ ‬لم‭ ‬يره‭ ‬لمدة‭ ‬طويلة،‭ ‬ورمت‭ ‬به‭ ‬الأقدار‭ ‬في‭ ‬قارة‭ ‬أخرى،‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬بأناس‭ ‬ينسون‭ ‬أمر‭ ‬أمهاتهم‭ ‬وآبائهم‭ ‬وإخوتهم،‭ ‬ولا‭ ‬يكلفون‭ ‬أنفسهم‭ ‬ولو‭ ‬عناء‭ ‬الاتصال‭ ‬الهاتفي‭ ‬بهم‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬للاطمئنان‭ ‬عليهم؟‭ ‬أي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬يقطع‭ ‬وشائج‭ ‬الدم‭ ‬والرحم‭ ‬وهو‭ ‬غير‭ ‬مطالب‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬التواصل‭ ‬والسؤال‭ ‬عن‭ ‬الحال؟

وإليكم‭ ‬حكاية‭ ‬السيدة‭ ‬الألمانية‭ ‬ماريا‭ ‬برنر‭ ‬التي‭ ‬تكسب‭ ‬قوت‭ ‬أسرتها‭ ‬بالعمل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬النظافة،‭ ‬أي‭ ‬تكنس‭ ‬المكاتب‭ ‬والمراحيض‭ ‬في‭ ‬المكاتب،‭ ‬ثم‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬لتعد‭ ‬طعام‭ ‬الزوج‭ ‬والعيال‭ ‬الثلاثة،‭ ‬ثم‭ ‬تنظف‭ ‬البيت‭ ‬وتغسل‭ ‬الملابس‭ ‬وتقوم‭ ‬بكيِّها‭. ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬وزوجها‭ ‬عاطل‭ ‬لا‭ ‬يعمل،‭ ‬ليس‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬المتيم‭ ‬بنانسي‭ ‬عجرم‭ (‬النسخة‭ ‬الألمانية‭) ‬ويظل‭ ‬يواصل‭ ‬الليل‭ ‬بالنهار‭ ‬يحملق‭ ‬في‭ ‬شاشة‭ ‬التلفزيون،‭ ‬متنقلا‭ ‬من‭ ‬محطة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬وحوله‭ ‬أطباق‭ ‬الفشار‭ ‬والمكسرات‭ ‬التي‭ ‬يأكل‭ ‬منها‭ ‬ويرمي‭ ‬القشور‭ ‬يمنة‭ ‬ويسرة،‭ ‬وهو‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الزوجة‭ ‬ستتولى‭ ‬عملية‭ ‬جمع‭ ‬النفايات‭ ‬التي‭ ‬يرمي‭ ‬بها‭ ‬أرضا‭.‬

والإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يوصف‭ ‬بالعاميتين‭ ‬السودانية‭ ‬والمصرية‭ ‬بـ«اللطخ‮»‬،‭ ‬هو‭ ‬ضعيف‭ ‬الهمة،‭ ‬وعديم‭ ‬الذوق‭ ‬والإحساس،‭ ‬ولا‭ ‬تهمه‭ ‬مشاعر‭ ‬الآخرين‭ ‬كثيراً،‭ ‬والسيد‭ ‬برنر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يكتفي‭ ‬بالعيش‭ ‬‮«‬أوانطة‮»‬‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬زوجته،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يقود‭ ‬سيارتها‭ ‬للتنزه‭ ‬أو‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬الحانة‭ ‬لشرب‭ ‬البيرة‭ ‬ليزداد‭ ‬لطاخة،‭ ‬وذات‭ ‬مرة‭ ‬أوقف‭ ‬سيارة‭ ‬زوجته‭ ‬‮«‬في‭ ‬الممنوع‮»‬،‭ ‬ففرضت‭ ‬عليه‭ ‬شرطة‭ ‬غرامة‭ ‬تقدر‭ ‬بنحو‭ ‬70‭ ‬دولاراً،‭ ‬وطبعاً‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تلغي‭ ‬الغرامة‭ ‬لأنك‭ ‬ولد‭ ‬فلان،‭ ‬أو‭ ‬لأن‭ ‬وظيفتك‭ ‬خطيرة،‭ ‬وتفادياً‭ ‬للنقنقة‭ ‬قام‭ ‬الرجل‭ ‬بالتكتم‭ ‬على‭ ‬أمر‭ ‬الغرامة،‭ ‬فظلت‭ ‬تتضاعف‭ ‬قيمتها‭ ‬حتى‭ ‬بلغت‭ ‬قرابة‭ ‬4000‭ ‬دولار‭ ‬بمرور‭ ‬الزمان،‭ ‬ولأن‭ ‬السيارة‭ ‬مسجلة‭ ‬باسم‭ ‬الزوجة‭ ‬ماريا‭ ‬فقد‭ ‬ظلت‭ ‬الشرطة‭ ‬تلاحقها‭ ‬وتطالبها‭ ‬بسداد‭ ‬الغرامة‭ ‬التراكمية،‭ ‬ولكنها‭ ‬حلفت‭ ‬بالطلاق‭ ‬ألا‭ ‬تدفع‭ ‬مليماً‭ ‬أحمر،‭ ‬قالوا‭ ‬لها‭: ‬يا‭ ‬بنت‭ ‬الناس‭ ‬الحكومة‭ ‬لن‭ ‬تتنازل‭ ‬عن‭ ‬حقها،‭ ‬وستذهبين‭ ‬إلى‭ ‬السجن‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تدفعي‭ ‬الغرامة،‭ ‬ففاجأت‭ ‬ماريا‭ ‬الشرطة‭ ‬بقولها‭: ‬السجن‭ ‬أحب‭ ‬إلي‭ ‬من‭ ‬الجلوس‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الزوج‭ ‬الخرنق‭ ‬اللطخ‭ ‬البارد،‭ ‬وهكذا‭ ‬أتت‭ ‬الشرطة‭ ‬لاقتيادها‭ ‬إلى‭ ‬السجن‭ ‬فخرجت‭ ‬إليهم‭ ‬في‭ ‬أجمل‭ ‬مظهر،‭ ‬هاشة‭ ‬باشة،‭ ‬وخرج‭ ‬الجيران‭ ‬يستطلعون‭ ‬أمر‭ ‬جارتهم‭ ‬الطيبة‭ ‬التي‭ ‬داهمت‭ ‬الشرطة‭ ‬بيتها‭ ‬فإذا‭ ‬بها‭ ‬تلوح‭ ‬لهم‭ ‬بيديها‭ ‬وتصيح‭: ‬باركوا‭ ‬لي،‭ ‬رايحة‭ ‬السجن‭ ‬3‭ ‬أشهر‭. ‬لا‭ ‬غسيل،‭ ‬لا‭ ‬طبخ،‭ ‬لا‭ ‬بطيخ‭.. ‬وجبات‭ ‬منتظمة‭ ‬وراحة‭ ‬متواصلة‭.. ‬ولكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬فرحة‭ ‬ماريا‭ ‬بالسجن‭ ‬لن‭ ‬تطول‭ ‬فقد‭ ‬بدأ‭ ‬زوجها‭ ‬في‭ ‬بيع‭ ‬بعض‭ ‬أثاث‭ ‬البيت‭ ‬لسداد‭ ‬الغرامة‭ ‬لإخراجها‭ ‬من‭ ‬السجن‭! ‬وبالتأكيد‭ ‬فإن‭ ‬المثل‭ ‬المصري‭ ‬القائل‭ ‬‮«‬ظل‭ ‬راجل‭ ‬ولا‭ ‬ظل‭ ‬حيطة‮»‬،‭ ‬ليس‭ ‬صحيحا‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬لأن‭ ‬ظل‭ ‬حيطة‭ ‬أفضل‭ ‬ألف‭ ‬مرة‭ ‬من‭ ‬رجل‭ ‬كهذا،‭ ‬والكلب‭ ‬أكثر‭ ‬وفاء‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الابن‭ ‬الذي‭ ‬اضطر‭ ‬أباه‭ ‬إلى‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬لرؤيته‭.‬

 

 

 

 

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news