العدد : ١٦٨٨٨ - الثلاثاء ١٨ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٢ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٨٨ - الثلاثاء ١٨ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٢ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

شتان ما بين اللطافة والجلافة (1)

أكثر‭ ‬ما‭ ‬يحيرني‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬عندنا‭ ‬تناقش‭ ‬مختلف‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تعتقد‭ ‬أنها‭ ‬ملحة‭ ‬ومهمة‭ ‬مثل‭ ‬العنوسة‭ ‬والفساد‭ ‬وتردي‭ ‬مستويات‭ ‬التعليم‭ ‬وجنوح‭ ‬الأحداث،‭ ‬ولكنها‭ ‬تهمل‭ ‬أمر‭ ‬وباء‭ ‬تفشى‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬وباض‭ ‬وأفرخ‭: ‬الجلافة‭ ‬وقلة‭ ‬الذوق‭ ‬وعدم‭ ‬التهذيب،‭ ‬وجميعها‭ ‬تندرج‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ ‬سوء‭ ‬الخلق،‭ ‬بينما‭ ‬معاملة‭ ‬الآخرين‭ ‬بأدب‭ ‬واحترام‭ ‬وكياسة‭ ‬وتهذيب‭ ‬تمثل‭ ‬‮«‬حسن‭ ‬الخلق‮»‬،‭ ‬ولا‭ ‬يكاد‭ ‬يمر‭ ‬يوم‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتعرض‭ ‬الواحد‭ ‬منا‭ ‬أو‭ ‬يكون‭ ‬شاهداً‭ ‬على‭ ‬موقف‭ ‬أو‭ ‬مسلك‭ ‬ينم‭ ‬عن‭ ‬غياب‭ ‬حسن‭ ‬الخلق‭. ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬أوقفت‭ ‬سيارتي‭ ‬أمام‭ ‬بقالة‭ ‬وعدت‭ ‬إليها‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬دقيقتين‭ ‬ووجدت‭ ‬سيارة‭ ‬أخرى‭ ‬تسد‭ ‬عليّ‭ ‬طريق‭ ‬الخروج،‭ ‬ولما‭ ‬طال‭ ‬غياب‭ ‬صاحبها‭ ‬دخلت‭ ‬البقالة‭ ‬ورفعت‭ ‬صوتي‭ ‬قليلاً‭ ‬راجياً‭ ‬من‭ ‬صاحب‭ ‬السيارة‭ ‬الكذا‭ ‬وكذا‭ ‬أن‭ ‬يحركها‭ ‬من‭ ‬مكانها‭ ‬كي‭ ‬يتسنى‭ ‬لي‭ ‬الانصراف،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬بالبقالة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬أشخاص‭ ‬وكان‭ ‬صاحب‭ ‬السيارة‭ ‬المعنية‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬بالتأكيد،‭ ‬ولكنه‭ ‬لم‭ ‬يكلف‭ ‬نفسه‭ ‬عناء‭ ‬الرد‭ ‬عليّ‭ ‬فعدت‭ ‬ووقفت‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬سيارتي،‭ ‬حتى‭ ‬جاء‭ ‬سيادته‭ ‬وتوجه‭ ‬نحو‭ ‬سيارته،‭ ‬وأنا‭ ‬أنظر‭ ‬إليه‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أنطق‭ ‬بكلمة،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬صاح‭ ‬في‭ ‬وجهي‭: ‬رجاء‭ ‬أنا‭ ‬صائم‭ ‬وخلقي‭ ‬ضايق‭ ‬وما‭ ‬أبغي‭ ‬منك‭ ‬محاضرة‭!! ‬قلت‭ ‬له‭ ‬بهدوء‭: ‬ليس‭ ‬لك‭ ‬مني‭ ‬محاضرة‭ ‬أو‭ ‬مهاترة،‭ ‬ويفترض‭ ‬أن‭ ‬الصوم‭ ‬يعلم‭ ‬الناس‭ ‬الصبر‭ ‬وسعة‭ ‬الصدر،‭ ‬وليس‭ ‬‮«‬ضيق‭ ‬الخلق‮»‬،‭ ‬فرد‭ ‬علي‭ ‬بعدوانية‭: ‬بلاش‭ ‬فلسفة‭ (‬الفلسفة‭ ‬أم‭ ‬كل‭ ‬العلوم‭ ‬تعني‭ ‬عندنا‭ ‬الكلام‭ ‬الفارغ‭ ‬أو‭ ‬عديم‭ ‬المعنى‭)‬،‭ ‬وتعمد‭ ‬أن‭ ‬ينطلق‭ ‬بسيارته‭ ‬محدثا‭ ‬غبارا‭ ‬يحجب‭ ‬الرؤية‭.‬

والمصيبة‭ ‬هي‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬سوء‭ ‬الخلق‭ ‬وانعدام‭ ‬التهذيب‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬العنف،‭ ‬بل‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬العنف‭ ‬الجسدي،‭ ‬فلو‭ ‬قابلت‭ ‬جلافة‭ ‬شخص‭ ‬ما‭ ‬بجلافة‭ ‬مماثلة‭ ‬فإن‭ ‬العاقبة‭ ‬هي‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬مبارزة‭ ‬بالألسن‭ ‬ثم‭ ‬‮«‬مضاربة‮»‬‭ ‬بالأيدي،‭ ‬يعني‭ ‬تصرف‭ ‬غير‭ ‬مهذب‭ ‬قد‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬جريمة‭. ‬والعنف‭ ‬اللفظي‭ ‬بين‭ ‬الأزواج‭ ‬قد‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬الطلاق‭ ‬وفركشة‭ ‬العائلة،‭ ‬والظاهرة‭ ‬المستجدة‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬هي‭ ‬سوء‭ ‬الظن‭ ‬بالغرباء،‭ ‬والغرباء‭ ‬هنا‭ ‬ليسوا‭ ‬الأجانب‭ ‬أو‭ ‬الذين‭ ‬هبطوا‭ ‬من‭ ‬كواكب‭ ‬أخرى‭ ‬بل‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬تربطنا‭ ‬بهم‭ ‬علاقة‭ ‬قربى‭ ‬أو‭ ‬زمالة‭ ‬عمل‭ ‬أو‭ ‬‮«‬تعارف‮»‬،‭ ‬بدرجة‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬هناك‭ ‬حقوق‭ ‬‮«‬جيرة‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬ان‭ ‬الجار‭ ‬يعامل‭ ‬معالمة‭ ‬الغريب،‭ ‬فقد‭ ‬صار‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منا‭ ‬يعيش‭ ‬داخل‭ ‬فقاعة‭ ‬خاصة‭ ‬به‭ ‬ويخشى‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬الانفجار،‭ ‬إذا‭ ‬اقترب‭ ‬من‭ ‬الآخرين،‭ ‬كما‭ ‬يتطلب‭ ‬الحس‭ ‬السوي‭ ‬والخلق‭ ‬القويم،‭ ‬وهكذا‭ ‬تجلس‭ ‬في‭ ‬الطائرة‭ ‬في‭ ‬المقعد‭ ‬المخصص‭ ‬لك،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬سبقك‭ ‬إلى‭ ‬المقعد‭ ‬المجاور‭ ‬ينظر‭ ‬إليك‭ ‬وكأنك‭ ‬ستقطع‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬لحمه‭ ‬وتجلس‭ ‬عليه،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬يتمتع‭ ‬بدرجة‭ ‬معقولة‭ ‬من‭ ‬التهذيب‭ ‬فإنه‭ ‬ينظر‭ ‬بعيدا‭ ‬عنك،‭ ‬وكأنك‭ ‬تحمل‭ ‬كاوية‭ ‬لحام‭ ‬ستؤثر‭ ‬على‭ ‬بصره‭. ‬بل‭ ‬أنظر‭ ‬قلة‭ ‬الذوق‭ ‬في‭ ‬مطاراتنا‭ ‬عند‭ ‬النداء‭ ‬على‭ ‬الركاب‭ ‬للتوجه‭ ‬إلى‭ ‬الطائرة‭: ‬يتدافع‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬البوابات‭ ‬وسلالم‭ ‬ومداخل‭ ‬الطائرات‭ ‬وكأن‭ ‬من‭ ‬يدخل‭ ‬الطائرة‭ ‬أولاً‭ ‬سينال‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للفيزياء،‭ ‬وأن‭ ‬من‭ ‬يتلكأ‭ ‬في‭ ‬دخول‭ ‬الطائرة‭ ‬ستقول‭ ‬له‭ ‬المضيفة‭: ‬سوري‭ ‬كل‭ ‬المقاعد‭ ‬امتلأت،‭ ‬شوف‭ ‬رحلة‭ / ‬طائرة‭ ‬ثانية‭.‬

وجرَّب‭ ‬أن‭ ‬تبقي‭ ‬الباب‭ ‬المزدوج‭ ‬في‭ ‬ممر‭ ‬مستشفى‭ -‬مثلاً‭- ‬مفتوحاً‭ ‬كي‭ ‬يمر‭ ‬الآخرون‭ ‬وانظر‭ ‬كم‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬سيقول‭ ‬لك‭: ‬شكراً‭! ‬ربما‭ ‬يقولها‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬عشرة،‭ ‬والنتيجة‭ ‬هي‭ ‬أنك‭ ‬ستقرر‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬جلفا‭ ‬مثلهم‭ ‬ولن‭ ‬تمسك‭ ‬بالباب‭ ‬كي‭ ‬يبقى‭ ‬مفتوحاً‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬شخص‭ ‬سيمر‭ ‬منه‭ ‬وراءك‭ ‬مباشرة،‭ ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬رأيت‭ ‬ذا‭ ‬إعاقة‭ ‬على‭ ‬كرسي‭ ‬متحرك‭ ‬يحاول‭ ‬دخول‭ ‬اسانسير‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬عام،‭ ‬فلا‭ ‬يفسح‭ ‬له‭ ‬الآخرون‭ ‬الطريق،‭ ‬والجلافة‭ ‬مُعدية‭ ‬وسريعة‭ ‬الانتشار،‭ ‬لأنك‭ ‬كلما‭ ‬لمست‭ ‬السلوك‭ ‬الجلف‭ ‬من‭ ‬الآخرين‭ ‬تصبح‭ ‬أقل‭ ‬استعدادا‭ ‬للسلوك‭ ‬المهذب،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الضرب‭ ‬من‭ ‬السلوك‭ ‬لا‭ ‬يتطلب‭ ‬جهداً،‭ ‬بينما‭ ‬حسن‭ ‬الخلق‭ ‬يأتي‭ ‬بترويض‭ ‬النفس‭ ‬وتدريبها‭ ‬على‭ ‬كظم‭ ‬الغيظ‭ ‬وعدم‭ ‬الاشتغال‭ ‬والانفعال‭ ‬بتوافه‭ ‬الأمور‭ ‬وإدراك‭ ‬أن‭ ‬الآخرين‭ ‬يخطئون‭ ‬وأن‭ ‬الصفح‭ ‬عنهم‭ ‬أجمل‭ ‬من‭ ‬الانتقام‭ ‬اللفظي‭ ‬أو‭ ‬الجسدي،‭ ‬ومعاملة‭ ‬الناس‭ ‬بالحسنى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬الطوعي‭ ‬ومردوده‭ ‬يصون‭ ‬كبرياء‭ ‬المانح‭ ‬والمتلقي‭. ‬وإذا‭ ‬كنت‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تتفرج‭ ‬على‭ ‬الجلافة‭ ‬‮«‬بالجملة‮»‬‭ ‬فقف‭ ‬على‭ ‬رصيف‭ ‬شارع‭ ‬وانظر‭ ‬كيف‭ ‬تتبارى‭ ‬السيارات‭ ‬في‭ ‬الانعطافات‭ ‬الخاطئة‭ ‬والتسابق‭ ‬الأرعن‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا