العدد : ١٧٧٥٥ - الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٥ - الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العقاري

استشارات قانونية
حقوق عقارية يحميها القانون قد يغفل عنها أصحابها

المحامي خالد الجنيد

الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬عالم‭ ‬العقارات‭ ‬والإنشاءات،‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬اهتمام‭ ‬المتعاملين‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬الصفقة‭ ‬وشروط‭ ‬التعاقد‭ ‬ومواعيد‭ ‬السداد،‭ ‬بينما‭ ‬تغيب‭ ‬عن‭ ‬أذهان‭ ‬البعض‭ ‬ضمانات‭ ‬قانونية‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬بنود‭ ‬العقد‭ ‬نفسه،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬تتعثر‭ ‬الالتزامات‭ ‬المالية‭ ‬وتبدأ‭ ‬الخلافات،‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬نشاهده‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬المحاكم‭ ‬بشكل‭ ‬يومي‭. ‬

ولعل‭ ‬من‭ ‬المسائل‭ ‬القانونية‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬عليها‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ«حق‭ ‬الامتياز‭ ‬على‭ ‬العقار‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬الحقوق‭ ‬التي‭ ‬نظمها‭ ‬المشرع‭ ‬البحريني‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬المدني،‭ ‬ومنح‭ ‬بموجبها‭ ‬فئات‭ ‬محددة‭ ‬من‭ ‬الدائنين‭ ‬أولوية‭ ‬في‭ ‬استيفاء‭ ‬مستحقاتهم،‭ ‬وفقاً‭ ‬لضوابط‭ ‬وشروط‭ ‬قانونية‭.‬

‭ ‬ولتوضيح‭ ‬فكرة‭ ‬حق‭ ‬الامتياز،‭ ‬لنتصور‭ ‬أن‭ ‬شخصاً‭ ‬باع‭ ‬عقاره،‭ ‬وانتقلت‭ ‬ملكيته‭ ‬إلى‭ ‬المشتري،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يتسلم‭ ‬كامل‭ ‬الثمن‭. ‬أو‭ ‬أن‭ ‬مقاولاً‭ ‬أنجز‭ ‬أعمال‭ ‬تشييد‭ ‬مبنى،‭ ‬ثم‭ ‬فوجئ‭ ‬بتعثر‭ ‬مالكه‭ ‬في‭ ‬سداد‭ ‬مستحقاته‭. ‬فهل‭ ‬يقف‭ ‬القانون‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬المطالبة‭ ‬بالدين؟‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬يمنح‭ ‬هؤلاء‭ ‬ضمانات‭ ‬تتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬حكم‭ ‬قضائي‭ ‬بالمبلغ‭ ‬المستحق؟

قد‭ ‬تكون‭ ‬الإجابة‭ ‬مفاجئة‭ ‬للبعض،‭ ‬فالمشرع‭ ‬البحريني‭ ‬لم‭ ‬يضع‭ ‬جميع‭ ‬الدائنين‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬قانوني‭ ‬واحد،‭ ‬وإنما‭ ‬قرر‭ ‬لبعضهم‭ ‬حقوق‭ ‬امتياز‭ ‬على‭ ‬العقارات،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬الديون‭ ‬المستحقة‭ ‬لهم‭.‬

فبائع‭ ‬العقار،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يتمتع‭ ‬بموجب‭ ‬المادة‭ (‬1052‭) ‬من‭ ‬القانون‭ ‬المدني‭ ‬بحق‭ ‬امتياز‭ ‬على‭ ‬العقار‭ ‬المبيع‭ ‬ضماناً‭ ‬لما‭ ‬تبقى‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬الثمن‭ ‬وملحقاته‭. ‬فإذا‭ ‬باع‭ ‬شخص‭ ‬عقاراً‭ ‬بمبلغ‭ ‬مائتي‭ ‬ألف‭ ‬دينار،‭ ‬وتسلم‭ ‬مائة‭ ‬وخمسين‭ ‬ألفاً،‭ ‬وبقي‭ ‬له‭ ‬خمسون‭ ‬ألف‭ ‬دينار‭ ‬في‭ ‬ذمة‭ ‬المشتري،‭ ‬فإن‭ ‬القانون‭ ‬يمنحه‭ ‬امتيازاً‭ ‬على‭ ‬العقار‭ ‬المبيع،‭ ‬شريطة‭ ‬استيفاء‭ ‬متطلبات‭ ‬القيد،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬له‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الأولوية‭ ‬القانونية‭ ‬المقررة‭ ‬لهذا‭ ‬الحق‭.‬

واللافت‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬المشرع‭ ‬اشترط‭ ‬قيد‭ ‬هذا‭ ‬الامتياز‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬عقد‭ ‬البيع‭ ‬مسجلاً،‭ ‬وجعل‭ ‬مرتبته‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬القيد،‭ ‬وهي‭ ‬مسألة‭ ‬قد‭ ‬يغفل‭ ‬عنها‭ ‬بعض‭ ‬المتعاملين‭ ‬اعتقاداً‭ ‬منهم‭ ‬أن‭ ‬تسجيل‭ ‬البيع‭ ‬وحده‭ ‬يكفي‭ ‬لحماية‭ ‬حقوق‭ ‬البائع‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬المقاولات‭ ‬والإنشاءات،‭ ‬فقد‭ ‬قررت‭ ‬المادة‭ (‬1053‭) ‬من‭ ‬القانون‭ ‬المدني‭ ‬امتيازا‭ ‬للمقاولين‭ ‬والمهندسين‭ ‬عن‭ ‬المبالغ‭ ‬المستحقة‭ ‬لهم‭ ‬مقابل‭ ‬أعمال‭ ‬التشييد‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬البناء‭ ‬أو‭ ‬الترميم‭ ‬أو‭ ‬الصيانة‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الامتياز‭ ‬ليس‭ ‬مطلقاً،‭ ‬إذ‭ ‬يرتبط‭ ‬بمقدار‭ ‬الزيادة‭ ‬التي‭ ‬أحدثتها‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬العقار‭ ‬وقت‭ ‬بيعه،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تقدير‭ ‬هذه‭ ‬الزيادة‭ ‬مسألة‭ ‬فنية‭ ‬وقانونية‭ ‬بالغة‭ ‬الأهمية‭. ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬المقاول‭ ‬مستحقاً‭ ‬لمبلغ‭ ‬مائة‭ ‬ألف‭ ‬دينار،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬العقار‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬أعماله‭ ‬سبعين‭ ‬ألفا‭. ‬وهنا‭ ‬ينبغي‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬أصل‭ ‬المديونية‭ ‬التي‭ ‬يحق‭ ‬له‭ ‬المطالبة‭ ‬بها،‭ ‬وبين‭ ‬المقدار‭ ‬الذي‭ ‬يتمتع‭ ‬بضمان‭ ‬الامتياز‭.‬

ومن‭ ‬واقع‭ ‬طبيعة‭ ‬المنازعات‭ ‬الإنشائية،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬تستحق‭ ‬اهتماماً‭ ‬خاصاً‭ ‬من‭ ‬المقاولين‭ ‬والمهندسين،‭ ‬الذين‭ ‬قد‭ ‬ينشغلون‭ ‬بإثبات‭ ‬الأعمال‭ ‬المنفذة‭ ‬وقيمتها،‭ ‬دون‭ ‬الالتفات‭ ‬إلى‭ ‬الضمانات‭ ‬العينية‭ ‬التي‭ ‬أتاحها‭ ‬لهم‭ ‬القانون‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الامتياز‭ ‬على‭ ‬البائعين‭ ‬والمقاولين،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬الشركاء‭ ‬عند‭ ‬قسمة‭ ‬العقارات‭ ‬الشائعة،‭ ‬وفقاً‭ ‬للمادة‭ (‬1054‭) ‬من‭ ‬القانون‭ ‬المدني‭. ‬فإذا‭ ‬انتهت‭ ‬القسمة‭ ‬إلى‭ ‬حصول‭ ‬أحد‭ ‬الشركاء‭ ‬على‭ ‬حصة‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬نصيبه‭ ‬المستحق،‭ ‬مقابل‭ ‬التزام‭ ‬الآخرين‭ ‬بدفع‭ ‬مبلغ‭ ‬مالي‭ ‬لتعويض‭ ‬هذا‭ ‬الفرق،‭ ‬فإن‭ ‬القانون‭ ‬يمنحه،‭ ‬وفق‭ ‬شروطه،‭ ‬حق‭ ‬امتياز‭ ‬على‭ ‬الحصص‭ ‬المفرزة‭ ‬التي‭ ‬آلت‭ ‬إلى‭ ‬بقية‭ ‬الشركاء‭.‬

كما‭ ‬امتدت‭ ‬فكرة‭ ‬الامتياز‭ ‬إلى‭ ‬العقارات‭ ‬المشتركة،‭ ‬إذ‭ ‬قررت‭ ‬المادة‭ (‬68‭) ‬من‭ ‬قانون‭ ‬تنظيم‭ ‬القطاع‭ ‬العقاري‭ ‬رقم‭ (‬27‭) ‬لسنة‭ ‬2017‭ ‬امتيازاً‭ ‬للمبالغ‭ ‬المستحقة‭ ‬عن‭ ‬الاشتراكات‭ ‬السنوية‭ ‬والالتزامات‭ ‬المالية‭ ‬الأخرى‭ ‬المقررة‭ ‬على‭ ‬مالك‭ ‬الوحدة‭ ‬العقارية‭ ‬وفقاً‭ ‬للقانون‭ ‬والنظام‭ ‬الأساسي‭ ‬لاتحاد‭ ‬الملاك،‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الامتياز‭ ‬حتى‭ ‬عند‭ ‬انتقال‭ ‬ملكية‭ ‬الوحدة‭ ‬إلى‭ ‬شخص‭ ‬آخر‭.‬

ولكن‭ ‬أين‭ ‬تكمن‭ ‬الإشكالية‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الضمان؟

لا‭ ‬تكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬النص‭ ‬القانوني‭ ‬الذي‭ ‬يحمي‭ ‬صاحب‭ ‬الحق،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬معرفة‭ ‬البعض‭ ‬بوجود‭ ‬هذا‭ ‬الحق،‭ ‬أو‭ ‬إغفال‭ ‬الإجراءات‭ ‬اللازمة‭ ‬للاستفادة‭ ‬منه‭.‬

فحقوق‭ ‬الامتياز‭ ‬العقارية‭ ‬التي‭ ‬نظمها‭ ‬القانون‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬المشار‭ ‬إليها‭ ‬تستلزم‭ ‬القيد،‭ ‬وتترتب‭ ‬مرتبتها‭ ‬القانونية‭ ‬من‭ ‬تاريخه،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬الأحكام‭ ‬الخاصة‭ ‬بكل‭ ‬حالة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تظهر‭ ‬أهمية‭ ‬المبادرة‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬القانونية‭ ‬المناسبة،‭ ‬وعدم‭ ‬انتظار‭ ‬نشوء‭ ‬النزاع‭ ‬أو‭ ‬تعثر‭ ‬المدين‭.‬

إن‭ ‬حق‭ ‬الامتياز‭ ‬العقاري‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬نص‭ ‬قانوني‭ ‬نقرأه‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬او‭ ‬نصوص‭ ‬القانون‭ ‬المدني،‭ ‬بل‭ ‬ضمانة‭ ‬عملية‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬مصير‭ ‬مستحقات‭ ‬مالية‭ ‬كبيرة،‭ ‬وتمنح‭ ‬صاحبها‭ ‬مركزاً‭ ‬قانونياً‭ ‬مختلفاً‭ ‬عن‭ ‬مركز‭ ‬الدائن‭ ‬العادي‭.‬

ولعل‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬أود‭ ‬إيصالها‭ ‬إلى‭ ‬المتعاملين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬العقاري،‭ ‬من‭ ‬بائعين‭ ‬ومقاولين‭ ‬ومهندسين‭ ‬ومطورين،‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬حماية‭ ‬الحقوق‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬عند‭ ‬أبواب‭ ‬المحاكم،‭ ‬وإنما‭ ‬تبدأ‭ ‬منذ‭ ‬اللحظة‭ ‬الأولى‭ ‬للتعاقد،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فهم‭ ‬الضمانات‭ ‬التي‭ ‬يوفرها‭ ‬القانون‭ ‬واتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬اللازمة‭ ‬للمحافظة‭ ‬عليها‭.‬

فليس‭ ‬كل‭ ‬حق‭ ‬يقرره‭ ‬القانون‭ ‬تتحقق‭ ‬حمايته‭ ‬تلقائيا،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬استيفاء‭ ‬الحق‭ ‬وتعثر‭ ‬استيفائه‭ ‬إجراءً‭ ‬قانونياً‭ ‬بسيطاً‭ ‬لم‭ ‬يتخذ‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭.‬

محامٍ‭ ‬ومحكّم‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬المنازعات‭ ‬العقارية‭ ‬والإنشائية

aljunaidlaw@gmail‭.‬om

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا