في عالم العقارات والإنشاءات، كثيراً ما يكون اهتمام المتعاملين على قيمة الصفقة وشروط التعاقد ومواعيد السداد، بينما تغيب عن أذهان البعض ضمانات قانونية قد تكون أكثر أهمية من بعض بنود العقد نفسه، خصوصاً عندما تتعثر الالتزامات المالية وتبدأ الخلافات، وهذا من أكثر ما نشاهده في أروقة المحاكم بشكل يومي.
ولعل من المسائل القانونية التي تستحق تسليط الضوء عليها ما يعرف بـ«حق الامتياز على العقار»، وهو من الحقوق التي نظمها المشرع البحريني في القانون المدني، ومنح بموجبها فئات محددة من الدائنين أولوية في استيفاء مستحقاتهم، وفقاً لضوابط وشروط قانونية.
ولتوضيح فكرة حق الامتياز، لنتصور أن شخصاً باع عقاره، وانتقلت ملكيته إلى المشتري، لكنه لم يتسلم كامل الثمن. أو أن مقاولاً أنجز أعمال تشييد مبنى، ثم فوجئ بتعثر مالكه في سداد مستحقاته. فهل يقف القانون عند حدود المطالبة بالدين؟ أم أنه يمنح هؤلاء ضمانات تتجاوز مجرد الحصول على حكم قضائي بالمبلغ المستحق؟
قد تكون الإجابة مفاجئة للبعض، فالمشرع البحريني لم يضع جميع الدائنين في مركز قانوني واحد، وإنما قرر لبعضهم حقوق امتياز على العقارات، بالنظر إلى طبيعة الديون المستحقة لهم.
فبائع العقار، على سبيل المثال، يتمتع بموجب المادة (1052) من القانون المدني بحق امتياز على العقار المبيع ضماناً لما تبقى له من الثمن وملحقاته. فإذا باع شخص عقاراً بمبلغ مائتي ألف دينار، وتسلم مائة وخمسين ألفاً، وبقي له خمسون ألف دينار في ذمة المشتري، فإن القانون يمنحه امتيازاً على العقار المبيع، شريطة استيفاء متطلبات القيد، بما يتيح له الاستفادة من الأولوية القانونية المقررة لهذا الحق.
واللافت هنا أن المشرع اشترط قيد هذا الامتياز حتى لو كان عقد البيع مسجلاً، وجعل مرتبته من تاريخ القيد، وهي مسألة قد يغفل عنها بعض المتعاملين اعتقاداً منهم أن تسجيل البيع وحده يكفي لحماية حقوق البائع.
أما في قطاع المقاولات والإنشاءات، فقد قررت المادة (1053) من القانون المدني امتيازا للمقاولين والمهندسين عن المبالغ المستحقة لهم مقابل أعمال التشييد أو إعادة البناء أو الترميم أو الصيانة.
غير أن هذا الامتياز ليس مطلقاً، إذ يرتبط بمقدار الزيادة التي أحدثتها تلك الأعمال في قيمة العقار وقت بيعه، وهو ما يجعل تقدير هذه الزيادة مسألة فنية وقانونية بالغة الأهمية. فقد يكون المقاول مستحقاً لمبلغ مائة ألف دينار، بينما لا تتجاوز الزيادة في قيمة العقار الناتجة عن أعماله سبعين ألفا. وهنا ينبغي التمييز بين أصل المديونية التي يحق له المطالبة بها، وبين المقدار الذي يتمتع بضمان الامتياز.
ومن واقع طبيعة المنازعات الإنشائية، فإن هذه المسألة تستحق اهتماماً خاصاً من المقاولين والمهندسين، الذين قد ينشغلون بإثبات الأعمال المنفذة وقيمتها، دون الالتفات إلى الضمانات العينية التي أتاحها لهم القانون.
ولا يقتصر الامتياز على البائعين والمقاولين، بل يمتد إلى الشركاء عند قسمة العقارات الشائعة، وفقاً للمادة (1054) من القانون المدني. فإذا انتهت القسمة إلى حصول أحد الشركاء على حصة تقل عن نصيبه المستحق، مقابل التزام الآخرين بدفع مبلغ مالي لتعويض هذا الفرق، فإن القانون يمنحه، وفق شروطه، حق امتياز على الحصص المفرزة التي آلت إلى بقية الشركاء.
كما امتدت فكرة الامتياز إلى العقارات المشتركة، إذ قررت المادة (68) من قانون تنظيم القطاع العقاري رقم (27) لسنة 2017 امتيازاً للمبالغ المستحقة عن الاشتراكات السنوية والالتزامات المالية الأخرى المقررة على مالك الوحدة العقارية وفقاً للقانون والنظام الأساسي لاتحاد الملاك، مع استمرار هذا الامتياز حتى عند انتقال ملكية الوحدة إلى شخص آخر.
ولكن أين تكمن الإشكالية الحقيقية في هذا الضمان؟
لا تكمن المشكلة دائماً في غياب النص القانوني الذي يحمي صاحب الحق، وإنما في عدم معرفة البعض بوجود هذا الحق، أو إغفال الإجراءات اللازمة للاستفادة منه.
فحقوق الامتياز العقارية التي نظمها القانون المدني في الحالات المشار إليها تستلزم القيد، وتترتب مرتبتها القانونية من تاريخه، مع مراعاة الأحكام الخاصة بكل حالة. ومن هنا تظهر أهمية المبادرة إلى اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، وعدم انتظار نشوء النزاع أو تعثر المدين.
إن حق الامتياز العقاري ليس مجرد نص قانوني نقرأه في كتب او نصوص القانون المدني، بل ضمانة عملية قد تؤثر في مصير مستحقات مالية كبيرة، وتمنح صاحبها مركزاً قانونياً مختلفاً عن مركز الدائن العادي.
ولعل الرسالة التي أود إيصالها إلى المتعاملين في القطاع العقاري، من بائعين ومقاولين ومهندسين ومطورين، هي أن حماية الحقوق لا تبدأ عند أبواب المحاكم، وإنما تبدأ منذ اللحظة الأولى للتعاقد، من خلال فهم الضمانات التي يوفرها القانون واتخاذ الإجراءات اللازمة للمحافظة عليها.
فليس كل حق يقرره القانون تتحقق حمايته تلقائيا، وقد يكون الفارق بين استيفاء الحق وتعثر استيفائه إجراءً قانونياً بسيطاً لم يتخذ في الوقت المناسب.
محامٍ ومحكّم متخصص في المنازعات العقارية والإنشائية
aljunaidlaw@gmail.om

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك