تُعد الشوارع التجارية من أهم عناصر نجاح المدن الحديثة والمناطق، فهي ليست مجرد طرق تمر بها المركبات، بل شرايين اقتصادية تجمع بين التجارة والخدمات والحركة الاجتماعية، وتخلق قيمة مضافة للمناطق المحيطة بها. وقد أثبتت التجارب المحلية والعالمية أن وجود شارع تجاري نشط قادر على رفع قيمة العقارات، وجذب الاستثمارات، وتحويل المنطقة إلى وجهة اقتصادية وسياحية.
في مملكة البحرين، لدينا العديد من الشوارع التجارية التي أثبتت نجاحها على أرض الواقع، حيث كان تصنيف العقارات في السابق يعتمد بصورة أكبر على الشارع ودوره التجاري، إلا أن هذا التوجه تغير خلال السنوات الماضية، وأصبح التصنيف في عديد من الحالات مرتبطاً بالبلوكات والمخططات الكبيرة فقط، وهو أمر يحتاج إلى إعادة تقييم بما يتناسب مع طبيعة التطور العمراني والاقتصادي.
فهل تمت دراسة أسباب نجاح بعض الشوارع التجارية في البحرين؟ وهل تم تحليل حركة الزوار والاستثمارات قبل تغيير التصنيفات من شوارع إلى بلوكات بالمخططات؟
على سبيل المثال، يُعد شارع البديع نموذجاً واضحاً لنجاح الشارع التجاري، فقد أصبح وجهة يقصدها المواطنون والمقيمون بسبب تنوع الأنشطة التجارية والخدمية الموجودة فيه. والدليل على قوة الطلب أن العديد من المحلات التجارية يتم حجزها وتأجيرها قبل اكتمال المبنى، وهو مؤشر واضح على أن الموقع التجاري الذي يعتمد على حركة الشارع يمتلك قيمة اقتصادية عالية بالمقارنة مع الأراضي التجارية في البلوكات السكنية وهي أمر طيب أيضاً لخدمات القرى البعيدة عن الشوارع التجارية ولكن استمرارية الشوارع التجارية أعتقد له أهمية على المدى البعيد في الاستثمار التجاري وتقوية الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة عبر الاستثمار في المحلات.
وكذلك الحال في شارع جدعلي وشارع بوكواره وشارع مشتان بالرفاع وشارع سوق القصرية بالمحرق وشارع القصر بمنطقة القضيبية بالمنامة وشارع المعارض بالمنامة وشارع المطاعم بالجفير بالإضافة إلى شارع البديع كما سبقنا ذكرها، حيث أثبتت هذه المواقع قدرتها على جذب المستثمرين والعملاء بسبب طبيعة الشارع المفتوح وتنوع الأنشطة التجارية والمحلات فيه.
الفرق الأساسي بين الشوارع التجارية والبلوكات التجارية هو طبيعة الحركة الاقتصادية. فالشارع التجاري يجذب زواراً من مختلف المناطق، لأن العميل يفضل الوصول إلى موقع يحتوي على خيارات متعددة من المحلات والمطاعم والخدمات في مسار واحد ولهم قدرة تنافسية عالية. أما البلوك التجاري، رغم نجاحه في بعض المواقع، إلا أن حركة الزوار تكون غالباً مرتبطة بالسكان المحيطين بالمنطقة، مما يجعل نطاق النشاط التجاري محدوداً مقارنة بالشارع الحيوي.
والأمثلة العالمية تؤكد أهمية هذا النموذج؛ فعلى سبيل المثال، يُعد شارع أكسفورد في لندن من أشهر الشوارع التجارية في العالم وشارع شانزلزيه في باريس، حيث يمتد النشاط التجاري على طول الشارع من خلال المحلات والعلامات التجارية والخدمات، وليس عبر تقسيمات بلوكات منفصلة. هذا النموذج خلق بيئة استثمارية جذابة وجعل الشارع وجهة اقتصادية عالمية.
الهدف ليس إلغاء نظام البلوكات التجارية، فهي جزء مهم من التخطيط العمراني، ولكن المطلوب هو إعادة النظر في تصنيفات الشوارع التي أثبتت نجاحها على أرض الواقع، ومنحها المرونة اللازمة لتواكب طبيعة الطلب والاستثمار.
إن التخطيط العمراني الناجح لا يعتمد فقط على المخططات الهندسية، بل يجب أن يراعي سلوك المستهلك وحركة السوق والواقع الاقتصادي. فالشارع الذي يثبت نجاحه تجارياً ويجذب المستثمرين والعملاء يجب أن يكون عاملاً مساعداً في دعم الاقتصاد، وليس عائقاً أمام التطوير.
ولدينا نموذج شارع سار غير مصنف كتجاري ولكن في السابق تم إعطاء منح خاصة بإنشاء محلات تجارية ومجمعات للبعض وبينما الأجدر بدلا من أن يتم منح البعض ورفض البعض يتم الموافقة على تحويل الشارع كله كتجاري ليكون رافدا تجاريا للجميع ويصبح شارعا تجاريا وهذا هو الطريقة السليمة وإنما إعطاء بعض العقارات بشكل تقديري تصنيف تجاري وغيرها لا أعتقد الموضوع يحتاج إلى دراسة جدوى اقتصادية لاعتماد الشارع بصيغته كاملة تجارية وغيرها من الشوارع التجارية التي تصادفها نفس التحدي.
إن إعادة تقييم تصنيفات الشوارع التجارية في مملكة البحرين ستكون خطوة مهمة لتعزيز الاستثمار، وزيادة قيمة العقارات، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتحويل بعض الشوارع إلى مراكز اقتصادية حيوية تخدم المجتمع والاقتصاد الوطني.
فالشوارع التجارية ليست مجرد مساحات عمرانية، بل هي أصول اقتصادية يجب استثمارها واعتمادها بالشكل الأمثل.
الرئيس التنفيذي لمجموعة الفاتح
Jasim@alfateh.bh

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك